منتدى العمق

من يملك رؤية الزمن المدرسي في المغرب؟

في كل موسم دراسي يتجدد الجدل نفسه: هل ينبغي تأخير الدخول المدرسي أم الإبقاء عليه في موعده؟ غير أن هذا السجال المتكرر يخفي سؤالاً أكثر أهمية نادراً ما يُطرح: هل ما زلنا نفكر في الزمن المدرسي باعتباره قضية تربوية، أم أنه تحول إلى مجرد ملف إداري يُعاد ترتيبه كلما تغير وزير أو حكومة؟

فالخلاف الحقيقي لا يتعلق ببضعة أيام تُقدَّم أو تُؤخَّر، وإنما بالتصور الذي يحكم تنظيم الزمن داخل المدرسة المغربية برمته. كيف تُوزَّع فترات التعلم والراحة؟ وإلى أي حد يراعي تدبير الزمن المدرسي الواقع المناخي والاجتماعي والثقافي للبلاد؟ وهل يساعد على بناء إيقاع مستقر للتعلم، أم يساهم في تشتيته وتقطيعه؟

لذلك يبدو أن الجدل حول موعد الدخول المدرسي ليس سوى مدخل إلى نقاش أعمق حول فلسفة الزمن التربوي في المغرب، وحول ما إذا كانت الاختيارات المعتمدة اليوم تستند إلى رؤية بيداغوجية واضحة أم إلى اجتهادات إدارية متعاقبة تتغير بتغير المسؤولين.

لعل المفارقة التي تستحق التوقف عندها هي أن المغرب، في سنوات الاستقلال الأولى، كان يدبر الزمن المدرسي في ظل محدودية الموارد وندرة الأطر وحداثة التجربة التعليمية الوطنية، ومع ذلك كان تنظيم السنة الدراسية أكثر انسجاماً مع الواقع المغربي مما هو عليه اليوم. فقد اعتمدت المدرسة آنذاك نظاماً قائماً على ثلاث دورات دراسية بإيقاع زمني واضح ومستقر، وكانت فترات الراحة والعطلة الكبرى تتيح للمتعلمين استعادة التوازن والاستعداد لدورة جديدة، كما كان التدبير الزمني أكثر مراعاة، بدرجات متفاوتة، للخصوصيات المناخية والاجتماعية التي تطبع البلاد. والمفارقة أن المغرب، بعد عقود من الإصلاحات وتراكم الخبرات والتقارير التربوية، ما يزال يعيد النظر باستمرار في الزمن المدرسي، إلى درجة يصعب معها أحياناً الوقوف على الفلسفة البيداغوجية التي تؤطر هذه التعديلات المتلاحقة أو قياس أثرها الفعلي على التعلمات.

أما اليوم، فقد أصبح الزمن المدرسي موضوع تعديلات متواصلة تتغير بتغير الوزراء والحكومات، حتى بدا الأمر وكأن كل مسؤول جديد يسعى إلى ترك بصمته الخاصة، دون أن نتبين دائماً الأسس العلمية أو البيداغوجية التي تحكم هذه الاختيارات. فهل خضعت فعلاً التحولات من نظام الدورات الثلاث إلى الدورتين، ومن العطل التقليدية إلى العطل البينية المتعددة، لتقييمات دقيقة تقيس أثرها على التعلمات وعلى التوازن النفسي للمتعلمين؟ أم أننا أمام اجتهادات متعاقبة يطغى عليها هاجس التدبير الإداري أكثر مما يحكمها منطق تربوي واضح؟

إنه من المشروع أيضاً التساؤل عن الأثر البيداغوجي لهذا التقسيم. فالتعلم عملية تراكمية تحتاج إلى إيقاع مستقر واستمرارية زمنية تسمح بترسيخ المعارف والعادات الدراسية. أما الانقطاعات المتكررة، مهما كانت قصيرة، فإنها تجبر المتعلم في كل مرة على استعادة تركيزه وإعادة بناء نسقه الذهني، مما يحول السنة الدراسية إلى سلسلة من البدايات المتكررة بدل أن تكون مساراً متصلاً ومتدرجاً. فهل أُنجزت دراسات تقيس أثر هذا النمط من التقطيع الزمني على الانتباه والتحصيل الدراسي؟

غير أن نقد التقسيم الحالي للزمن المدرسي لا يعني أن الحل يكمن في العودة إلى الصيغ السابقة أو في مجرد تعديل عدد العطل. إن أي نقاش جدي حول إصلاح الزمن المدرسي لا يمكن أن ينفصل عن واقع المدرسة المغربية نفسها. فالزمن ليس مجرد ساعات تُضاف أو تُحذف من الجداول، بل هو جزء من منظومة متكاملة. فكيف يمكن الحديث عن إعادة توزيع الزمن المدرسي أو إطالة الحضور داخل المؤسسة في مدارس ما تزال في كثير من الحالات تختزل الحياة المدرسية في القسم الدراسي وحده؟ إن الزمن التربوي يفترض وجود فضاءات للقراءة والرياضة والفنون والأنشطة الموازية، لأن التعلم لا يحدث فقط داخل الحصة الدراسية. لذلك فإن إصلاح الزمن المدرسي يظل رهيناً أيضاً بإصلاح فضاءات المدرسة وشروط الحياة المدرسية داخلها.

ثم كيف يمكن تبرير انطلاق الدراسة في فاتح شتنبر في مناطق لا تزال تعرف درجات حرارة مفرطة تجعل ظروف التعلم صعبة، بل أحياناً مرهقة وغير ملائمة؟ وهل يعقل أن يخضع المغرب، بكل تنوعه المناخي والجغرافي، لتقويم زمني موحد وكأن الظروف نفسها تسود في طنجة والرباط وزاكورة والرشيدية؟

إن الزمن المدرسي عنصر أساسي في العملية التعليمية، وليس مجرد تواريخ على ورق. لذلك يبدو من المشروع أن نطرح على السلطات التربوية سؤالاً بسيطاً ومباشراً: أين هي الرؤية الوطنية المستقرة للزمن المدرسي؟ وهل نبني تدبيرا تربوياً منطلقاً من حاجات المتعلمين وخصوصيات المغرب، أم نكتفي بتغييرات دورية تتبدل بتبدل الوزراء وتوجهاتهم؟

هذا سؤال تربوي حقيقي يستحق نقاشاً عمومياً هادئاً وعميقاً، بعيداً عن منطق “الطناطن” الإصلاحية التي كثيراً ما تتغير عناوينها بينما تبقى الأسئلة الجوهرية معلقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *