منتدى العمق

الشباب والانتخابات… هل تغيّرت علاقة الشباب بالسياسة؟

مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يبدأ المشهد السياسي في استعادة إيقاعه المعتاد، تتحرك الأحزاب تتضح بعض ملامح الترشيحات، وتعود لغة البرامج والوعود إلى الواجهة، لكن وسط هذا الحراك، يبقى سؤال لا يمكن تجاوزه: كيف سيتعامل الشباب مع الانتخابات المقبلة؟
لا أعتقد أنه من السهل اليوم أن نعطي جوابًا مسبقًا، فالشباب ليس كتلة واحدة، ومواقفه من السياسة ليست متطابقة، كما أن العلاقة بين الاهتمام بالشأن العام والمشاركة في الانتخابات ليست دائمًا علاقة مباشرة، قد نجد شابًا يتابع السياسة يوميًا، يناقشها وينتقدها على مواقع التواصل الاجتماعي، لكنه لم يحسم بعد قراره الانتخابي. وقد نجد آخر لا يظهر كثيرًا في النقاش العام، لكنه يعرف جيدًا لمن سيمنح صوته.

وهنا تصبح قراءة موقف الشباب أكثر تعقيدًا من مجرد الحديث عن المشاركة أو العزوف…
فالسؤال ليس فقط: هل سيصوت الشباب؟ بل أيضًا: ما الذي سيجعلهم يصوتون؟ هل سيكون البرنامج الانتخابي هو العامل الحاسم؟ أم الانتماء الحزبي؟ أم القضايا التي تمس الحياة اليومية بشكل مباشر؟
ثم هناك سؤال آخر لا يقل أهمية: هل ما زالت الأحزاب قادرة على مخاطبة هذا الجيل باللغة التي يفهمها وينتظرها؟

فالشاب اليوم لا يعيش السياسة فقط من خلال المقر الحزبي أو اللقاء الانتخابي، جزء كبير من علاقته بالشأن العام أصبح يمر عبر الهاتف، ومواقع التواصل، والنقاشات الرقمية، ومقاطع قصيرة قد تؤثر أحيانًا في الصورة أكثر مما يفعل خطاب انتخابي كامل، وهذا يفرض على الأحزاب أن تعيد التفكير في طريقة التواصل، لأن المشكلة لا تحل بمجرد الانتقال إلى وسائل التواصل الاجتماعي، إذا ظل السؤال الأساسي قائمًا:

ماذا نعرض على الشباب حتى يشعر بأن لصوته معنى؟ قد يبحث عن الشغل، وعن جودة التعليم، وعن الصحة، وعن فرص الاستقرار، وقد يبحث أيضًا عن سياسة أكثر قربًا من أسئلته اليومية.
ولهذا، فإن الانتخابات المقبلة ستكون في جانب منها اختبارًا لقدرة الأحزاب على تحويل هذه الانتظارات إلى اختيارات سياسية واضحة، وفي المقابل، ستكون اختبارًا للشباب نفسه.
فالمشاركة السياسية ليست فقط أن ننتقد ما يحدث، وإنما أن نقرر أيضًا كيف نريد أن يكون، والانتخابات تمنح المواطن ولو في حدودها فرصة للتعبير عن هذا الاختيار.

لكن هل تكفي هذه الفكرة وحدها لإقناع الشباب؟
ربما لا، لأن العلاقة بين المواطن والانتخابات لا تُبنى يوم الاقتراع فقط، إنها تتشكل قبل ذلك من خلال الثقة في المؤسسات، وفي الأحزاب، وفي المرشحين، وفي جدوى المشاركة نفسها، وهنا لا ينبغي أن ننظر إلى الشباب فقط باعتباره فئة ينبغي استقطابها انتخابيًا، بل باعتباره مؤشرًا على علاقة المجتمع بالسياسة.
وإذا اختار أن يعبّر بطرق أخرى، فحتى ذلك يستحق أن نفهمه بدل أن نختصره في كلمة واحدة: «العزوف عن الانتخابات»، فالانتخابات المقبلة ستكون مناسبة ليس فقط لمعرفة من فاز ومن خسر، وإنما لمعرفة كيف تغيرت طريقة المواطن، وخاصة الشاب، في النظر إلى السياسة والاختيار والمشاركة…

وهنا قد يكون السؤال الأهم هو:
هل ما زال الشاب يرى في الانتخابات وسيلة للتأثير؟
أم أنه أصبح يبحث عن وسائل أخرى للتعبير عن مواقفه وانتظاراته؟
لا أعتقد أن علينا أن نستبق الجواب.

فالأسابيع المقبلة، وما ستشهده من حملات ونقاشات واحتكاك مباشر بين الأحزاب والناخبين، ستكشف الكثير، قد تتغير بعض المواقف، وقد تظهر قضايا جديدة، وقد ينجح مرشحون في إقناع فئات لم تكن مهتمة في البداية، وفي النهاية، سيأتي يوم الاقتراع ليضع كل هذه الاحتمالات أمام اختبار واحد.

وحينها لن نعرف فقط كم شابًا شارك، وإنما ربما سنفهم شيئًا أهم:
هل استطاعت السياسة أن تستعيد اهتمام جيل جديد، أم أن هذا الجيل ما زال يبحث عن سبب مقنع يمنحه صوته؟
ربما يكون من المبكر الإجابة، لكن المؤكد أن الانتخابات المقبلة لن تكون فقط اختبارًا للأحزاب والمرشحين.
إنها أيضًا اختبار لعلاقة جيل كامل بالسياسة.
والأجوبة هذه المرة لن تكون في الخطابات…
ستكون في الصناديق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *