منتدى العمق

المدرسة بين التربية والاستعراض: قراءة في ظاهرة “روتيني اليومي كأستاذ(ة)”

في البداية لابدا من الإشاراة إلى أن عنوان هذا المقال «المدرسة بين التربية والاستعراض: قراءة في ظاهرة روتيني اليومي كأستاذ(ة)» هو عنوان مكثف، يحمل أبعاداً دلالية واجتماعية، يمكن التفصيل فيها على الشكل الآتي:

التربية: تحيل على الرسالة الكلاسيكية للمدرسة؛ وهي بناء القيم، المعرفة، الرصانة، السرية والخصوصية المهنية و الديداكتيكية.

●الاستعراض: يحيل على “مجتمع الفرجة”

●”ظاهرة” يخرج الأمر من حيز السلوكيات الفردية المعزولة ليؤكد أنها أصبحت سلوكاً جماعياً متكرراً.

●”روتيني اليومي” ارتبطت في الوعي الجمعي المغربي بمحتويات مبتذلة، تعتمد على تعرية الخصوصية لجني الأرباح…

●”كأستاذ(ة)”: الكاف هنا للتشبيه أو الصفة. وكلمة “أستاذ” تحمل دلالة المكانة، والعلم، والقدرة القيادة.

باختصار العنوان يدق ناقوس الخطر حول “تمييع” الرسالة، ويدعو إلى التفكير في الحدود الفاصلة بين الانفتاح الرقمي الإيجابي للأستاذ، وبين السقوط في فخ الانحطاط.

برز على منصات التواصل الاجتماعي(التكتوك أنسغرام…) نمط جديد من المحتوى يقدمه بعض الأساتذة يمكن أن نطلق عليهم أستاذة “التكتوك والأنستغرام”، حيث نجدهم يقومون على توثيق تفاصيل حياتهم المهنية تحت عناوين من قبيل: “روتيني اليومي كأستاذ(ة)” أو “يوم كامل في حياة أستاذ(ة)”. “اليوم مشيت نصحح الوطني”. “ملي كيشوفوني التلاميذ داخل نحرسهم” وبينما يبدو هذا النوع من المحتوى في ظاهره مجرد مشاركة لتجربة مهنية عادية جدا، فإنه يطرح العديد من الأسئلة البنيوية حول حدود العلاقة بين الرسالة التربوية ومنطق “روتيني اليومي”

فقد أصبح المتابع يشاهد فيديوهات تصور الدخول إلى المؤسسة، وتحضير القهوة، والتنقل بين الأقسام، وتصحيح الأوراق، بل تجاوز الأمر هذا لنجد عناوين من قبيل:”كي جاكم الأوتفيت ديالي” ومشاهد أخرى متكررة لا تحمل في كثير من الأحيان قيمة معرفية أو تربوية حقيقية. ومع تزايد اللهت وراء المشاهدات و “الجدوغات”، تحولت عبارة “روتيني اليومي” لدى البعض إلى عنوان دائم لمحتويات تستثمر الفضاء المدرسي أكثر مما تخدم قضايا التعليم.

والمثير للانتباه أن بعض هذه الفيديوهات تُصوَّر داخل الأقسام الدراسية أو في محيط التلاميذ، مما يثير تساؤلات أخلاقية ومهنية حول مدى احترام خصوصية المؤسسة التعليمية وهيبتها. فالمدرسة ليست”بلاطو” لبرنامج “دار العراسان” للتصوير، والقسم ليس فضاءً للفرجة الرقمية، بل هو مكان مخصص للتعلم وبناء المعرفة والقيم.

ولا يتعلق الأمر برفض حضور الأستاذ في عالم “الديجتال”، بل برفض اختزال مهنة في سلسلة من المشاهد اليومية السطحية التي قد تكرس صورة استهلاكية نمطية عن العمل التربوي. فالمجتمع يحتاج إلى محتوى يناقش قضايا التعليم والمجتمع، ويعرض التجارب البيداغوجية الناجحة، ويقرب الرأي العام من تحديات المدرسة العمومية، لا إلى محتوى يدور حول تفاصيل روتينية لا تتجاوز البحث عن التفاعل والانتشار.

إن مهنة التدريس أكبر من أن تختزل في “روتين يومي” يعرض على “التكتوك والأنستغرام”. فهي رسالة إنسانية وتربوية تقوم على بناء العقول وتشكيل الوعي والوعي الجمعي، وكلما ابتعد الأستاذ عن منطق الاستعراض واقترب من الجوهر، ووضع جدارا صلبا بين ما هو مهني وما هو شخصي. وبين نبل “الرسالة” وجاذبية “البوز” خيط رفيع جداً يوشك أن ينقطع؛ فهل يستدرك أهل التعليم والتربية هذه الفجوة لحفظ ماء الوجه، أم أننا سنستفيق قريباً على مدرسة عمومية فرغت من محتواها، وتحول فيها من كادوا أن يكونوا رسلاً من “منارة للعلم والمعرفة” إلى زملاء وزميلات ” مي السعدية” في سوق الروتيني اليومي؟

لائحة المصادر والمراجع:

_المركز المغربي للأبحاث المعاصرة: «التحولات القيمية في المجتمع المغربي عبر الفضاء الرقمي»، دراسة سوسيولوجية، الرباط، ط1، 2023.

_​مقال: بنعيسى، محمد (2025)، «سوسيولوجيا المؤثرين الرقميين: تمثلات الأستاذ صانع المحتوى في المدرسة المغربية»، منشورات مجلة “علوم التربية”، الدار البيضاء، العدد 42.

_ديبور، غاي (Guy Debord): «مجتمع الاستعراض» (La Société du spectacle)، ترجمة: أحمد حسان، دار شرقيات، 1997.

_بورديو، بيير (Pierre Bourdieu): «التلفزيون وآليات التلاعب بالعقول»، ترجمة: درويش الحلوجي، دار كنعان، 2004.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *