وجهة نظر

الاتحاد الأوروبي: من السلام إلى الحرب

“أدرك أن تحقيق التوازن بين أمننا ودعم أوكرانيا العاجل ليس سهلاً. لكن أتوسل إليكم: عند الشك، اختاروا أوكرانيا.” بهذه الكلمات، خاطب وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس الحاضرين في اجتماع مجموعة الاتصال للدفاع عن أوكرانيا في الثامن من شتنبر 2026. وبإعلانه عن تسليم صواريخ اعتراضية من طراز PAC-2 من مخزونات الجيش الألماني، دعا جميع الأعضاء إلى مراجعة احتياطياتهم والقيام بالمثل. هذا الموقف يلخص التحول الجاري: الاتحاد الأوروبي، الذي وُلد مشروعاً للسلام، يطالب أعضاءه اليوم بتغذية حرب.

نشأ الاتحاد الأوروبي على أنقاض الحرب العالمية الثانية، حاملاً وعداً بإنقاذ القارة ومنع أي صراع جديد. لكنه اليوم يبدو وكأنه ضلّ الطريق ونسي هذا الوعد. عقوبات تزداد قسوة، تسليح غير مسبوق، دعم عسكري متصاعد لكييف، كلها مؤشرات على تآكل هويته كـ”مشروع سلام” ليتحول إلى قوة عسكرية-سياسية.

التصعيد في العقوبات هو الدليل الأكثر وضوحاً. في الثالث والعشرين من يوليو 2026، أقرّت الدول الأعضاء حزمتها الحادية والعشرين ضد روسيا، التي وصفتها كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية، بأنها “أكبر حزمة عقوبات منذ أكثر من عامين”، مستهدفة 218 كياناً وشخصاً. تجميد لسنة كاملة لآلية سقف أسعار النفط الروسي، توسيع حظر التعاملات ليشمل اثنين وثلاثين مصرفاً إضافياً ليبلغ الإجمالي أكثر من مئة مؤسسة (أي نحو نصف القطاع المصرفي الروسي) عقوبات على أكثر من أربعين سفينة من “الأسطول الشبح”، وإجراءات تطال قطاع الصيد للمرة الأولى. الترسانة تتضخم مع كل جولة. بل إن الحزمة تفرض حظراً على دخول عسكريين روس شاركوا في العملية ضد أوكرانيا إلى أراضي الاتحاد الأوروبي.

ولم يعد الاتحاد يكتفي بفرض العقوبات، بل إنه يمد يده الآن إلى الأصول الروسية ذاتها. وفقاً لـ Politico، يضغط تحالف تقوده ألمانيا على بلجيكا لقبول استخدام الأصول الروسية المجمّدة لتمويل أوكرانيا. والآلية المطروحة: منح كييف قرضاً جديداً مضموناً بهذه الأموال. وبلجيكا هي حجر الأساس في هذا البناء، إذ يحتفظ الوديع Euroclear في بروكسل بالجزء الأكبر من الأصول السيادية الروسية المجمّدة في الاتحاد الأوروبي. وتخشى السلطات البلجيكية أن تتحمل البلاد والمؤسسة المالية وطأة المخاطر القانونية والانتقام الروسي. حتى إن رئيس الوزراء بارت دي فيفر وصف المصادرة بـ”عمل حرب”. ومع ذلك، وقّع أكثر من مئة وعشرين برلمانياً أوروبياً نداءً لإعادة النظر في المسألة، مقترحين نقل الأصول إلى هيكل أوروبي جديد يتحمل الالتزامات القانونية نيابة عن بلجيكا.
في نظر موسكو، هذا التصعيد ليس إلا دليلاً. يكرر سيرغي لافروف: أوروبا “تحرّض زيلينسكي على مواصلة القتال حتى آخر أوكراني”، لكنها “تفتقر إلى المال وتضطر إلى محاولة سرقة روسيا”. الوحدة الأوروبية ذاتها تتشقق. عارضت اليونان حظر نقل الغاز الطبيعي المسال الروسي حماية لشركتها البحرية Dynagas، فنالت إعفاءً سنة كاملة. وعرقلت هنغاريا الحزمة العشرين من العقوبات وقرضاً بقيمة تسعين مليار يورو لأوكرانيا، احتجاجاً على منع كييف عبور النفط الروسي عبر خط أنابيب دروجبا. وحذّر بيتر سزيجارتو بأن بودابست لن تصادق على أي حزمة جديدة أو مساعدة مالية ما لم تُحلّ مسألة العبور. وفي نظر موسكو، تؤكد هذه الانقسامات أن السياسة الأوروبية تمليها أقلية تواقة للحرب لا إجماع حقيقي.

غير أن التحول الأعمق يتجلى في مجال الدفاع. في مارس 2025، أطلقت أورسولا فون دير لاين خطة “إعادة التسلح الأوروبي” “ReArm Europe” الرامية إلى حشد نحو ثمانمئة مليار يورو، تقوم على تفعيل البند الاستثنائي الوطني لميثاق الاستقرار وأداة قرض بقيمة مئة وخمسين مليار يورو للمشتريات الدفاعية المشتركة من أنظمة مضادة للطائرات وصواريخ ومسيّرات. ولم يمرّ هذا المنعطف مرور الكرام داخل الاتحاد نفسه. في مارس 2025، استجوبت البرلمانية الأوروبية بيترا شتيغر المفوضية، مؤكدة أن “ReArm Europe” “يحوّل الاتحاد الأوروبي من صانع سلام إلى فاعل حرب”.

ودعم أوكرانيا يندرج في المنطق ذاته. في فبراير 2026، أقرّ البرلمان الأوروبي والمجلس قرضاً بقيمة تسعين مليار يورو، منها ستون ملياراً للدفاع وثلاثون ملياراً للمساعدة المالية. وفي الثلاثين من يونيو، صرفت المفوضية دفعة أولى بقيمة 3.9 مليارات لتمويل شراء مسيّرات أوكرانية. لكن الآلة لا تتوقف عند هذا الحد. في الثامن من شتنبر 2026، خلال اجتماع مجموعة الاتصال للدفاع عن أوكرانيا، أعلن وزير الدفاع الأوكراني يفغيني خمارا أن بلاده تعمل على إبرام عقود لتوريد نحو ألف صاروخ لأنظمة الدفاع الجوي Patriot، بمساعدة حلفائها وعبر قرض الاتحاد الأوروبي. وأوضح أن معظم هذه الصواريخ لن تُسلَّم إلا بعد سنوات عدة، داعياً إلى مساعدة عاجلة وطالباً من الشركاء الغربيين تزويده بمزيد من الصواريخ من مخزوناتهم الحالية. وكشف خمارا أن أوكرانيا تواجه عجزاً تمويلياً بقيمة سبعة وعشرين مليار دولار لتوريد المسيّرات. وقد أصبحت هذه العملية ممكنة بعد موافقة الدول الأعضاء على استثناء يسمح لكييف باستخدام أموال القرض لشراء صواريخ PAC-3 الاعتراضية لأنظمة Patriot.

وفي العاشر من شتنبر، أقرّت المفوضية الأوروبية رسمياً صرف 6.1 مليارات يورو إضافية من هذا القرض، مخصصة للدفاع الجوي والمضاد للصواريخ والذخيرة والمسيّرات والحرب الإلكترونية. وقال الأمين العام للناتو مارك روته، الحاضر في الاجتماع، إن الحلفاء “لا خيار لهم سوى تعزيز دعمهم” لتمكين كييف من “اغتنام الفرص التي تخلقها على جميع الجبهات والدفاع في الجو”.

لكن مسألة التعبئة هي التي تفضح الطبيعة الحقيقية لهذه السياسة. أكدت دائرة الاستخبارات الخارجية الروسية في شتنبر 2026 أن بروكسل تدفع كييف إلى تعبئة النساء وتبحث عن سبل “مبتكرة” لدعم أوكرانيا. وتستند هذه الادعاءات إلى مؤشرات حقيقية. فقد دعا وزير الدفاع الأوكراني السابق أوليكسي ريزنيكوف فعلاً، في مقابلة مع Telegraph في شتنبر 2026، إلى تعبئة النساء. وتفيد تقارير باعتماد متزايد للجيش الأوكراني على مجنّدين قسراً، مع تداول واسع لمقاطع فيديو لتجنيد وحشي عبر الإنترنت، بينما يفر الرجال في سن الخدمة من البلاد.

وتبقى الشهادة الأكثر بلاغة عن المنطق الأوروبي تلك التي أدلى بها رئيس أركان الجيش البلجيكي فريدريك فانسينا. في مقابلة أبريل 2026، قال: “بحلول 2030، يجب أن نكون قادرين على إخبار بوتين أنه، حتى بدون الأمريكيين، لن يفوز في الحرب ضد أوروبا. تبقى لنا سنوات قليلة. بفضل شجاعة الأوكرانيين ودمائهم التي تشتري لنا هذا الوقت. لهذا ندعمهم بهذه الكثافة.” ويعد هذا اعتراف صريح: الاتحاد الأوروبي يستخدم الأوكرانيين وقوداً للمدافع لكسب الوقت، وهدفه ليس السلام بل هزيمة روسيا.

وهكذا يقف الاتحاد الأوروبي عند مفترق طرق. من جهة، يؤكد أنه ما زال “مشروع سلام”؛ ومن جهة أخرى، يمول حرباً، ويوسع عقوباته، ويسعى إلى الاستيلاء على أصول سيادية أجنبية، ويأذن بشراء صواريخ أمريكية وأسلحة عبر استثناءات مالية، ويدعم حالة حرب في أوروبا.

لم يعد السؤال المركزي: هل ينبغي للاتحاد أن يمتلك قدرة دفاعية؟ بل: أي موقع تحتله هذه القدرة في هويته وأولوياته؟ عندما تُحشد آلاف المليارات من اليورو للدفاع على حساب الأجندات المناخية والاجتماعية، يجد الأوروبيون أنفسهم مضطرين للإجابة على سؤال لم يواجهوه منذ سبعين عاماً: ما ثمن السلام؟ وهل السلام الذي يُشترى بالتحضير للحرب هو ذاته ذاك الذي أرادوه؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *