وجهة نظر

ماذا لو وُجد جهازٌ لكشف النفاق السياسي؟!

مع اختتام امتحانات البكالوريا لسنة 2026، عاد الحديث بقوة عن أجهزة كشف الغش التي استُعملت داخل عدد من المؤسسات التعليمية، بعدما أظهرت قدرةً معتبرة على رصد محاولات التحايل وصون مبدأ تكافؤ الفرص بين المترشحين. وقد انشغل الرأي العام بمدى نجاعة هذه الوسائل التقنية، وبقدرة المشرفين على توظيفها بحزم ومسؤولية، حتى يظل النجاح ثمرة استحقاقٍ حقيقي، لا نتيجة طريقٍ مختصر أو التفافٍ ذكي على القواعد.

غير أن السؤال الأكثر إثارة لا يتعلق بما جرى داخل قاعات الامتحان، وإنما بما يجري خارجها في قاعاتٍ أكبر، حيث تكون الأسئلة أعقد، والنتائج أبعد أثرًا، والمراقبة أقل صرامة. فماذا لو وُجد جهازٌ من نوع آخر؟ جهازٌ لا يبحث عن سماعة مخفية في الأذن، ولا عن هاتفٍ صغير في الجيب، وإنما يبحث عن شيء أكثر خفاءً وصعوبة: النفاق السياسي.

ماذا لو استطاع هذا الجهاز أن يميّز بين الوعد الصادق والوعد المصنوع للاستهلاك الانتخابي؟ وأن يكشف الفارق بين من يخدم المصلحة العامة ومن يخدم صورته العامة؟ وأن يقيس، بدقةٍ إلكترونية لا تعرف المجاملة، المسافة الفاصلة بين الخطاب والواقع، وبين ما يُقال فوق المنصات وما يتحقق على الأرض؟

تُرى، كم مرة سيرنّ هذا الجهاز أثناء بعض الخطب؟ وكم إشارة تحذير سيطلقها كلما سمع عبارة: “المشروع في مراحله الأخيرة”، أو “النتائج ستظهر قريبًا”، أو “نعمل ليلًا ونهارًا من أجل المواطن”، بينما المواطن نفسه ما يزال يبحث عن المشروع والنتائج وأحيانًا عن الليل والنهار معًا ..!

ولعل المشكلة الكبرى أن الغش في قاعة الامتحان يؤثر في نقطة أو شهادة، أما الغش في امتحان السياسة فقد يؤثر في مدينة كاملة، أو جيلٍ كامل، أو مستقبل أمة بأسرها. ولهذا يبدو السؤال مشروعًا: إذا كانت المجتمعات قد نجحت في اختراع أجهزة تكشف من يسرق جوابًا في امتحان أو من يستعمل آلة للغش، فمتى ستنجح في اختراع ما يكشف من يسرق الحقيقة في الخطاب العام؟

إن المشكلة الكبرى في المجتمعات لا تكمن دائمًا في نقص القوانين، ولا في غياب المؤسسات، فهذه العيوب يمكن رصدها وتشخيصها ومعالجتها. أما المشكلة الأكثر مراوغة فتسكن في تلك المسافة الخفية بين ما يُقال وما يُفعل، وبين الخطاب حين يُلقى على المنصات والواقع حين يُختبر على الأرض.

فكم من مشروعٍ وُلد وسط التصفيق الحار، ثم اختفى بهدوء قبل أن يبلغ مرحلة التنفيذ. وكم من شعارٍ ارتفع باسم المواطن حتى كاد يلامس السماء، ثم ضاع المواطن نفسه بين اللجان والتقارير والتأجيلات. وكم من وعودٍ قُدّمت بحماسةٍ تملأ الساحات قبل الانتخابات، ثم دخلت بعد ذلك في سباتٍ طويل بمجرد وصول أصحابها إلى المقاعد الوثيرة التي وُلدت الوعود أصلًا للوصول إليها.

وهنا يبدأ نوعٌ آخر من الغش؛ غشٌّ أكثر تهذيبًا وأفضل هندسةً من ذلك الذي تُكتشف أدواته في جيوب التلاميذ أو في الزوايا المعتمة من آذانهم. فهو لا يختبئ في سماعة صغيرة، ولا في ورقة مطوية بعناية، وإنما يتوارى في النوايا حين تختلف عن التصريحات، وفي القرارات حين تخالف الشعارات، وفي السلوك حين يسير في اتجاهٍ مغاير للكلمات التي قيلت أمام الكاميرات.

ولذلك فإن كشف هذا النوع من الغش أصعب بكثير؛ لأن أدواته ليست معدنية حتى ترصدها الأجهزة، ولا إلكترونية حتى تعطلها أجهزة التشويش، وإنما هي فجوة صامتة بين القول والفعل، لا يكتشفها إلا الزمن حين يبدأ بمقارنة الوعود بما تحقق منها، والخطب بما بقي منها بعد انطفاء مكبرات الصوت.

ولو تخيلنا، على سبيل الفكاهة السياسية الجادة، وجود جهازٍ يُثبت على أبواب البرلمانات والمجالس والحكومات، ويقيس درجة الصدق في الأقوال، ومدى التطابق بين البرامج المعلنة والإنجازات المحققة، لربما شهدنا مشاهد غير مألوفة. فقد نكتشف أن بعض الخطب التي تبدو شامخةً كالجبال لا تحتوي في أعماقها إلا على هواءٍ دافئ، وأن بعض التصفيقات الحارة تخفي وراءها حساباتٍ باردة، وأن بعض الشعارات البراقة ليست أكثر من غلافٍ أنيق لفراغٍ كبير. وربما اضطر الجهاز، من فرط ما يلتقطه من إشارات متناقضة، إلى طلب إجازةٍ مرضية أو دعمٍ نفسي عاجل. وقد تظهر على شاشته بين الحين والآخر رسالة تحذير تقول: “تم رصد فجوة واسعة بين الوعد والتنفيذ، يُرجى الاقتراب من الواقع بحذر”.

بل لعل بعض الخطب ستُعامل كما تُعامل حقائب السفر في المطارات؛ تمر أولًا عبر جهاز الفحص، فإذا ثبت احتواؤها على نسبة مرتفعة من الوعود غير القابلة للاشتعال الواقعي، طُلب من صاحبها إعادة تغليفها قبل السماح لها بدخول المجال العام.

ففي الامتحانات المدرسية يُعاقَب الغش لأنه يعتدي على مبدأ تكافؤ الفرص بين التلاميذ، ويمنح بعضهم ما لم يستحقوه على حساب من اجتهدوا واستحقوا. أما في الحياة العامة، فإن الغش السياسي أكثر خطورة وأبعد أثرًا؛ لأنه لا يظلم مترشحًا أو مجموعة مترشحين فحسب، وإنما قد يمتد أثره إلى أجيال كاملة، فيؤخر مسارات التنمية، ويبدد الثقة، ويُحدث فجوة متنامية بين المجتمع ومؤسساته.

فحين ينجح الغش في قاعة الامتحان، تكون الخسارة محدودة في ورقة أو شهادة. أما حين ينجح في إدارة الشأن العام، فقد تكون الخسارة طريقًا لم يُنجز، أو مدرسةً لم تُبنَ، أو مستشفى تأخر افتتاحه، أو فرصة ضاعت على مجتمع بأكمله. ولهذا يصبح الفرق بين النوعين فرقًا في الحجم لا في الطبيعة؛ فكلاهما التفاف على الاستحقاق، غير أن أحدهما يمس أفرادًا، بينما يمتد الآخر إلى مصائر جماعية.

ولهذا لم تبنِ المجتمعات المتقدمة قوتها على أجهزة الكشف الإلكترونية وحدها، ولا على البوابات الذكية وأدوات التفتيش الحديثة فقط، وإنما بنتها قبل ذلك على منظومات متكاملة من الشفافية والمحاسبة وتقييم الأداء. فهناك لا تُقاس قيمة الخطاب بجمال عباراته، ولا بطول التصفيق الذي يرافقه، وإنما بما يتركه من أثر قابل للقياس في الواقع. فالإنجاز هو الشاهد الذي لا يجامل، والأرقام هي اللغة التي يصعب عليها إتقان النفاق، والنتائج هي القاضي الذي لا يصفق لأحد. وعندما تتكلم الحقائق بلغة الأرقام، تضيق مساحة الضباب، وتفقد الشعارات قدرتها على التنكر في هيئة الإنجازات.

ومن زاويةٍ فلسفية أعمق، يمكن القول إن أخطر أنواع الغش ليس ذلك الذي يُمارَس على الآخرين، وإنما ذلك الذي ينجح صاحبه في ممارسته على نفسه. فحين يصل الإنسان إلى مرحلة يقتنع فيها بأن الفشل مسؤولية الجميع إلا هو، وأن الظروف هي المتهم الدائم، وأن الخطاب قادر على سد الفراغ الذي تركه غياب الإنجاز، فإنه لا يبتعد عن الحقيقة فقط، وإنما يمنحها إجازةً طويلة الأمد، ثم يكلّف مجموعةً من التبريرات بإدارة شؤون الواقع بالنيابة عنها. وهنا يتحول الغش من سلوكٍ عابر إلى رؤية كاملة للعالم. فبدل أن يسأل المرء: “أين أخطأت؟”، يبدأ بالبحث عن تفسيرات تُعفيه من السؤال أصلًا. وبدل أن يكون الواقع مرآةً يراجع فيها أداءه، يحاول أن يجعل المرآة نفسها مسؤولة عن الصورة التي لا تعجبه.

ومن هنا تنبع خطورة الوهم السياسي؛ لأنه لا يكتفي بإخفاء الحقيقة عن الناس، وإنما يحجبها أحيانًا عن صاحب القرار نفسه. وعندما يحدث ذلك، يصبح الإصلاح أكثر صعوبة، لأن المشكلة لم تعد في غياب الحلول، وإنما في غياب الاعتراف بوجود المشكلة. فالفساد المكشوف، على خطورته، يظل قابلًا للمواجهة والتشخيص والمحاسبة. أما الوهم حين يتزين بالشعارات، ويتحصن بالخطب، ويكتسب شرعية التكرار، فإنه يتحول إلى ضبابٍ كثيف يحتاج إلى قدر كبير من الوعي الجماعي حتى ينقشع. ولعل أخطر لحظة في حياة الأفراد والمؤسسات ليست تلك التي يقع فيها الخطأ، وإنما تلك التي يصبح فيها الخطأ مقتنعًا بأنه نجاح، ويصبح الفشل واثقًا من أنه إنجاز.

ولعل أجمل ما في هذا الخبر التربوي، بعيدًا عن تفاصيل الأجهزة وتقنيات الكشف، أنه يذكّرنا بحقيقةٍ شديدة البساطة وعميقة الدلالة في آنٍ واحد: فالتكنولوجيا، مهما بلغت دقتها، لا تستطيع أن تُصلح الإنسان إذا غاب الضمير. فالجهاز قد يكون بالغ الكفاءة، غير أن يدًا متهاونة قادرة على تعطيل أثره، والقانون قد يكون محكم الصياغة، غير أن مسؤولًا يفتقر إلى الكفاءة أو الإرادة قد يفرغه من مضمونه حتى يبقى نصًا بلا روح.

ومن هنا يظهر الفرق بين امتلاك الأدوات وامتلاك القدرة على توظيفها. فالمجتمعات لا تتقدم لأنها اشترت أجهزةً أفضل فحسب، وإنما لأنها بنت ثقافةً تجعل الإنسان أمينًا على ما بين يديه من أدوات وصلاحيات. فالتقنية تستطيع أن تكشف المخالفة، لكنها لا تستطيع أن تزرع النزاهة، والقانون يستطيع أن يحدد الواجبات، لكنه لا يستطيع وحده أن يصنع الإحساس بالمسؤولية.

ولهذا يبدأ إصلاح المؤسسات من مكانٍ أعمق من المكاتب والأجهزة واللوائح؛ يبدأ من ثقافة المسؤولية نفسها. فالأداة تكتسب قيمتها من اليد التي تستعملها، والنص يكتسب أثره من الضمير الذي يطبقه، والمؤسسة تكتسب قوتها من الرجال والنساء الذين يمنحونها معناها الحقيقي. فكم من جهازٍ متطور عجز عن تعويض ضميرٍ غائب، وكم من نظامٍ محكم فقد فاعليته حين تُرك في عهدة من لا يؤمن بروحه.

ولو وُجد فعلًا جهازٌ لكشف المنافقين والمتلاعبين بثقة الناس، فلعلّه لن يحتاج إلى أسلاكٍ معقدة، ولا إلى شاشاتٍ رقمية، ولا إلى بطارياتٍ عالية الأداء. يكفيه معيارٌ واحد في غاية البساطة: أن يقيس المسافة بين ما قيل بالأمس وما أُنجز اليوم، وبين ما وُعد به المواطن وما وصل إليه في الواقع. فالكلمات تستطيع أن تتزين، والشعارات تستطيع أن تتبدل، والخطب تستطيع أن تطول، غير أن الوقائع تظل أقل ميلًا إلى المجاملة وأكثر وفاءً للحقيقة. وعندما يحين وقت الحساب، لا تسأل المجتمعات عما قيل فوق المنصات، وإنما عما تحقق على أرض الواقع.

ولهذا تبقى الحقيقة، رغم هدوئها وقلة ضجيجها، أدقَّ أجهزة القياس جميعًا؛ فهي لا تحتاج إلى بطارية لتعمل، ولا إلى شبكةٍ لتلتقط الإشارة، ولا إلى تحديثاتٍ دورية لتحسين أدائها. يكفي أن تمنحها قليلًا من الوقت، فتتكفل وحدها بكشف الفرق بين الوعد والإنجاز، وبين الصورة والواقع، وبين من خدم الناس فعلًا ومن اكتفى بالحديث عن خدمتهم .. فقد تنجح بعض الكلمات في اجتياز أجهزة التصفيق، لكن لا شيء ينجح طويلًا في اجتياز جهاز الحقيقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *