مساءلة برلمانية أم انحراف دستوري ؟
تعتبر آليات الرقابة البرلمانية أساس العمل الديمقراطي والمبدأ الناظم للتوازن بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، غير أن هذا الوضوح في المعنى والتعريف قد لا يشكل مذهبا مرجعيا لدى الجميع، فقد تخترقه بعض الانحرافات على مستوى الواقع والممارسة.
إذ أن ظروف المشهد السياسي وتموقعاته الظرفية، قد تدفع أطرافا سياسية إلى عدم التمييز بين “الرقابة البناءة” التي تروم تجويد السياسات العمومية، وبين “التوظيف السياسي غير السليم” الذي يحول هذه الأدوات إلى وسائل للمناورة والمزايدة الحزبية.
انعكاسات هذا التوظيف قد تخرج العمل البرلماني عن سياقه الدستوري، وعن سياقه المجتمعي. وبالتالي تحويل السلطة البرلمانية بما لها من إمكانات تمثيلية، إلى مجرد أدوات بيد #كتل_برلمانية غير متجانسة لتصفية الحسابات أو لتحقيق مصالح انتخابية عبر الاستعراض الإعلامي.
ما تمارسه اليوم بعض الفرق البرلمانية من شعبوية إعلامية ورقابة استعراضية على الويب، عبر التلويح بتحريك “لجنة لتقصي الحقائق” في موضوع دعم الماشية، لا يوجد فيه ما يتطلب كل هذه الفوضى الإعلامية وتضارب التصريحات، بقدر ما يتطلب انضباطا سياسيا والتركيز على المعطيات الحقيقية والرسمية التي تسائل نجاعة البرامج الحكومية.
لكن المؤكد، أن الارتباك الانتخابي والتشتت التنظيمي داخل الفرق البرلمانية المعنية، هو ما دفعها إلى لعب ورقة “شيطنة الحصيلة الحكومية” في محاولة لتعبئة رصيدها الانتخابي المقبل، ومحاولة ضرب مصداقية النجاح الحكومي وقيادته. حيث اختارت تقزيم وظيفة الرقابة البرلمانية إلى مجرد وسيلة للتلاعب بالرأي العام قبيل الانتخابات وليس كإحدى الأدوات الحقيقية لمعالجة الاختلالات.
إن انتقائية ملفات دون أخرى، وإثارة قضايا بناء على اصطفافات سياسية، واختيار أوج الزمن الانتخابي لتشغيل مادة رقابية … كلها مؤشرات أفقدت هذه المبادرة الرقابية صبغتها الموضوعية والنبيلة، وكشفت أزمة نخب برلمانية باتت تشكل عبئا ثقيلا يكبح تحولات المجتمع ومؤسساته.
يوسف وقسو: باحث في القانون الدستوري بكلية الحقوق فاس
اترك تعليقاً