منتدى العمق

قصبات الجنوب الشرقي.. تراث ينهار في صمت

بعيدا عن النقاشات اليومية حول الطرق والبنيات التحتية والاستثمارات العمومية، يواصل جزء مهم من الذاكرة التاريخية للجنوب الشرقي المغربي الانهيار في صمت. فبين الواحات والجبال والمجالات شبه الصحراوية، تقف عشرات القصبات شاهدة على تاريخ طويل من الاستقرار البشري والتكيف مع الطبيعة، لكنها تقف أيضا في مواجهة مصير مجهول يهددها بالاندثار.

هذه القصبات ليست مجرد بنايات طينية قديمة أو معالم سياحية مهملة. إنها صفحات حية من تاريخ المنطقة، وذاكرة جماعية تختزن أنماط العيش والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية التي ميزت الجنوب الشرقي لقرون طويلة. وهي كذلك تعبير عن عبقرية عمرانية محلية استطاعت أن تنتج نمطا معماريا منسجما مع المناخ والبيئة أكثر مما تفعل كثير من البنايات الحديثة.

ولعل ما يثير الانتباه أن هذه القصبات التي ينظر إليها البعض باعتبارها جزءا من الماضي، كانت في الواقع نتاج معرفة دقيقة بخصوصيات المجال. فجدرانها الطينية السميكة لم تكن مجرد تقنية بناء تقليدية، بل كانت حلا عمليا لمواجهة حرارة الصيف وبرودة الشتاء. لذلك ظلت هذه المباني توفر شروطا مريحة للعيش في منطقة تعرف تفاوتا كبيرا في درجات الحرارة بين الفصول وبين الليل والنهار.

في المقابل، أدت موجة البناء الإسمنتي التي اجتاحت المنطقة خلال العقود الأخيرة إلى تراجع العمارة الطينية بشكل كبير. وتم التعامل مع الإسمنت باعتباره رمزا للتقدم والحداثة، بينما اعتبر الطين رمزا للتخلف والفقر. غير أن التجربة أظهرت أن كثيرا من هذه البنايات الحديثة لا تنسجم مع الخصوصيات المناخية للمنطقة، حيث تتحول صيفا إلى مخازن للحرارة وشتاء إلى فضاءات شديدة البرودة، في حين أثبتت القصبات قدرتها على توفير توازن حراري طبيعي دون الحاجة إلى استهلاك كبير للطاقة.

غير أن الخطر الذي يهدد القصبات اليوم لا يرتبط فقط بعوامل المناخ أو التحولات العمرانية، بل أيضا بتعقيدات الإرث وتشتت الملكية وغياب برامج فعالة للحماية والتثمين. فالكثير من هذه المعالم أصبحت مملوكة لعشرات الورثة، بعضهم غادر المنطقة منذ سنوات طويلة، وهو ما يجعل أي مبادرة للترميم أو الاستثمار عملية معقدة وصعبة.

ورغم ذلك، أثبتت بعض التجارب الناجحة أن هذه الصعوبات ليست قدرا محتوما. ففي سكورة وبومالن دادس وغيرها من مناطق الجنوب الشرقي، تمكنت عائلات من تجاوز خلافاتها وتوحيد جهودها من أجل ترميم قصباتها وتحويلها إلى دور ضيافة وفنادق ومشاريع سياحية. وقد ساهمت هذه المبادرات في الحفاظ على المباني التاريخية وخلق فرص للشغل وتنشيط الاقتصاد المحلي.

لكن هذه النماذج الناجحة تظل محدودة مقارنة بحجم التراث المهدد. فالمنطقة تزخر بعشرات القصبات والمآثر العمرانية التي تحتاج إلى تدخل عاجل، من بينها على سبيل المقال بقبائل امغران قصبة آيت أمغار بأمكشود، وقصبة آميش بتوندوت، وقصبة آيت أوجامع بتاوريرت، وقصبة آيت باحسو بإيمي نوارك أكرزان، وغيرها من القصبات التي صمدت أمام قسوة المناخ وآثار الزلزال الأخير، لكنها ما تزال تواجه خطر التدهور بسبب الإهمال وغياب برامج واضحة للترميم والتأهيل.

والمفارقة أن المغرب يتوفر على مؤسسة متخصصة في هذا المجال، هي الشركة المغربية لتثمين القصبات، التي أنشئت بهدف إعادة تأهيل القصبات ذات القيمة المعمارية والتاريخية وتحويلها إلى مشاريع اقتصادية وسياحية مستدامة. غير أن العديد من قصبات الجنوب الشرقي ما تزال خارج دائرة الاهتمام، رغم ما تمثله من قيمة تراثية وما يمكن أن توفره من فرص للتنمية المحلية.

إن المطلوب اليوم ليس فقط إنقاذ بعض المباني من السقوط، بل اعتماد رؤية تجعل من التراث العمراني رافعة للتنمية. فالقصبات ليست عبئا على المنطقة، بل يمكن أن تتحول إلى مصدر للثروة وفرص الشغل وجذب السياح إذا ما توفرت الإرادة والوسائل اللازمة لذلك. كما أن الحفاظ عليها لا يتعلق بالماضي فقط، بل بالمستقبل أيضا، لأن المجتمعات التي تفقد ذاكرتها تفقد جزءا من قدرتها على بناء مستقبلها.

لقد أثبتت تجارب عديدة داخل المغرب وخارجه أن الاستثمار في التراث اصبح خيارا اقتصاديا وتنمويا ناجحا. وما تحتاجه قصبات الجنوب الشرقي اليوم هو الانتقال من منطق التدخلات المحدودة والمتفرقة إلى منطق برنامج جهوي متكامل للحماية والتثمين، تشارك فيه الدولة والجماعات الترابية والقطاع الخاص والمؤسسات المتخصصة.

فما لم تهدمه السيول والزلازل عبر قرون، لا ينبغي أن يهدمه الإهمال في سنوات قليلة. وما تزال الفرصة قائمة لإنقاذ هذا التراث الفريد، لكن الزمن لا يعمل لصالحه، وكل قصبة تنهار اليوم هي صفحة جديدة تمزق من ذاكرة الجنوب الشرقي ومن الذاكرة الحضارية للمغرب بأكمله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *