خارج الحدود

أزمة سبتة تربك حكومة سانشيز.. جدل داخل مدريد حول ما كانت تعرفه الاستخبارات؟

بيدرو سانشيز

فجرت تداعيات أزمة الهجرة غير المسبوقة التي شهدتها سبتة نهاية يوليوز الماضي جدلا سياسيا جديدا داخل إسبانيا، بعدما برز تضارب في روايتي وزارتي الدفاع والداخلية بشأن المعلومات التي كانت متوفرة لدى أجهزة الاستخبارات قبل دخول عشرات الآلاف من المهاجرين إلى المدينة.

وطالب رئيس الحزب الشعبي الإسباني المعارض، ألبرتو نونييث فيخو، اليوم الأربعاء 26 غشت، بالدعوة “الفورية” إلى لجنة الأسرار الرسمية في البرلمان، حتى يقدم جهاز الاستخبارات الوطني الإسباني “CNI” توضيحات بشأن المعلومات التي كانت بحوزته قبل الأزمة وكيفية نقلها إلى السلطات المختصة.

وقال فيخو، في رسالة نشرها على منصة “إكس”، إن تضارب الروايات بشأن ما جرى في سبتة يجعل اجتماع اللجنة أمرا لا يحتمل مزيدا من التأخير، مذكرا بأن الحزب الشعبي سبق أن طالب بعقدها في 5 غشت الجاري، ومعتبرا أن التصريحات الأخيرة تستوجب توضيح من كان على علم بما سيحدث قبل اندلاع الأزمة.

وجاء تحرك زعيم المعارضة عقب تصريحات أدلت بها وزيرة الدفاع الإسبانية مارغريتا روبلس، الثلاثاء، أمام لجنة الدفاع في مجلس النواب، أكدت فيها أن عناصر جهاز الاستخبارات الوطني كانوا يتابعون الوضع في سبتة، وأنهم نقلوا المعلومات التي توصلوا إليها إلى قوات الأمن ومندوبية الحكومة في المدينة.

وكشفت روبلس أن جهاز “CNI” أخطر مندوبية الحكومة يوم 29 يوليوز، أي عشية موجة الدخول الكبرى، بوجود دعوة متداولة عبر شبكات التواصل الاجتماعي تحث على دخول سبتة سباحة من المغرب في اليوم التالي، بالتزامن مع احتفالات عيد العرش بالمملكة.

وأضافت الوزيرة أن المؤشرات لم تبدأ في ذلك اليوم فقط، مشيرة إلى أن اجتماعا عقد في 27 يوليوز بحضور مندوب الحكومة ورئيس سبتة تناول دعوات كانت متداولة على شبكات التواصل للدخول سباحة، فضلا عن تسجيل محاولات وصول خلال الأيام السابقة.

وفي المقابل، قدم وزير الداخلية فرناندو غراندي مارلاسكا رواية مختلفة بشأن مدى التحذير المتوفر، إذ أكد عقب اجتماع مجلس الوزراء أنه لم يكن هناك أي تقرير استخباراتي يتوقع أو “يلمح” إلى دخول أكثر من 80 ألف شخص إلى سبتة يومي 30 و31 يوليوز.

وشدد مارلاسكا على أنه لو كانت أجهزة الدولة قد توقعت وصول هذا العدد غير المسبوق من المهاجرين، لاتخذت السلطات “بحكم المنطق” إجراءات استثنائية ومسبقة لمواجهة الوضع، مؤكدا في الوقت نفسه ثقته في عمل أجهزة الاستخبارات وقوات الأمن.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن وزير الداخلية نفى وجود أي معلومات بشأن محاولات عبور مرتقبة، إذ ينصب نفيه أساسا على عدم وجود تقرير يتنبأ بحجم الموجة التي وقعت بالفعل، بينما تؤكد روبلس أن السلطات كانت على علم بوجود دعوة محددة للدخول سباحة في 30 يوليوز.

غير أن هذا التفاوت في عرض المعلومات كان كافيا لإشعال مواجهة سياسية، إذ وصفت وكالة الأنباء الإسبانية “EFE” تصريحات الوزيرين بأنها روايتان متعارضتان بشأن دور جهاز الاستخبارات قبل الأزمة، فيما طالب نواب من الحزب الشعبي و”فوكس” روبلس بتوضيح من يقدم الرواية الصحيحة.

ودخل وزير السياسة الترابية والذاكرة الديمقراطية، أنخيل فيكتور توريس، الأربعاء، على خط الجدل، منحازا إلى تفسير مارلاسكا، إذ أكد أن الأجهزة كانت تقدم تقارير يومية عن الوضع وأن ارتفاعا في محاولات الدخول كان معروفا، لكن “لم تكن هناك في أي حال” معلومة تفيد بأن عشرات الآلاف سيصلون إلى سبتة دفعة واحدة.

وقال توريس، الذي يتولى قيادة جهاز التنسيق الموحد المكلف بإدارة الأزمة، إنه لو كانت الحكومة تعلم مسبقا بأن عشرات الآلاف سيصلون إلى المدينة “لكان التحرك مختلفا تلقائيا”.

وكانت الحكومة الإسبانية قد رفعت لاحقا تقديرها لعدد الذين دخلوا سبتة يومي 30 و31 يوليوز إلى نحو 80 ألف شخص، في واحدة من أكبر موجات الهجرة الجماعية التي شهدتها المدينة، بعدما كانت التقديرات الأولية تتحدث عن أعداد أقل.

وتحولت القضية بذلك من نقاش حول تدبير التدفقات والهجرة إلى مساءلة بشأن أداء أجهزة الدولة ومستوى التنسيق بين المؤسسات الأمنية والسياسية، وما إذا كان التحذير الموجود قبل 30 يوليوز قد عومل بما يتناسب مع المخاطر التي كانت تلوح في الأفق.

ولا تقدم المعطيات التي استند إليها الجدل الحالي دليلا على أن جهاز الاستخبارات كان يتوقع وصول عشرات الآلاف أو أن الحكومة تلقت تحذيرا بحجم الأزمة ثم تجاهلته، بل تثبت بصورة أوضح أن السلطات كانت على علم بتداول دعوات جديدة للدخول سباحة، وهو ما أصبح محور الخلاف حول ما إذا كان ينبغي أن يدفع إلى استعدادات أوسع.

كما لا تتضمن تصريحات فيخو أو الخلاف المحدد بين روبلس ومارلاسكا دليلا جديدا يثبت أن المغرب نظم موجة الدخول، رغم أن نوابا من الحزب الشعبي و”فوكس” أثاروا بصورة منفصلة خلال جلسة البرلمان أسئلة بشأن دور الرباط وطالبوا الحكومة بتقديم روايتها الرسمية في هذا الشأن.

ومن المنتظر أن يستمر الملف في الواجهة السياسية خلال الأيام المقبلة، إذ حدد مجلس النواب الإسباني يوم الجمعة 28 غشت موعدا لجلسة استثنائية للجنة الداخلية يمثل أمامها مارلاسكا لشرح تدبير وزارته لأحداث سبتة، ما قد يوفر تفاصيل إضافية بشأن التحذيرات التي سبقت الأزمة وتسلسل وصول المعلومات إلى أجهزة الدولة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *