أدب وفنون

من التراث إلى الاتهام بـ”تحقير الزواج”.. كريمة غيث تفجر جدلا فنيا وسياسيا

أثارت أغنية أدتها المغنية المغربية كريمة غيث خلال مشاركتها في الدورة الرابعة عشرة من مهرجان “أصوات نسائية” بمدينة تطوان، جدلا واسعا تجاوز الأوساط الفنية ومنصات التواصل الاجتماعي، بعدما انتقلت الانتقادات الموجهة إليها إلى الخطاب السياسي، قبل أن تتخذ القضية منحى آخر مع دخول الكوميدي يسار لمغاري على خط النقاش دفاعا عن زميلته.

وتعود خلفية الجدل إلى أداء كريمة غيث لعبارة “اللهم الزهو ولا زواج القهرة” أمام جمهور المهرجان، وهي عبارة متداولة في الأغنية الشعبية المغربية ومرتبطة بفن العيطة، غير أن تقديمها على خشبة المهرجان أعاد فتح النقاش حول حدود ما يمكن للفنان تقديمه أمام جمهور عام، خصوصا في فضاء يحضره الأطفال والمراهقون إلى جانب الأسر.

وتحول النقاش سريعا من تقييم الأداء إلى اتهامات للمغنية بـ”تحقير الزواج” والترويج لمضامين اعتبرها منتقدون غير ملائمة للقيم المجتمعية، بينما رأى آخرون أن هذه القراءة تتجاهل الطبيعة التراثية للعبارة، وتحمل كريمة غيث مسؤولية مضمون شعبي متداول منذ عقود في الأعراس والحفلات المغربية.

وفي خضم هذا الجدل، دخل الأمين العام للحزب المغربي الحر، إسحاق شارية، على الخط، موجها انتقادات لاذعة إلى كريمة غيث، معتبرا أن ما قدمته يدخل في إطار “قلة الأدب”، وربط موقفه بطبيعة مدينة تطوان وما وصفه بتمسك سكانها بالمحافظة والقيم والأخلاق.

وقال شارية خلال تجمع خطابي، إن سكان تطوان “محافظون”، وإن نساء المدينة “شريفات وعفيفات”، رافضا ترويج هذه الأفكار بين ساكنة الحمامة البيضاء، وإن تطلب الأمر منع مثل هذه التظاهرات الفنية.

وأمام اتساع رقعة الانتقادات، خرجت كريمة غيث عن صمتها لتوضيح خلفية العبارة، عبر حسابها الرسمي على منصة “إنستغرام”، مؤكدة أن الأمر يتعلق بمقطع معروف من التراث الشعبي المغربي وفن العيطة، وليس تعبيرا عن موقف شخصي ضد الزواج.

وأوضحت غيث أن العبارة الشهيرة “شفتي ديك الشجرة لابسة لبسة خضرة، اللهم الزهو ولا زواج القهرة” تحيل إلى تفضيل حياة يسودها الفرح والزهو على زواج تطبعه التعاسة والقهر، مشيرة إلى أن “الزهو” في هذا السياق يحيل إلى الفرح والبهجة والاعتزاز، وليس بالضرورة إلى رفض الزواج أو الحث على حياة خارج إطار الأسرة.

ولم يتأخر رد الوسط الفني على موقف شارية، إذ دخل الممثل الكوميدي يسار لمغاري على خط الجدل، معلنا تضامنه مع كريمة غيث، وموجها انتقادات مباشرة إلى الأمين العام للحزب المغربي الحر.

وفي تعليق على مقطع الفيديو الذي أعاد نشره لشارية، انتقد لمغاري ما اعتبره استهدافا لمغنية أعادت أداء أغنية متوارثة في الثقافة الشعبية المغربية، قائلا إن “العفيفات” اللواتي يتحدث عنهن شارية “رأوك اليوم لأول مرة منذ سنوات”، قبل أن يدعوه إلى الاهتمام بقضايا مدينة تطوان وما يهم سكانها، بدل الانشغال بما وصفه بـ”الركمجة الخاوية”.

كما رفض لمغاري ما اعتبره “حكرة” على كريمة غيث بسبب أغنية متوارثة عن الأجداد، مؤكدا أن المغنية لم تبتكر مضمونها، وإنما أعادت إحياء مقطع من التراث الشعبي المغربي.

وفي المقابل، لم يقتصر الجدل على المواقف السياسية والفنية، بل امتد إلى مواقع التواصل الاجتماعي، حيث انقسم المتابعون بين اتجاهين: الأول اعتبر أن الفنان، بحكم حضوره الجماهيري وتأثيره في المتلقي، يتحمل مسؤولية المضامين التي يقدمها، خصوصا عندما يتعلق الأمر بعروض مفتوحة أمام الأسر والأطفال والمراهقين.

ويرى أصحاب هذا الطرح أن الحرية الفنية لا تعني تقديم أي مضمون بمعزل عن السياق، وأن المنصات الجماهيرية، ولا سيما تلك التي تستقطب جمهورا عائليا، تفرض على الفنانين والمنظمين مراعاة طبيعة الجمهور والرسائل التي يمكن أن تصل إلى الناشئة، معتبرين أن الترفيه لا يعفي من المسؤولية الاجتماعية.

في المقابل، دافع اتجاه آخر عن كريمة غيث، معتبرا أن الجدل منح عبارة شعبية متداولة دلالات تتجاوز سياقها الأصلي، وأن تصنيفها ضمن خانة “تحقير الزواج” أو “التشجيع على الفساد” يمثل قراءة مجتزأة لمقطع ينتمي إلى التراث الشعبي المغربي وفن العيطة.

ويستند المدافعون عن هذا الطرح إلى كون العبارة متداولة منذ عقود في الأعراس والحفلات والمناسبات المغربية، ويرددها عدد من الفنانين، مشيرين إلى  أن إعادة تقديمها من طرف كريمة غيث لا تجعلها صاحبة مضمونها، ولا يصح تحميلها وحدها مسؤولية دلالات ارتبطت أصلا بموروث فني واجتماعي أقدم منها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *