منتدى العمق

مسرح السياسة!

مسرح السياسة!

عالم السياسة لا يختلف كثيرا عن عالم المسرح و إن كان يبدو أنهما بحرين منفصلين بينهما برزخ لا يبغيان.

فَتَمَثُّلات السياسة في كونها مساحة للافكاروالاديولوجيات، نِزَال التوجهات في تدبير الشأن العام و ارتباطاتها النمطية بمفاهيم السلطة و المال و المسؤولية.. يجعلها تبدو بعيدة كل البعد عن تمثلات المسرح، الذي يحظر في الاذهان كونه مساحة للفن و ارتباطه بالابداع و الخيال و الحرية..

و الملاحظ اليوم أن السياسة دائمة الحظور، عبر النقاشات اليومية و في شاشات التلفزيون و على مواقع التواصل الإجتماعي، مما يجعلها مصاحبة للمعيشنا اليومي . أما المسرح فيغلب عليه طابع المحتشم، يقتضي الذهاب للمسارح للحضور الأ عمال المسرحية ، حضوضه من دفتر التحملات للقنوات الإعلامية ضئيلة، حتى دور المسارح منها ما أغلقت أبوابها و طالها النسيان.

إن السياسة لها قطار يحمل أسماء أعداد كثيرة من السياسين الذين بصمو تاريخ السياسة بالمغرب، مع كل مرحلة جديدة تتجدد الأفكار و التوجهات. منذ علال الفاسي ، المهدي بن بركة مرورا بعبد الرحيم بوعبيد؛ العربي أحرضان .. وصولا إلى عبد الرحمان اليوسفي. .. رجالات أتثو مسرح السياسة بالمغرب .
في نضير ذلك، المسرح له باص بمقاعد محدودة، يحمل أسماء رجالات صنعو »سَاسْ «المسرح ، و بصموا على مسار متألق ، فكان أبرزهم : أحمد الطيب العلج ، الطيب الصديقي ، عبد الكريم البدوي و ثريا جبران ..

أستحظر تلك الأيام من سنة 2014؛ التي كنا نتلقى دروسا في ورشات المسرح بالمركز الثقافي للداوديات (مراكش) من تأطير الاستاذ حسن هموش، ذ. الورادي محمد و أخرون ، فكانت أولى الدروس تتمحور حول التمكن من أدوات إشتغال الممثل المسرحي و هي أربع:

تدبير الفضاء Gestion d’espace
الانصات L’Ecoute
الارتجال L’Improvisation
الاستمتاع باللعب فوق الخشبة Le plaisir de jouer sur scène

هذه التقنيات تشكل أهم مفاتيح الكوميديان، بالإضافة الى تقنيات أخرى كاستثمار الوقت ؛ و التحكم في النَّفَس و نبرة الصوت .. كل هذه الأدوات كانت تتجسد في تمارين تطبيقية للسَقْلِها و التمكن منها.

و السياسي بدوره ليس بغريب عن الكوميديان. يجب هو الأخر أن يتمكن من جل هذه التقنيات؛ ليمثل أدواره المنوطة به فوق مسرح السياسة على أكمل وجه.

يجب أن يمعن السمع و الاصغاء للمجتمع و كل أطيافه و أن يكون على إطلاع دائم إلى هواجس الأفراد و المؤسسات. على السياسي اليوم أن يدبر الفضاء الذي يعيش فيه و الذي يزاول فيه نشاطه السياسي و التمثيلي ( البرلمان ؛ منصات الاعلام ، خشبات إلقاء الكلمات بمناسبة تقديم البرنامج الانتخابي ..).

يجدر بالسياسي أن يتقن فن الارتجال ؛ ليس بالمعنى السلبي الذي يعني العبثية و اللامبالاة. بل الارتجال بمعنى الجرأة في اتخاذ القرارخاصة في اللحظات الحرجة ، وتحمل مسؤولية نتائج ذلك القرار و تبعاته ..

رجل السياسة يجب ان يكون ممتعا في حواراته ، و خراجاته الإعلامية؛ رجل تواصل بامتياز..ذو ثقافة واسعة، ليس بالقدر الذي يجعله قد رَاجَعَ جل مسرحيات شيكسبير او هينريك ابسن، و لكن بالقدر الذي يجعله مُلِمّا بقواعد اللعب السياسي. كل هذا لا يأتي من فراغ ، بل من رجل صال و جال، متشبع ايديولوجيا، عاش أهم المحطات السياسية للبلد، يمزج بين الهوية و التراث السياسي المحلي والأشكال السياسية الحديثة، والأهم من ذلك مارس الفعل السياسي كما يجب أن يكون عليه.

الممثل المسرحي حين يقف على المنصة ؛ لا يحاول محاكاة الواقع ؛أو “تمثيله”؛ بل يسعى أن يكون الواقع نفسه. و إلا سيسقط في فخ النمطية cliché، فلا يحظى بتفاعل الجمهور. و هنا مفارقة عجيبة حين كنا نحاول تجسيد الرجل الثمل أو فاقد الوعي من شدة السُّكْر، نحاول فقدان التوازن لنجسد حالة الترنح و الميلان الذي يضهر حالة السُّكْر. غير أن الواقع مخالف تماما ؛ فالرجل يحاول إيجاد التوازن حتى لا يقع أرضا..

و كذلك السياسي يجب أن يكون الواقعَ من خلال وعوده و شعاراته أثناء مخاطبة الناس، خاصة مع اقتراب الأيام الانخابية .

إن عمل السياسي لا يختلف عن الكوميديان، فقبل كل عرض مسرحي ، هناك أيام من الاستعداد و البروفات (سيناريو؛ اكسيسوار ،ملابس، إنارة.. ) و فريق عمل في الخفاء.

و كذلك السياسي، قبل كل قرار. لابد من دراسة أثره. تحديد مشاكل و معاناة الساكنة و البحث عن حلول لها، لقاءات تواصلية ؛ إشراك الناس في القرار و التدبير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *