تربية الأحياء المائية بالمغرب.. رهان استراتيجي نحو ريادة الاقتصاد الأزرق وتحقيق السيادة الغذائية
يشهد قطاع تربية الأحياء المائية البحرية في المملكة المغربية تحولاً هيكلياً واستراتيجياً يضعه في صدارة محركات “الاقتصاد الأزرق” الوطنية ورافعة أساسية لتعزيز السيادة الغذائية وخلق فرص الشغل المحلية. وتأتي هذه الدينامية التنموية الممتدة عبر السواحل المغربية تتويجاً للرؤية الملكية السامية وتنفيذاً لمستهدفات المخطط الاستراتيجي “أليوتيس”، الذي وضع أسساً متينة للتخطيط المجالي البحري ووفر بيئة استثمارية محفزة تجمع بين التسهيلات القانونية والتمويلية والرقمنة الشاملة.
وتُترجم المعطيات والإحصائيات الميدانية الصادرة عن القطاع حجم الطفرة التي تحققت على أرض الواقع، بنقل المشاريع من مرحلة الدراسات والتخطيط إلى الإنجاز الفعلي والإنتاج المكثف. فقد بلغ إجمالي الاستثمارات المعبأة نحو 3 مليارات درهم، توزعت على 244 مشروعاً معتمداً، دخل منها 187 مشروعاً حيز التنفيذ الفعلي. ومع صدور أكثر من 300 ترخيص رسمي للمستثمرين والشركاء، بلغت نسبة المشاريع في طور الإنتاج والإنجاز 76%، فيما تواصل 57 شركة استكمال تجهيزاتها الفنية والميدانية. كما أسهمت هذه الحركة الاستثمارية في خلق 4400 منصب شغل مباشر بالجهات الساحلية، مغطيةً مساحات مائية مخصصة ومؤهلة للاستثمار تصل إلى 24 ألف هكتار.

ولضمان استدامة هذه الاستثمارات وحمايتها، حرصت المملكة على تعزيز حوكمة القطاع من خلال إطار قانوني وتنظيمي متقدم يرتكز على صدور القانون القطاعي رقم 84.21 كرافعة أساسية لتنمية الاستثمار وتأطير النشاط البحري وفق المعايير الدولية. يرافق ذلك تخطيط مجالي شمل 8 جهات ساحلية بمخططات جهوية دقيقة حددت المساحات البحرية المؤهلة مسبقاً لاستقبال الاستثمارات، بالتوازي مع تبسيط وتسهيل المساطر الإدارية وتفعيل آلية الشباك الموحد، بما يعزز جاذبية المغرب كوجهة رائدة للاستثمار في الاقتصاد الأزرق والمسؤولية البيئية.

وفي إطار تشجيع الاستثمار وتخفيض التكاليف التشغيلية، اعتمدت الدولة حزمة إجراءات تحفيزية غير مسبوقة تضمن تنافسية المنتج الوطني، تتصدرها منحة استثمارية تصل إلى 30% من التكلفة الإجمالية للمشاريع ضمن ميثاق الاستثمار الجديد. كما شهد القطاع خفضاً استثنائياً للرسوم الجمركية المطبقة على أعلاف الأسماك من 40% إلى 2.5% فقط (بنسبة خفض تبلغ 94%). ولدعم البنيات التحتية ومواكبة الفاعلين، تم تخصيص أكثر من 480 مليون درهم ضمن برنامج مواكبة القطاع، موزعة بين 316 مليون درهم عبر شركاء ماليين دوليين لتطوير الدراسات والبنيات التحتية البحرية، و164 مليون درهم من صندوق الدعم القطاعي للمواكبة والتجهيز.

ولم تقتصر الاستراتيجية الوطنية على البعد الاستثماري، بل امتزجت بالرؤية التضامنية والتمكين الاجتماعي من خلال مواكبة وتمويل 112 مشروعاً تضامنياً موجهة لفائدة الشباب وتعاونيات الصيد البحري التقليدي، أسفرت عن إدماج 560 مستفيداً بشكل مباشر في الدورة الاقتصادية المحلية. وفي خطوة تهدف إلى تحقيق السيادة الإنتاجية وتقليل الاعتماد على استيراد المدخلات البحرية، تقرر إحداث مفرختين متخصصتين لإنتاج صغار الأسماك واليرقات محلياً وتأمين سلاسل القيمة. وتكتمل هذه المنظومة بالتحول الرقمي من خلال إطلاق البوابة الجغرافية الرقمية (Geoportal)، التي تمكن المستثمرين من الوصول الشفاف والسريع لمعطيات دقيقة حول الفرص الاستثمارية والفضاءات البحرية المتاحة عبر كافة الجهات الساحلية.
تؤكد هذه المنظومة المتكاملة بين الأرقام الاستثمارية، الحكامة التشريعية، والتمكين الاجتماعي والتقني، أن المغرب يمضي بخطى ثابتة نحو ترسيخ مكانته كقطب إقليمي ودولي في تربية الأحياء المائية، محولاً هذا القطاع الاستراتيجي إلى شريان حيوي للتنمية المستدامة والأمن الغذائي الوطني لعقود قادمة.
اترك تعليقاً