وجهة نظر

الدرس الفلسفي في مواجهة منطق الخوارزميات ومُراوَدة المنصات

محاولة في فهم ظاهرة الدعم التربوي الرقمي

حين يفتح تلميذ الثانية باكالوريا هاتفه، في الأسابيع الأخيرة قبل الامتحان الوطني، بحثًا عن “ملخص شامل للفلسفة في ساعة” أو “نموذج لإنشاء فلسفي جاهز”… فإنه لا يقوم بفعل تقني بريء. إنه، دون أن يدري، طرفٌ في معادلة أعقد بكثير مما تبدو: معادلة تتقاطع فيها أزمة مدرسية عميقة، ومنطق سوق رقمي لا يرحم، وثقافة امتحان حوّلت التعلم إلى سباق ضد الزمن. هذا المشهد المتكرر قبل كل استحقاق إشهادي لمستوى الثانية باكالوريا بمواد الامتحان الوطني عمومًا وبمادة الفلسفة خصوصًا، يستحق أن نتوقف عنده بعيدًا عن ثنائية الإدانة الأخلاقية والاحتفاء الساذج بـ”مواكبة العصر الرقمي”.

ازدهار لافت… وسؤال مُلِح

لم يعد سرًّا أن الفضاء الرقمي المغربي يعج، خلال الأشهر الأخيرة من كل موسم دراسي، بصفحات ومجموعات وقنوات وحسابات تَعِد التلميذ بدعم “شامل” و”مضمون” لمادة الفلسفة. بعضها تديره أستاذات وأساتذة المادة أنفسهم، وبعضها الآخر يديره من لا صلة له بالتدريس ولا بالتكوين الديداكتيكي. والملايين يتابعون. والسؤال الذي يفرض نفسه ليس: هل هذا مشروع أم غير مشروع؟ بل: أين يمر الخط الفاصل بين دعم تربوي حقيقي، وما يمكن أن نسمّيه بصراحة “ارتزاقًا تربويًا رقميًا”؟

فالتمييز هنا ليس ترفًا اصطلاحيًا. فالدعم الرقمي المشروع، حين يمارسه أستاذ كفء بشفافية تامة إزاء غايته وحدود عمله، يظل امتدادًا نبيلًا للفعل التربوي، ولو ظل محكومًا بقصور بنيوي يلازم صيغة “التعلم عن بعد” في حد ذاتها: غياب التفاعل الفردي، وغياب التصحيح المتابَع للأخطاء، وميل بنيوي، حتى عند أصحاب النوايا الحسنة، إلى اختزال الدرس الفلسفي في “جواب نموذجي” يُحفظ ولا يُفكَّر فيه. أما الارتزاق التربوي الرقمي، فهو انزياح آخر تمامًا: حين تتقدم مقتضيات الانتشار والربح على مقتضيات التعلم، سواء مارسه أستاذ رسمي في تعارض صريح مع التزامه المؤسسي، أو مارسه من لا كفاءة علمية أو ديداكتيكية له أصلًا، مستفيدًا فقط من مهارته في “الظهور” وجذب الجمهور.

والمفارقة الدالة أن الجمهور العريض لا يميّز، في الغالب، بين الصنفين. فآلية “التأكيد الاجتماعي” التي تحكم سلوكنا الرقمي جميعًا تجعل الحساب الأكثر متابعة يبدو، تلقائيًا، أكثر مصداقية، بصرف النظر عن جودته الفعلية. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: أن يصبح عدد المتابعين، لا الكفاءة العلمية، هو المعيار الذي يُبنى عليه اختيار التلميذ لمصدر معرفته الفلسفية.

لماذا الفلسفة تحديدًا؟

قد يعترض معترض: أليست كل المواد الإشهادية عرضة لهذا الزحف الرقمي؟ صحيح. لكن الفلسفة حالة دالة بامتياز، لأن طبيعتها المعرفية تتناقض جوهريًا مع منطق المنصة في أحد أبعاده. فالدرس الفلسفي لا يهدف إلى تزويد المتعلم بأجوبة جاهزة، بل إلى تكوين قدرته على مساءلة البداهات، وبناء الإشكال، وممارسة الحجاج. إنه، في جوهره، تعلّم للتفكير لا مجرد حفظ للأفكار. أما المنصة الرقمية، فتشتغل بمنطق معاكس تمامًا: السرعة، والاختزال، والوعد بالحل الفوري. ولذلك فإن كل انزياح في طرق تعلّم الفلسفة يكشف، بوضوح أكبر من أي مادة أخرى، حجم ما يتهدد العلاقة بين المتعلم والمعرفة في العصر الرقمي.

المفارقة التي يجب تفكيكها

إن السؤال الأعمق، والأكثر إلحاحًا في نظري، يخص سلوكًا متناقضًا يلاحظه كل من مارس التدريس في هذا المستوى: كيف يستقيم أن يبدي التلميذ لا مبالاة واستهتارًا بالحصص الرسمية طيلة السنة، ثم ينقلب فجأة، في أسابيعها الأخيرة، إلى مستهلك نَهِم لكل ما يُعرض عليه رقميًا؟

جزء من التفسير دارج في الأذهان: هاجس النجاح في الامتحان الذي يتحول، مع اقتراب الموعد، من تجريد بعيد إلى واقع وشيك يقلب السلوك من الاسترخاء إلى الهلع الاستدراكي؛ وإغراء الحل السريع الذي يعد بمردودية فورية بينما التعلم الحقيقي مجهود تراكمي شاق؛ وتمثّل شائع لدى كثير من المتعلمين يفصل بين “التعلم” و”النجاح في الامتحان”، فيصبح الأول فضاءً إلزاميًا منفصلًا عن الغاية الفعلية، بينما يصبح الثاني اختصارًا مباشرًا نحوها.

تراجع منظومة الحزم التربوي، وتحوّل المدرسة، في جزء من ممارساتها، إلى بيئة هشة

لكن هذه العوامل، على وجاهتها، تظل تفسيرًا جزئيًا. فثمة بُعد أعمق، وهو في تقديري السبب البنيوي الأخطر: تراجع منظومة الحزم التربوي، وتحوّل المدرسة، في جزء من ممارساتها، إلى بيئة هشة. فقد شهد الخطاب التربوي، في العقود الأخيرة، تحولًا خلط، عن حق أحيانًا وعن تسرّع أحيانًا أخرى، بين الحزم العادل الضامن للمتابعة والمساءلة، وبين كل من السلطوية المرفوضة والعنف المدرسي المدان. والنتيجة أننا فقدنا القدرة على التفكير في حزم بنّاء لا سلطوي ولا عنيف، وتحوّلت المدرسة، في بعض تجلياتها، إلى فضاء يساير سلبية المتعلم بدل أن يرتفع بمستواه. وحين تفقد المؤسسة قدرتها على فرض هذا الحزم طيلة السنة، لا يبقى أمام التلميذ سوى لحظة الحزم الوحيدة التي يفرضها عليه الزمن ذاته في الأسابيع الأخيرة: فيقبل، ولو متأخرًا وبمنطق استهلاكي محض، على فضاء آخر يوهمه بجدية واستعجال افتقدهما في مساره طيلة العام.

خاتمة: دعوة للترشيد

المقال، كما بيّنه العنوان، محاولة للفهم وليس دعوة إلى محاربة الرقمنة أو التحسّر على “زمن جميل” بلا منصات. فالتحول الرقمي حقيقة تاريخية لا سبيل إلى إنكارها، والدعم الرقمي المشروع، حين يُمارَس بكفاءة، استجابة موضوعية لحاجة حقيقية، خصوصًا في ظل التفاوتات المجالية التي يعرفها نظامنا التعليمي. لكن الرهان الحقيقي لا يكمن في مقاومة هذا التحول، بل في إعادة إخضاعه لمقاصد التربية: عبر تمييز واضح يحمي التلميذ من الخلط بين الدعم والارتزاق، وعبر تعزيز آليات التقويم المستمر التي تُفرغ اللحظة الأخيرة من طابعها الوجودي الحاسم، وعبر استعادة جرأة الحديث عن حزم تربوي عادل لا يخجل من ذاته خوفًا من الخلط بينه وبين ما ليس منه.

فالمدرسة، في نهاية المطاف، لا تُقاس بقدرتها على منافسة المنصات في الانتشار، بل بقدرتها على تكوين إنسان قادر على التفكير الحر والتمييز والنقد. وهذه وظيفة لا تستطيع أي خوارزمية، مهما بلغ ذكاؤها، أن تحل محلها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *