وجهة نظر

تحول وظيفة الدولة: من المشروعية الدستورية إلى منطق المقاولة

تحول وظيفة الدولة: من المشروعية الدستورية إلى منطق المقاولة

تشهد الممارسة السياسية والدستورية المعاصرة تحولا بنيويا في فلسفة تدبير الشأن العام؛ إذ لم يعد التدافع السياسي مقتصرا على التنافس البرامجي في إطار التعددية الحزبية، بل أضحى يمس بالعمق الثابت الدستوري القائم على «الخيار الديمقراطي». لقد تراجعت الفكرة المؤسسة للمشروعية السياسية، والمبنية تاريخيا على «التعاقد الدستوري والسيادة الشعبية»، لصالح صعود نموذج يستعير أدوات «المقاولة الفردية» وميكانيزمات السوق؛ معيدا صياغة ممارسة السلطة من تجسيد لإرادة الأمة إلى مجرد تدبير إجرائي لمشاريع، ومؤشرات كمية معزولة عن عمقها التداولي ومساءلتها المؤسساتية.

يجسد هذا الانزياح ما اصطلح عليه الفكر المعاصر، بدءا من أطروحة ميشيل فوكو حول الليبرالية الجديدة، وتطوير بيير داردو وكريستيان لافال، بـ«استبطان عقلانية المقاولة المعممة»؛ حيث تكف الدولة عن كونها ضامنا للمصلحة العامة لتتحول هي ذاتها إلى «فاعل مقاولاتي» يكره المجتمع والمؤسسات على الامتثال لمعايير المردودية الاقتصادية، وتطويع البنية التحتية القانونية لخدمة منطق التنافسية وتراكم الرأسمال.

إن خطورة هذا التحول تصيب في الصميم الأساس الفلسفي والأخلاقي للدولة الدستورية؛ فإذا كان «العقد الاجتماعي» في تنظير جان جاك روسو ليس عقد معاوضة نفعيا ولا صفقة تجارية بين مستهلِك وشركة، بل هو فعل تأسيسي يعبر عن «الإرادة العامة» لإنتاج سيادة غير قابلة للتجزئة غايتها تحقيق العدالة والمساواة، فإن إدارة الدولة بعقلية المقاولة تسقط هذا البناء المعياري لتخضع تدبير الشأن العام لنزوات «المسير الفردي المنفرد» وإكراهات التوازنات المحاسباتية الضيقة.

كما يصطدم هذا النموذج بجذرية مع أسس مدرسة المرفق العام لدى الفقيه ليون دوغي؛ إذ إن مشروعية الدولة وسلطاتها لا تكمن في التحكم السلطوي ولا في تحقيق المردودية المالية والربحية، بل تتأسس حصرا على خدمة «التضامن الاجتماعي» عبر مرافق عمومية حيوية تكفل تماسك البنية الاجتماعية وحماية الفئات الهشة؛ وهي وظائف حيوية يعجز منطق السوق عن استيعابها بحكم انتفاء العائد المالي المباشر منها.

وفي مقابل المبدأ الدستوري القائل بأن «الأمة تمارس سيادتها ديمقراطيا بواسطة ممثليها» في ظل فصل السلط وتوازنها وتعاونها، يكرس منطق «المقاولة» تراتبية تكنوقراطية عمودية تجعل من الفاعلية الإجرائية غاية تسمو على المساءلة السياسية؛ حيث ينظر إلى التداول البرلماني، وحصانات المعارضة، والنقاش العمومي، بمثابة بطء مسطري وهدر لزمن التدبير، يعيقان مرونة القرار الإداري المستعار من أدبيات «التدبير العمومي الجديد».

وينعكس هذا التحول جليا في تجريف الوظيفة الرقابية للبرلمان وإفراغها من محتواها الدستوري؛ فقد شهدت القدرة التعديلية والرقابية للمؤسسة التشريعية وحقوق المعارضة تراجعا لافتا، في ظل واقع سياسي حول الآليات الدستورية الثقيلة لإثارة مسؤولية السلطة التنفيذية—وعلى رأسها «ملتمس الرقابة» —إلى أدوات شكلية معطلة في معادلة التوازن الحقيقي بين السلط. وبالموازاة مع ذلك، جرى استبدال المحاسبة السياسية الدستورية بمفاهيم تقنية مستعارة من حكامة الشركات وقانون الأعمال، قوامها «الافتحاص الداخلي»، ومراقبة التسيير، وتدبير المخاطر؛ وهي رقابة تقنية موجهة لحفظ التوازنات الحسابية دون أدنى اكتراث بالمساءلة السياسية والمجتمعية التي يمارسها ممثلو الأمة.

وهذا ما يفسر، بتوصيف الفيلسوف يورغن هابرماس، استفحال «أزمة الشرعية»؛ كنتيجة لاختراق واستعمار أنساق الاقتصاد والبيروقراطية التقنية للفضاء العمومي التداولي، وتعويض الحوار المجتمعي التعددي باستراتيجيات التواصل والتسويق الدعائي.

ويمتد هذا المسار ليطال البنية الوظيفية للتشريع ذاته؛ إذ تراجعت صناعة القانون بوصفه تعبيرا ساميا ومجردا عن الإرادة العامة، لتحل محله نصوص تشريعية ظرفية تصاغ كـ «قوانين على المقاس»، تستجلب لتلبية مصالح ريعية أو متطلبات فاعلين اقتصاديين بعينهم في السوق. وتلجأ السلطة التنفيذية باطراد إلى تفعيل المراسيم التنظيمية، وقوانين الإذن بالتشريع، والمراسيم بقوانين خلال الفترات الفاصلة بين الدورات، مع الإفراط في إعمال مساطر الاستعجال التشريعي؛ مما يقلص الحيز الزمني المتاح للمداولة البرلمانية الهادئة، ويختزل غرفتي البرلمان في أجهزة تقريرية وظيفتها «المصادقة الإجرائية الباردة» على قرارات ومشاريع قوانين جاهزة سلفا في الدوائر التقنية للحكومة.

وعلى مستوى الفاعلين الحزبيين، تشهد وظيفة التأطير والتكوين السياسي للمواطنين تراجعا، بعدما تم استبدال النضال القاعدي والتأطير المستمر بتقنيات «التسويق السياسي الرقمي» والحملات البصرية السريعة لصناعة أثر لحظي يلمع «العلامة التجارية» للسياسات الحكومية. كما تسرب منطق السوق إلى آليات منح التزكيات الانتخابية؛ حيث تنحى معيار الالتزام الإيديولوجي والنضالي لصالح استقطاب أعيان وفاعلين ذوي ملاءة مالية وشبكات نفوذ ومصالح جاهزة، استنساخا لمقاربة الشركات الكبرى في «انتداب الكفاءات المؤقتة والمسيرين التنفيذيين» وفق قانون العرض والطلب بغية تحقيق أسرع مردودية انتخابية بأقل كلفة تأطيرية.

وقد أفرز هذا التحول انقلابا جذريا في المركز القانوني للمواطن؛ فبدل التعامل معه كصاحب مركز دستوري أصيل وحامل لحقوق سيادية، تم تسليعه ليصبح مجرد «زبون» أو «مستهلك» للخدمة العمومية. وتجلى ذلك بوضوح في صعود «الحكامة بالخوارزميات» في منظومة الحماية الاجتماعية والدعم المباشر؛ إذ تم إحلال التنقيط الإحصائي الآلي والعتبات الحسابية بالسجل الاجتماعي الموحد محل التقدير الواقعي للفقر والهشاشة الاجتماعية، ليغدو الحق الدستوري في الكرامة رهينا بأعشار رقمية يفرزها نظام حسابي مغلق.

ويطابق هذا الواقع بدقة ما حلله فقيه القانون آلان سوبيو حول «الحكامة بالأرقام»؛ حيث تتراجع سيادة القانون وقواعد العدالة الاجتماعية التوزيعية لصالح برمجة كمية صامتة تقمع الواقع المعيش وتمكنن الحقوق، محولة المواطنين من ذوات قانونية إلى ملفات إدارية وأرقام مجردة.

ويتكامل هذا المسار بانحسار وظيفة «الدولة الحامية والراعية» لصالح «الدولة الضابطة أو التدبيرية» وفق التوصيف الفقهي لـ جاك شوفالييه؛ حيث تنصلت الدولة تدريجيا من الالتزام المباشر بإدارة المرافق الأساسية عبر التوسع في عقود التدبير المفوض، والشراكات بين القطاعين العام والخاص، وإحداث الشركات الجهوية متعددة الخدمات في قطاعات استراتيجية كالماء والكهرباء والتطهير. وقد أدى إخضاع هذه القطاعات الحيوية لمنطق التوازن المالي للشركات والربحية التجارية للمفوض له إلى تقويض مبادئ المرفق العام الثلاثية: المساواة، ومجانية أو تيسير الولوج، واستمرارية أداء الخدمة العمومية.

ولم يتوقف الزحف المقاولاتي عند هذا الحد، بل توغل في المادتين الجبائية والجنائية؛ ففي المادة الجبائية، تعطلت وظيفة الضريبة كأداة تضامنية لتوزيع الأعباء العامة وفق الاستطاعة والعدالة الاجتماعية، لتتحول إلى مجرد حافز تفضيلي لاستقطاب رؤوس الأموال عبر الإعفاءات الضريبية للشركات الكبرى، في مقابل الاعتماد المكثف على الضرائب غير المباشرة المفروضة على الاستهلاك لسد عجز الميزانية.

وفي المادة الجنائية، اخترقت آليات التفاوض المالي قانون الأعمال والمال العام من خلال التوسع في العدالة التصالحية والصلح الزجري وإيقاف سير الدعوى العمومية مقابل الأداء المالي، تحت مسوغ الحفاظ على استمرارية المقاولة وحماية مناصب الشغل؛ وهو ما يفرغ الجزاء الجنائي من وظيفته الأخلاقية والرادعة، ويكرس ازدواجية قانونية تميز بين جرائم الياقات البيضاء المحمية بالتفاوض المالي، وجرائم العامة الخاضعة للردع الجنائي الكلاسيكي.

ويبلغ هذا التوجه ذروته في نزع الطابع السياسي عن الأولويات الوطنية وإخضاعها للإملاءات والتقييمات الماكرو-اقتصادية الصادرة عن وكالات التصنيف الائتماني وصناديق التمويل الدولية؛ حيث غدا هاجس تقليص عجز الميزانية وضبط المؤشرات النقدية، بمقتضى القانون التنظيمي للمالية، هدفا مقدسا يتقدم على متطلبات الإنفاق الاجتماعي في الصحة والتعليم ومحاربة الهشاشة. وبذلك، باتت الحكومات مسؤولة محاسباتيا أمام الأسواق المالية ومانحي القروض الدوليين، بدلا من مسؤوليتها الدستورية والسياسية أمام الهيئة الناخبة.

إن هذا النزوع يجسد ما وصفته المنظرة السياسية ويندي براون بـ«تقويض الديموس»؛ وهو التفكيك الممنهج للشعب ككيان سياسي يملك قراره التأسيسي، واختزال المواطنين في وحدات «رأسمال بشري» قابلة للاستثمار أو التهميش بحسب متطلبات الأسواق وقوانين التنافسية.

إن التناقض الجوهري والمميت في استنساخ نموذج المقاولة لحكم الدولة يكمن في الاختلاف الجذري في الطبيعة والغاية والوظيفة؛ فالمقاولة كيان اقتصادي تحكمه غاية تعظيم الربح الخاص، وتجيز قواعدها إغلاق الفروع غير المنتجة وفسخ عقود الشغل لأسباب تكنولوجية أو اقتصادية دفاعا عن تنافسيتها. أما الدولة، فرابطتها بالمواطن هي رابطة «مواطنة وسيادة» دائمة ومقدسة، غايتها دستورية لا تقبل المساومة: حفظ السلم والأمن العام، وضمان التماسك الاجتماعي، وتأمين التعليم والصحة، وتنمية المجالات الترابية الأكثر هشاشة؛ وهي التزامات وجودية لا تخضع لمنطق الكلفة والعائد المالي.

إن تعثر المقاولات التجارية يعالج بمساطر صعوبات المقاولة من تسوية وتصفية قضائية لاقتسام الخسائر وحماية الأصول؛ أما إخفاق الدولة في واجباتها الدستورية والاجتماعية فلا تحله موازنات تكنوقراطية، بل ينجم عنه تصدع السلم الأهلي، وانهيار شرعية النظام المؤسساتي، واستشراء الفوضى.

ومن هنا، فإن تصحيح هذا الانحراف التاريخي يستوجب استعادة أسبقية السياسي على الاقتصادي، وسمو التعاقد الدستوري على إملاءات السوق، وتفعيل الرقابة التداولية الحقيقية بربط المسؤولية بالمحاسبة؛ فالأوطان لا تدار كشركات ذات مسؤولية محدودة، والحكومات ليست مجالس إدارة تخدم حاملي الأسهم، والمواطنون ليسوا مستهلكين بل هم أصحاب السيادة ومصدر كل السلطات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *