مقاطعة الانتخابات.. ما هو البديل عند جماعة العدل والإحسان؟
في سياق تقييم تجربة الإصلاح من الداخل، المتمثلة في تجربة حزب العدالة والتنمية بالمغرب، وفي سياق التعبئة لرفع نسبة المشاركة في الانتخابات المقبلة التي تتراجع في كل موسم انتخابي، اثير من جديد نقاش سياسي مجتمعي حول موقف جماعة العدل والاحسان من الانتخابات وتصورها للمشاركة السياسية ، تخللت هذا النقاش تحليلات وقراءات موضوعية و أخرى بعيدا كل البعد عن الموضوعية العلمية، لهذا تأتي هذه الورقة من أجل التأسيس لنقاش علمي في الموضوع، من شأنه خلق دينامية إيجابية، وتصحيح مجموعة من المغالطات حول التصور السياسي لجماعة العدل والإحسان. فهل ترفض الجماعة العمل السياسي والمشاركة السياسية ؟ وهل المقاطعة للانتخابات تعني الانتظارية ؟
- رفض العمل السياسي أم رفض المشاركة في اللعبة السياسية بشروطها الحالية
في البداية لابد من التأكيد ،على أن هناك فرق جوهري بين رفض العمل السياسي او المشاركة السياسية، ورفض المشاركة في الإنتخابات، أي المشاركة في اللعبة السياسية بشروطها الحالية.
يعتبر الاهتمام بالشأن العام وصحبة الشعب أحد اهم مرتكزات الفكر التجديدي للإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، الذي تحدث عن ضرورة ربط مشروع الخلاص الفردي للفرد بمشروع الخلاص الجماعي للأمة ، امتثالاً لقول الله تعالى في محكم تنزيله: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 104]
وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من اصبح وهمه غير الله فليس من الله، ومن اصبح لايهتم بأمر المسلمين قليس منهم” (الرجوع الى تأصيل الحديث)
بهذا تكون الجماعة نموذجا مخالفا تماما لجماعات رفض العمل السياسي، التي تختار الحياد والاندماج السلبي تحت مظلة السلطة الحاكمة ، وأداة غير مباشرة من أدوات التخدير الحس الشعبي. ولكي نبرز الفرق، نسوق نموذجين مختلفين لجماعات رفض العمل السياسي:
- النموذج الأول: الحركات الانكفائية، وهي حركات تؤمن بالخروج الكلي من المجال العام، والنموذج الأبرز في السياق الإسلامي هو السلفية التقليدية (العلمية/الجامية) وبعض الطرق الصوفية، أما في السياق الغربي فنجد جماعات وتنظيمات مثل “الأميش” the Amish وغيرها.
- النموذج الثاني: حزب التحرير، هذا الحزب يتبنى الرفض الراديكالي الشامل للمنظومة برمتها (SYSTEMIC REJECTION)، حيث يرفض الدولة الوطنية الحديثة من أساسها، وينتظر أن يقوم “أصحاب القوى” باستلام الحكم وتسليمه للحزب ليقيم الخلافة الراشدة.
إن جماعة العدل والإحسان كتنظيم سياسي لا ترفض العمل السياسي، ولا ترفض الدولة الوطنية الحديثة، بل على العكس من ذلك ، فهي تمارس مايسمى بالممانعة السياسية النشطة، ولا تقف على الحياد، بل تمارس أقصى درجات الضغط السياسي السلمي المتاحة لها خارج النسق الرسمي، رغم التضييق والمنع والاضطهاد الذي تتعرض له.منذ تأسيسها الى اليوم، الا ان هذا الخيار قد يطرح في ذهن بعض المتابعين لنماذج الفعل السياسي بالمغرب سؤالا وجيها: إذا كانت جماعة العدل والإحسان لا ترفض العمل السياسي، فلماذا تقاطع الانتخابات إذن ؟
قبل أن أجيب على السؤال، لا بد أن نميز بين نظرة وزاوية تموقع كل من المعارضة النسقية SYSTEMIC والمعارضة البنيوية STRUCTURAL.من المشاركة الانتخابية، بحيث ترى المعارضة النسقية بأن الأصل هو المشاركة في الانتخابات لأنها تعد بالنسبة لها “ترساً” أساسياً للحضور داخل اللعبة السياسية، فلا بد حسبها من وجود معارضة حتى ولو كانت شكلية.
تلجأ المعارضة النسقية في بعض الأحيان إلى المقاطعة أو التهديد بالمقاطعة، وهو ما يصطلح عليه “بالمقاطعة التكتيكية أو الاحتجاجية”. فهي تؤمن بشرعية الماكينة (النظام والدستور) ، لكنها ترى العطب فقط في السائق الحالي “الحكومة”، وبالتالي يبقى الهدف من المقاطعة أو التهديد بها غالبا لايتعدى “الضغط من اجل التموقع أو الابتزاز السياسي” وتقديم تنازلات إجرائية كتعديل القوانين الانتخابية.
أما بالنسبة للمعارضة البنيوية بشكل عام، فتعد مقاطعة الانتخابات موقفاً مبدئياً متسقاً مع طروحاتها، فهي تؤمن بأن “الماكينة السياسية” (الدستور والنظام) معطوبة بنيوياً ومصممة هندسياً لإعادة إنتاج النظام الحاكم وتجميل صورته. وهدفها من المقاطعة مساءلة أسس شرعيته (Legitimacy / Légitimité): التي لم تبنى على الرضا الشعبي والقبول الأخلاقي والسياسي عن طواعية من قبل مكونات الشعب ..
كما ترفض المعارضة البنيوية دور “الديكور”، الذي تسعى السلطة الحاكمة لتوظيفها فيه، وتجنب إعطاء مصداقية لعملية سياسية معلومة النتائج سلفاً. لا تقبل المعارضة البنيوية المشاركة إلا إذا حدث تغيير في “بنية الماكينة” نفسها.بما يمكن معه ان تكون مشاركتها فاعلة مؤثرة في القرار والاختيارات السياسية، وبالتالي فإن موقف جماعة العدل والإحسان من مقاطعة الانتخابات ليس غريباً ولا فريداً في العمل السياسي، وإنما هو سلوك سياسي تنتهجه كل المعارضات البنيوية في العالم وعبر التاريخ.
- مقاطعة الانتخابات “كأسلوب ” لإعادة بناء المشهد السياسي في المغرب
عند تتبع تاريخ المغرب منذ إعلان الاستقلال سنة 1956، نكتشف بدقة ديناميكية التحول من حيث الجوهر بين المعارضة البنيوية والمعارضة النسقية، ويظهر لنا كيف تم استخدام مقاطعة الانتخابات كخيار وأسلوب ممانعة صاغ المشهد السياسي في المغرب.وفي هذا الاطار يمكن تقسيم هذا المسار عبر ثلاث مراحل بارزة:
أـ مرحلة الصدام التأسيسي (الستينات والسبعينات)
في هذه المرحلة، دخلت الحركة الوطنية (متمثلة في حزب الاستقلال، ثم الاتحاد الوطني للقوات الشعبية لاحقاً) في صراع محتدم مع المؤسسة الملكية، حول من يملك مشروعية صياغة شكل الدولة الحديثة. فكانت في هذه المرحلة معارضة بنيوية بامتياز.
- مقاطعة الدستور سنة (1962)
قاطعت المعارضة (الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ونقابة الاتحاد المغربي للشغل) أول دستور للمملكة عام 1962.بحيث لم يكن اعتراضهم على بعض بنود الدستور، بل اعتراضاً بنيوياً على منهجية صياغته، لأن الدستور مُنح من الأعلى (دستور ممنوح) ولم تصغه جمعية تأسيسية منتخبة.
- مقاطعة الاستفتاء والانتخابات التشريعية سنة 1970.
تميزت محطة 1970 بمقاطعة قوية من طرف الأحزاب الوطنية المعارضة آنذاك (حزب الاستقلال والاتحاد الوطني للقوات الشعبية)، والتي توحدت قبل الانتخابات بأسابيع قليلة (يوليو 1970) لتعلن عن تأسيس جبهة مشتركة عُرفت تاريخياً باسم “الكتلة الوطنية”.
وبالتالي، فإن موقف المقاطعة الذي تتبناه جماعة العدل والإحسان هو امتداد للفعل السياسي للحركة الوطنية وليس حالة فريدة أو استثناء في التاريخ السياسي للمغرب.
ب ـ التحول نحو المعارضة النسقية (أواخر السبعينات إلى التسعينات)
في منتصف السبعينات، حدث تحول جوهري في فلسفة المعارضة المغربية مع تبني الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية لـ”خيار النضال الديمقراطي” عام 1975، هنا انتقلت المعارضة بشكل تدريجي من معارضة بنيوية (خارج الماكينة) إلى المعارضة النسقية (داخل الماكينة)، وبالتالي تغير مفهوم المقاطعة بالنسبة لها من المقاطعة المبدئية إلى “ورقة ضغط” للتفاوض حول كوطا التدبير الحكومي، وهو ما تحقق بالفعل عبر التهديد بمقاطعة الانتخابات التشريعية في التسعينات، مما أدى إلى تسوية سميت ب”التناوب التوافقي” سنة 1998 ودخول المعارضة بكل إرثها التاريخي إلى الماكينة التنفيذية.
ج- ما سمي بالعهد الجديد، دستور 2011
في هذه المرحلة، برز لاعب جديد كان ضمن المعارضة النسقية واستفاد من الدينامية التي خلقها حراك 20 فبراير، دون أن يشارك في مسيراته ميدانياً هو حزب العدالة والتنمية.
هذا التموقع وُصف سياسياً “بذكاء براغماتي كبير“.
ويتلخص في الآتي:
- المقاطعة الميدانية: الحزب اتخذ قراراً رسمياً وصارماً بمنع أعضائه وشبيبته من النزول إلى الشارع الى جانب فئات الشعب المغربي وفاعلين سياسيين آخرين تحت لواء “حركة 20 فبراير”.
- الاستثمار السياسي والمؤسساتي: في نفس الوقت، استخدم الحزب ضغط الشارع كـ “ورقة للابتزاز السياسي” غير مباشرة، فكان خطابه للدولة يتلخص في: إما الاستجابة للإصلاحات والديمقراطية (التي يمثلها الحزب داخل المؤسسات)، أو مواجهة الشارع.
باختصار، الحزب لم يزرع الأشواك في الشارع، لكنه كان التنظيم الأكثر جاهزية لقطف ثمار الحراك بسبب “عذريته السياسية” المتمثلة في المعارضة النسقية التي كان فيها منذ إعادة تسميته، فكان استثمار زخم وضغط المعارضة البنيوية من خارج النسق في الشارع العامل الأساس الذي دفع النظام السياسي إلى الركوب الذكي لموجة السياق الإقليمي ليستعمل ورقة حزب العدالة والتنمية والسماح للحزب بالوصول الى الحكومة وتوظيف رصيده الأخلاقي وعذريته السياسية لامتصاص غضب الشارع .
في الجانب الآخر، كانت المعارضة البنيوية،مثل جماعة العدل والإحسان التي دفعت تكلفة الحراك من خلال مزيد من التضييق وتشميع البيوت ومحاكمات أعضائها والحملات الإعلامية المنهجية ضدها، لكنها ظلت وفية لموقفها كمعارضة بنيوية، فقاطعت رفقة النهج الديمقراطي استفتاء دستور 2011 واعتبرته دستوراً ممنوحاً، تماماً كما قاطعت الحركات الوطنية استفتاء 1962 لنفس السبب.
منذ إعلان الاستقلال، كانت مقاطعة الانتخابات والاستفتاءات على الدستور في المغرب هي “الترمومتر” الذي يجسد طبيعة وحقيقة الصراع السياسي بين من قاطع لينتزع شروطاً إصلاحية أفضل للمشاركة في المؤسسات، فصنف معارضة نسقية، واندمج في الأخير داخل الماكينة المخزنية، وبين المعارضة البنيوية مثل جماعة العدل والإحسان وبعض الأحزاب اليسارية، التي ظلت صامدة تناضل وتضغط من خارج الماكينة من أجل إصلاح الاعطاب الكامنة في بنية النسق السياسي المغربي، التي تجعل من المشاركين من داخل النسق مجرد ملحقين وأدوات شرعنة واستمراية لتلك الاعطاب، لا فاعلين في ضع الاختيارات السياسية للدولة.
وفي هذا السياق لا بد من أن نشير إلى بعد آخر لا يقل أهمية عما طرحناه سابقا، يتعلق الامر بالفرق بين المقاطعة السلبية والمقاطعة النشطة.
- فاذا كانت المقاطعة السلبية PASSIVE BOYCOTT: تعني الامتناع العفوي عن المشاركة الانتخابية ، وهو سلوك فردي غير منظم ولا يحمل رسالة سياسية موجهة للنظام، مثل عزوف الحركات الانكفائية ولامبالاة عدد من المواطنين باللعبة السياسية ككل، وهو مايطلق عليه العزوف السياسي، فان المقاطعة النشطة ACTIVE BOYCOTT: ليست مجرد عزوف، بل هي فعل سياسي واعٍ ومخطط له، تقوده معارضة بنيوية كجماعة العدل والإحسان وحزب النهج الديمقراطي، ونخب مثقفة وشباب غاضب وفئة كبيرة من أبناء الشعب المغربي التي أدركت لاجدوائية انتخابات جربها الشعب المغربي منذ الاستقلال ولم تساهم لا في تغيير سياسي ولا في تنمية اقتصادية أو اجتماعية، هنا تصبح مقاطعة الانتخابات موقف سياسي معارض، واع ومسؤول، وسلوك “ديناميكي” حركي، لا يكتفي المقاطع فيه بالامتناع عن التصويت، بل ينخرط في: حملات توعية عبر المنشورات ووسائل التواصل الاجتماعي لإقناع المواطنين بالمقاطعة، إصدار بيانات سياسية.
وبالتالي، فإن مقاطعة الإنتخابات فعل سياسي واعٍ ومدروس له أهداف واضحة ونتائج قابلة للقياس. إذا كانت جماعة العدل والإحسان معارضة بنيوية وتعتمد مقاطعة نشطة، فما البديل الذي تقترحه الجماعة؟
- البديل الذي تقترحه جماعة العدل و الإحسان
من موقع المسؤولية فان جماعة العدل والإحسان لاتقف عند مجرد المقاطعة لتبقى في حدود الموقف من الانتخابات بل انها تطرح بديلا يجسده مفهوم: “البديل التراكمي” CUMULATIVE ALTERNATIVE.
وهو مفهوم متفق عليه لدى كل المعارضات البنيوية في كل أنحاء العالم.، لكن له بعض الخصوصية عند جماعة العدل والإحسان من خلال مفهوم “التربية”، حيث يقول الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله : “نحن جماعة تتوب إلى الله وتدعو الناس للتوبة”، أي تركيز المشروع المجتمعي للجماعة على تغيير الإنسان الذي هو جوهر التغيير، وهذا ما لا يتعارض مع فلسفة المعارضة البنيوية، الدي يعني بناء كتلة صلبة من الأسفل إلى الأعلى وعلى مدى زمني طويل. ويعتبر أن التغيير الحقيقي لا يحدث بمجرد تغيير الحكام، بل بتغيير بنية العلاقة الاجتماعية، والوعي الجمعي، والقدرات التنظيمية للمجتمع.
شواهد تاريخية للفعل السياسي التراكمي:
من الشواهد التاريخية للفعل التراكمي: المؤتمر الوطني الإفريقي ANC في جنوب إفريقيا ومواجهته لنظام الفصل العنصري “الأبارتهايد” الذي كان يقصي الغالبية السوداء بنيوياً ودستورياً، بحيث شكل المؤتمر الوطني معارضة بنيوية: برفض الاعتراف بشرعية برلمان الأقلية البيضاء، ومقاطعته لكل آلياته السياسية.، ليحدث بمقاطعته بناء تراكميا على عدة مستويات،بدءا بنزع الشرعية عن النظام القائم والسعي الى تقويض دعائمه عبر بناء نقابات عمالية قوية، وترسخ الوعي الجمعي بالحقوق، لتبدأ لحظة التحول في بداية التسعينات، حين وصل نظام الأبارتهايد إلى الاختناق التام (أخلاقياً، اقتصادياً، اجتماعياً ودولياً)، ولم يجد سبيلاً سوى الإفراج عن نيلسون مانديلا والتفاوض مع قوى التغيير على دستور جديد، وضع حداً للفصل العنصري ومهد لانتخابات ديمقراطية شاملة سنة 1994.
خاتمة
جماعة العدل والإحسان معارضة بنيوية تعتمد المقاطعة النشطة و تؤمن بالعمل السياسي، الذي هو أحد أسس فكرها التجديدي و تصورها السياسي لمشاكل الامة والمجتمع ، وهي بهذا ليست استثناءً في التاريخ ولا في الجغرافيا، وفي سبيل تحقيق مشروعها المجتمعي فهي تعتمد استراتيجية النفس الطويل (وليس الإنتظارية) كما يفهمها البعض، وتحمي نفسها بلاءات ثلاث من أخطار ثلاث:
بلا للعنف ولا للسرية تحمي بنيتها التنظيمية، وبلا للتبعية للخارج تحمي نفسها من انتظار منقذ من الخارج او انتظار الفرج بدون عمل (الإنتظارية)، وبمقاطعتها البنيوية تحمي تاريخها ورصيدها السياسي من الاحتواء والترويض داخل مؤسسات صورية تكبل أداءها وتتحمل وزر فشلها.
اترك تعليقاً