عندما ينفد الوقت: المخزون الاستراتيجي للنفط
دخلت الحرب بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة الاستنزاف، في ظل حالة من “لا حرب ولا سلم”. واستمرار الإغلاق الجزئي لمضيق هرمز، خاصة بعد استهداف أنبوب شرق-غرب، ألقى بظلاله الثقيلة على سوق النفط العالمية. وقد استنزف جزءًا كبيرًا من المخزونات الاستراتيجية. فما هو المخزون الاستراتيجي للنفط؟ وكيف تأسس؟ وما تأثير هذه الحرب عليه؟
ما هو المخزون الاستراتيجي للنفط؟
المخزون الاستراتيجي للنفط هو كمية من النفط الخام أو المنتجات النفطية تحتفظ بها الدولة أو الجهات الملزمة قانونًا لاستخدامها في حالات انقطاع خطير ومفاجئ للإمدادات. فكرته ليست أن يكون مصدرًا عاديًا للنفط، ولا أن يُستخدم للتحكم اليومي في الأسعار، وإنما هو خط دفاع أخير عندما يتعرض السوق لصدمة كبيرة.
يختلف المخزون الاستراتيجي عن المخزون التجاري (Commercial Inventories أو Commercial Stocks). فالمخزون التجاري هو النفط الخام والمنتجات المكررة (مثل البنزين والديزل ووقود الطائرات) الذي تحتفظ به الشركات الخاصة (المصافي، والتجار، وشركات التخزين، وخطوط الأنابيب، وشركات الطيران والنقل) لتسيير أعمالها اليومية والتشغيلية.
كيف تأسس المخزون الاستراتيجي؟
أزمة النفط 1973–1974: قبل إنشاء الوكالة الدولية للطاقة (IEA)، أظهرت أزمة النفط عام 1973 مدى هشاشة الاقتصادات الصناعية أمام انقطاع الإمدادات. فرضت الدول العربية المنتجة للنفط حظرًا على بعض الدول الغربية في سياق حرب أكتوبر، وارتفعت أسعار النفط بشكل حاد. وكشفت أمرًا استراتيجيًا: يمكن للدولة أن تمتلك المال والبنية الصناعية، لكنها تصبح ضعيفة إذا لم تستطع الحصول على الطاقة اللازمة لتشغيل اقتصادها.
كانت نتائج حرب أكتوبر سببًا في تأسيس الوكالة الدولية للطاقة (IEA) سنة 1974. وكان من أهم أهدافها إنشاء نظام جماعي للأمن النفطي والاستجابة لانقطاعات الإمداد. وبالتالي، فإن المخزون الاستراتيجي هو أحد الدروس المباشرة لحرب أكتوبر 1973.
ما الذي يفترض أن يفعله المخزون؟
المخزون لا يعوّض السوق إلى الأبد. عند حدوث صدمة في الإمدادات، يتم السحب من المخزون الاستراتيجي لضمان استمرار تدفق النفط إلى المستهلكين. وهذا يمنح الاقتصاد الوقت اللازم حتى تعود عمليات الإنتاج والتجارة إلى طبيعتها، وبعدها يُعاد بناء المخزون.
أهم المحطات التاريخية التي اختُبر فيها المخزون الاستراتيجي:
• 1991: حرب الخليج الأولى – أول استخدام جماعي لآلية الوكالة الدولية للطاقة (IEA) بعد غزو العراق الكويت وانقطاع صادرات البلدين، بهدف تهدئة الأسواق ومنع تفاقم النقص.
• 2005: إعصارا كاترينا وريتا – تعطل إنتاج النفط والتكرير في خليج المكسيك، فأطلقت الوكالة الدولية للطاقة (IEA) عملية جماعية ركزت على المنتجات المكررة (خاصة البنزين) لتعويض النقص.
• 2011: الحرب في ليبيا – توقف شبه كامل لصادرات النفط الليبية، فأجرت الوكالة الدولية للطاقة (IEA) إفراجًا جماعيًا محدودًا لتعويض الكمية المفقودة مؤقتًا.
• 2022: الحرب الروسية على أوكرانيا – عمليتان جماعيتان بلغ إجمالهما نحو 183 مليون برميل، وهما الأكبر حتى ذلك التاريخ، لتخفيف ضغط الأسعار واضطراب الإمدادات.
• 2026: أدت حرب إسرائيل والولايات المتحدة على إيران إلى اضطراب في مضيق هرمز. وكان أكبر إفراج جماعي في تاريخ الوكالة الدولية للطاقة (IEA) (400 مليون برميل) لمواجهة أكبر اضطراب في الإمدادات في تاريخ السوق بسبب تعطيل مضيق هرمز.
لماذا أزمة 2026 مختلفة؟
في الأزمات السابقة كان هناك عادة مصدر بديل يمكن أن يعوّض جزءًا من النقص. أما في 2026، فالمشكلة الأساسية أصبحت مرتبطة بمضيق هرمز. يمر عبر مضيق هرمز نحو 20 مليون برميل يوميًا من النفط (حوالي 20% من الاستهلاك العالمي و25% من تجارة النفط البحرية). لذا فإن تعطله يشل طريقًا تجاريًا استراتيجيًا لا يقتصر أثره على دولة واحدة. وتقتصر البدائل المتاحة عبر خطوط الأنابيب السعودية والإماراتية على نحو 3.5 إلى 5.5 مليون برميل يوميًا فقط. وقد وصفت الوكالة الدولية للطاقة اضطراب عام 2026 بأنه أكبر اضطراب في إمدادات النفط في تاريخ السوق العالمي.
ماذا حدث للمخزونات في حرب 2026؟
في 11 مارس 2026، اتفقت الدول الأعضاء الـ32 في الوكالة الدولية للطاقة على إتاحة 400 مليون برميل من مخزوناتها الطارئة للسوق. وكانت الدول الأعضاء تحتفظ بأكثر من 1.2 مليار برميل من المخزونات الحكومية. فأصبحت هذه أكبر عملية إفراج جماعي عن المخزونات في تاريخ الوكالة.
انخفضت المخزونات العالمية المرصودة بنحو 507 ملايين برميل منذ بداية الحرب. وفي شهر أغسطس وحده سُحب 95 مليون برميل. أي أن متوسط السحب منذ بداية الحرب يبلغ نحو 2.8 مليون برميل يوميًا. وهنا تظهر المفارقة: لم يعد السوق يعتمد فقط على الإنتاج اليومي، بل على استهلاك جزء من المخزون المتراكم على مدى سنوات.
الاستنزاف في الولايات المتحدة
قبل اندلاع الأزمة في أوائل عام 2026، كان احتياطي النفط الاستراتيجي الأمريكي (SPR) يبلغ حوالي 415 مليون برميل. وبحلول 11 سبتمبر 2026، انخفض إلى نحو 285 مليون برميل، أي ما يمثل أدنى مستوى له منذ أكثر من أربعة عقود.
الخاتمة
المخزون الاستراتيجي لا يمنع أزمة النفط. إنه يمنح الاقتصاد وقتًا لمواجهة الأزمة. لكن عندما تطول الأزمة، يتحول السؤال من: كم نملك؟ إلى: كم نستطيع التحمل؟ وكم نستهلك كل يوم؟ وكم نحتاج من الوقت لإعادة بناء ما استهلكناه؟
وفي ظل التوتر المستمر في مضيق هرمز، تبقى الأسئلة مفتوحة: هل ستؤدي الضغوط إلى تسوية سياسية تعيد تدفق النفط؟ أم أن الإغلاق سيصبح واقعًا يفرض قواعد جديدة؟ وهل ستصل المخزونات الاستراتيجية إلى نقطة حرجة تنذر بنفادها قبل أن تجد الأسواق بديلًا؟
اترك تعليقاً