ذكرى 7 أكتوبر، حتى لا ننسى، ما لم تستطع الآلة العسكرية دفنه في غزة
ثلاث سنوات مرت على السابع من أكتوبر 2023، لكن التاريخ لم يتحول إلى رقم عابر في تاريخ القضية الفلسطينية، لقد أصبح فاصلاً بين مرحلتين: مرحلة كان يجري فيها دفع القضية الفلسطينية تدريجياً إلى هامش المشهد، تحت ضغط التطبيع ومشاريع التسوية التي تجاوزت الفلسطينيين، ومرحلة أعادت فيها غزة فلسطين إلى قلب النقاش العالمي، وإن كان الثمن الذي دفعه الفلسطينيون باهظاً إلى حد غير مسبوق.
في الحروب الكبرى لا تكون المعركة على الأرض وحدها، تكون أيضاً على الذاكرة، وعلى الرواية، وعلى تفسير ما حدث ومن يتحمل مسؤوليته، ولهذا فإن استحضار ذكرى 7 أكتوبر لا يعني اختزال الصراع في ذلك اليوم، بل يعني رفض الرواية التي تبدأ القصة من لحظة الانفجار وتتجاهل عقود الاحتلال والاستيطان والحصار، كما يعني رفض أن تتحول الكارثة الإنسانية في غزة إلى مشهد اعتيادي يفقد قدرته على الصدمة.
لقد كشفت السنوات الثلاث التالية حقائق ثقيلة عن طبيعة القوة الصهيونية، وعن حدود الردع، وعن حجم الكارثة الإنسانية، وعن النظام الدولي، وعن الموقف الغربي والعربي من القضية الفلسطينية.
7 أكتوبر هزّ أسطورة التفوق الأمني والعسكري الصهيوني
لعقود، قامت صورة الاحتلال الأمنية على منظومة تجمع التفوق التكنولوجي، والاستخبارات المتقدمة، والتحصينات، والقدرة على الردع، فجاء 7 أكتوبر ليكشف أن التفوق التقني لا يعني القدرة المطلقة على منع الاختراق أو منع المفاجأة.
لقد شكّل انهيار منظومة الحماية حول غزة وإخفاق أجهزة الإنذار والاستخبارات في استباق الهجوم صدمة داخل المؤسسة العسكرية والسياسية الصهيونية نفسها، والأهم أن الأمر لم يبقَ في حدود النقد الخارجي، فقد اعترفت تحقيقات الاحتلال لاحقا بأوجه قصور وإخفاقات واسعة في التعامل مع الهجوم.
لكن المفارقة الأشد أن الحرب اللاحقة لم تستطع ببساطة إعادة إنتاج صورة «القوة التي تحسم كل شيء»، فقد احتاج الاحتلال إلى حرب طويلة ومدمرة لتحقيق أهدافه، فيما ظل ملف الأسرى أحد أكثر الملفات تعقيداً، وانتهى جانب مهم منه إلى مسارات تفاوض وتبادل.
هنا يجب التمييز بين أمرين: الاحتلال ما زال قوة عسكرية كبرى، ويمتلك تفوقاً هائلاً في التسليح والاستخبارات، لكن 7 أكتوبر أسقط فكرة التفوق الذي يساوي القدرة المطلقة على التحكم في الصراع.
أما الأسطورة الأخلاقية، فقد واجهت اختباراً أكثر قسوة، فالوقائع الموثقة حول حجم الدمار، واستهداف أو تضرر المنشآت الصحية، والقيود المفروضة على وصول المساعدات، والضحايا المدنيين، جعلت ادعاء أن القوة العسكرية يمكن أن تُقاس أخلاقياً بمجرد الخطاب الذي تقدمه عن نفسها أمراً غاية في البشاعة، وقد وثقت منظمة الصحة العالمية مئات الهجمات على الرعاية الصحية في غزة، وأكدت استمرار الانهيار الواسع للمنظومة الصحية.
وفي 21 نوفمبر 2024، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرتي توقيف بحق بنيامين نتنياهو ويوآف غالانت، متهمة إياهما، في سياق قرارها، بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية مزعومة، بينها التجويع كأسلوب من أساليب الحرب والهجمات المتعمدة ضد السكان المدنيين، وهي مذكرات توقيف يمثل صدورها تطوراً قانونياً وسياسياً بالغ الدلالة.
لا يمكن فهم 7 أكتوبر خارج سياق الاحتلال والحصار
من أخطر أخطاء الخطاب الإعلامي اختزال الصراع في يوم واحد، فغزة لم تستيقظ صباح 7 أكتوبر من فراغ، والقطاع كان يعيش منذ 2007 تحت حصار طويل، فيما ظل الاحتلال والاستيطان والهجوم على الأرض والقدس والحقوق الفلسطينية مستمراً.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن غزة دخلت الحرب وهي أصلاً تعاني أزمة إنسانية وصحية مزمنة بعد سنوات من الحصار، وأن نحو 80% من السكان كانوا يعتمدون على المساعدات الإنسانية قبل التصعيد الأخير.
وفي يوليو 2024، خلصت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري بشأن الأراضي الفلسطينية المحتلة إلى أن استمرار الوجود الصهيوني في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ 1967 غير قانوني، وربطت ذلك بالاستيطان والضم وإحباط حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير.
فهم السياق ليس تبريراً للجريمة، بل هو شرط لفهم لماذا انفجر الصراع أصلاً، فالذي يريد معالجة الانفجار من دون معالجة البيئة التي أنتجته لا يبحث عن حل، وإنما يبحث عن إدارة دائمة للأزمة.
غزة كشفت قدرة الإنسان على الصمود تحت أقصى درجات الضغط
إذا كان 7 أكتوبر قد كشف هشاشة منظومة الردع، فإن الحرب التي تلته كشفت وجهاً آخر للصراع: قدرة المجتمع الفلسطيني على البقاء رغم الدمار والنزوح والجوع وفقدان المأوى.
بحلول سبتمبر 2026، تجاوز عدد الشهداء الفلسطينيين الذين أعلنت عنهم وزارة الصحة في غزة 73 ألفاً و700، إضافة إلى أكثر من 174 ألف جريح، وفق تقارير استندت إلى بيانات الوزارة.
ولا ينبغي التعامل مع هذه الأرقام باعتبارها مجرد إحصاءات، فخلف كل رقم عائلة، وخلف كل عائلة قصة استشهاد وفقد ونزوح وإصابة وحرمان، أخذا بعين الاعتبار جريمة مسح عائلات بأكملها من السجل المدني.
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن الحرب خلفت نظاماً صحياً شبه منهار، وأن الهجمات على الرعاية الصحية بلغت مستويات غير مسبوقة، بينما ظل ملايين الفلسطينيين معرضين لظروف نزوح وانعدام مأوى وماء وخدمات صحية كافية، وفي سبتمبر 2026، قالت المنظمة إن نحو 1.7 مليون شخص ما زالوا نازحين، وإنها تحققت من مئات الهجمات على الرعاية الصحية منذ 2023.
وهنا تكمن إحدى أكثر حقائق غزة دلالة:
إصرار مجتمع كامل على البقاء رغم محاولة تحويل الحياة اليومية نفسها إلى معركة من أجل الماء والخبز والدواء والمأوى.
التهجير لم يكن مجرد احتمال، ولذلك أصبح البقاء في الأرض فعلاً سياسياً
منذ الأيام الأولى للحرب، برزت مقترحات وخطط لنقل سكان غزة خارج القطاع، وتعددت الصيغ، من الحديث عن نقل السكان إلى سيناء، إلى مشاريع أُعيد طرحها لاحقاً تحت عناوين مختلفة، لكن النتيجة الأوضح كانت أن غالبية الفلسطينيين تمسكوا بالبقاء في أرضهم.
وعندما أتيح لسكان غزة العودة إلى مناطقهم خلال فترات وقف إطلاق النار، شاهد العالم مشاهد الفلسطينيين وهم يعودون إلى مناطق مدمرة، أحياناً سيراً على الأقدام، رغم أن ما ينتظرهم لم يكن بيتاً قائماً بل أنقاضاً.
هذه الصورة ليست مجرد مشهد إنساني، إنها تعبير عن ذاكرة فلسطينية تشكلت منذ النكبة على أساس الخوف من أن يتحول النزوح المؤقت إلى اقتلاع دائم.
ولهذا فإن معركة غزة لم تكن فقط معركة على السيطرة العسكرية، وإنما أيضاً معركة على من يبقى ومن يُدفع إلى الرحيل.
وقد خلصت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة في 2025 إلى أن الإجراءات الصهيونية في غزة، بما فيها تدمير البنية المدنية وتوسيع المناطق الخاضعة للسيطرة، أدت إلى تقليص المجال المتاح للفلسطينيين بصورة واسعة.
الصمود الغزي لا يُفهم بالسلاح وحده
من الخطأ تفسير قدرة غزة على الصمود فقط من خلال الحسابات العسكرية، فالمجتمع الغزي تشكلت داخله على مدى عقود شبكة كثيفة من الروابط الاجتماعية والدينية والأسرية، وكان المسجد والقرآن والتعليم جزءاً من الحياة اليومية لقطاعات واسعة من المجتمع.
والعامل العقدي كان وسيبقى التفسير الأهم للصمود، باعتباره عنصراً مهماً في فهم البنية الاجتماعية والثقافية التي ساعدت قطاعات من الفلسطينيين على تحمل الفقد والموت والنزوح.
فالإنسان الذي يواجه الفقد من داخل منظومة إيمانية لا يرى الموت والفاجعة بالطريقة نفسها التي يراها إنسان منزوع المعنى.
ولهذا اكتسبت عبارات مثل «إنا لله وإنا إليه راجعون» و«حسبنا الله ونعم الوكيل» حضوراً واسعاً في خطاب الفلسطينيين أثناء الحرب.
ولم يكن استهداف المساجد وتدميرها تفصيلاً هامشياً في المشهد، فقد وثقت جهات فلسطينية ودولية حجم الدمار الذي أصاب المساجد والمنشآت الدينية، في سياق تدمير واسع ومقصود للبنية المدنية.
وهنا يبدو جليا إخفاق الاحتلال في تدمير الذاكرة التي يحملها الإنسان الفلسطيني بتدمير المكان ومحو البنيان.
لقد أثبتت تجربة غزة أن الجدار يمكن أن يهدم، والمسجد يمكن أن يدمر، والبيت يمكن أن يتحول إلى ركام، لكن الهوية لا تسقط بالضرورة بسقوط الحجر.
الحرب كشفت شبكة الدعم السياسي والعسكري التي تحيط بالكيان المحتل
لم تكن الحرب مواجهة بين غزة والكيان بمعناها الضيق فقط، فالدعم الأمريكي العسكري للكيان كان أحد أبرز عناصر المشهد، ووفق مشروع «تكاليف الحرب» بجامعة براون، وافقت الولايات المتحدة بين أكتوبر 2023 وسبتمبر 2024 على ما لا يقل عن 17.9 مليار دولار من المساعدات الأمنية المرتبطة بالعمليات العسكرية الصهيونية، فيما قدر المشروع إجمالي الإنفاق الأمريكي المرتبط بالعمليات الإسرائيلية والإقليمية خلال الفترة نفسها بأكثر من 22.7 مليار دولار.
وهنا لا يتعلق الأمر بمجرد موقف دبلوماسي، إنه دعم مالي وعسكري مباشر لقوة تخوض حرباً واسعة في قطاع محاصر لعقود.
وفي المقابل، تحركت المؤسسات القضائية الدولية في اتجاه مختلف، فقد أصدرت محكمة العدل الدولية تدابير مؤقتة ملزمة في قضية جنوب أفريقيا ضد الكيان المحتل، تطالبه باتخاذ إجراءات لمنع الأفعال الداخلة في نطاق اتفاقية منع الإبادة الجماعية.
ثم جاء التحول الأكثر حساسية في سبتمبر 2025، عندما خلصت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة إلى أن سلطات وقوات الاحتلال ارتكبت أربعة أفعال تندرج ضمن أفعال الإبادة الجماعية التي تحددها اتفاقية 1948، وخلصت إلى وجود أساس معقول لاعتبار عنصر القصد الخاص متحققاً.
لكن تجاهل هذا الاستنتاج الأممي، كما تجاهل مذكرات المحكمة الجنائية الدولية، يعني تجاهل جزء أساسي من السجل القانوني الذي أنتجته الحرب.
الرأي العام الغربي بدأ يتحول بصورة لا يمكن تجاهلها
إذا كانت الحكومات الغربية في معظمها أكثر حذراً في تغيير سياساتها، فإن قطاعات واسعة من مجتمعاتها بدأت تتحرك في اتجاه مختلف.
لقد أصبحت صور الأطفال تحت الركام، والمستشفيات المدمرة، والنازحين في الخيام، والجوع، جزءاً من الوعي اليومي لجيل كامل.
وتظهر بيانات “مركز بيو للأبحاث” أن النظرة السلبية إلى حكومة الاحتلال الصهيوني لدى الأمريكيين ارتفعت من 43% في 2022 إلى 62% في 2026، بينما أصبحت النظرة إلى الشعب الفلسطيني إيجابية لدى 50% من الأمريكيين.
والأكثر دلالة أن 58% من الأمريكيين الذين تقل أعمارهم عن 30 عاماً لديهم نظرة إيجابية إلى الفلسطينيين، مقابل 32% فقط إلى الصهاينة.
هذه الأرقام لا تعني أن الرأي العام الأمريكي أصبح موحداً في موقفه من الاحتلال الصهيوني أو من حماس أو من الحرب.
لكنها تؤكد تحولاً لا يجوز الاستهانة به: “احتكار الرواية لم يعد ممكناً كما كان”.
لقد أصبح الهاتف المحمول شاهداً، وأصبحت الصورة القادمة من غزة قادرة على الوصول مباشرة إلى ملايين الأشخاص دون المرور دائماً عبر المؤسسات الإعلامية التقليدية المروجة، في غالبيتها، للرواية الصهيونية.
وهكذا تحولت غزة من قضية تُدار سياسياً إلى قضية تُرى يومياً على المباشر صوتا وصورة.
غزة أسقطت قناع حقوق الإنسان
لم تكن غزة مجرد حرب كشفت حجم الجريمة، كانت محكمة أخلاقية وسياسية مفتوحة سقطت فيها أقنعة كثيرة، وفي مقدمتها قناع «عالمية حقوق الإنسان». فقد رأى العالم القتل والتهجير والتجويع وتدمير المستشفيات والمدارس والبنية المدنية، وتوالت التقارير الأممية والحقوقية والإجراءات القضائية الدولية، ومع ذلك ظل الدعم السياسي والعسكري للاحتلال قائماً، وكأن حياة الفلسطيني لا تدخل بالقدر نفسه في الحساب الأخلاقي والقانوني الذي تدخل فيه حياة غيره.
هنا انكشفت الحقيقة بلا مساحيق: المشكلة لم تكن في غياب الأدلة، بل في غياب الإرادة، لم تكن في أن العالم لا يعرف، بل في أن قوى نافذة تعرف وترى ثم تختار أن تصمت أو تحمي أو تبرر.
في حروب أخرى، تتحول الجرائم إلى عقوبات، وتتحول انتهاكات القانون الدولي إلى عزلة وملاحقة ومساءلة، أما في غزة، فقد تحولت قواعد القانون إلى نصوص قابلة للتأويل كلما تعلق الأمر بالاحتلال، وتحول «حق الدفاع عن النفس» إلى مظلة سياسية تُستعمل لتبرير ما لا يمكن تبريره أخلاقياً أو إنسانياً.
هذه ليست أزمة قانون، بل أزمة عدالة، وليست أزمة معلومات، بل أزمة معايير.
فإذا كانت حقوق الإنسان عالمية فعلاً، فلماذا تتبدل قيمتها بتبدل هوية الضحية؟ ولماذا يصبح قتل المدنيين جريمة تستوجب العقاب في مكان، و “حرباً معقدة” في مكان آخر؟ ولماذا يصبح المستشفى مقدساً حين يكون خارج غزة، ثم يتحول إلى هدف أو ساحة اتهام حين يكون داخلها؟
غزة فضحت التناقض المركزي في النظام الدولي:
قانون قوي أمام الضعفاء، ومتردد أمام الأقوياء، مبادئ صارمة حين تخدم السياسة، ومرنة حين تصطدم بالمصالح.
والأشد فجاجة أن هذا الانحياز لم يعد مجرد موقف سياسي عابر، بل أصبح اختباراً لمصداقية النظام الدولي نفسه، فالقانون الذي لا يطبق على الجميع يفقد هيبته، وحقوق الإنسان التي تُمنح وفق ميزان القوة تتحول إلى امتياز سياسي، والعدالة التي تتوقف عند حدود الحليف القوي تصبح مجرد شعار.
لهذا ستبقى غزة شاهداً لا يمكن محوه: لقد سقط قناع «عالمية حقوق الإنسان» يوم أصبح واضحاً أن حياة الفلسطيني ليست، في حسابات القوى الكبرى، مساوية بالضرورة لحياة غيره.
وغزة لم تكشف فقط حجم الجريمة، كشفت أيضاً حجم النفاق الدولي الذي أحاط بها، وهي بذلك لم تضع القانون الدولي أمام امتحان فحسب، بل وضعت النظام الدولي كله أمام مرآته: إما عدالة واحدة للجميع، أو اعتراف صريح بأن ما يسمى «النظام القائم على القواعد» ليس سوى نظام تحكمه القوة عندما تعجز القواعد عن حماية مصالح الأقوياء.
الحرب كشفت اتساع الهوة بين المواقف الرسمية العربية والرأي العام
أما عربياً، فقد كشفت الحرب فجوة متزايدة بين المزاج الشعبي ومسار التطبيع الرسمي.
فبيانات «الباروميتر العربي» بعد 7 أكتوبر تقدم مؤشراً واضحاً: في البلدان السبعة التي شملتها موجة 2023-2024، لم تتجاوز نسبة المؤيدين للتطبيع مع الاحتلال 13% في أي بلد، فيما تراجعت النسبة في المغرب من 31% إلى 13%.
هذه الأرقام لا تعني أن الشعوب العربية متطابقة في مواقفها، ولا أن الحكومات العربية تتبنى سياسة واحدة، لكنها تكشف بوضوح أن الحرب أعادت القضية الفلسطينية إلى مركز الوعي الشعبي العربي، وأن الرهان على إمكانية تجاوز القضية الفلسطينية عبر اتفاقيات التطبيع اصطدم بواقع مختلف.
لقد تغيرت المعادلة:
فكلما اتسع حجم الدمار في غزة، اتسعت معه الأسئلة حول جدوى التطبيع، وحدوده، وثمنه السياسي والأخلاقي.
وهذا ما يفسر لماذا أصبحت قضية العلاقات مع الكيان المحتل أكثر حساسية في الرأي العام العربي مما كانت عليه قبل 7 أكتوبر.
حتى لا ننسى، غزة تحت الركام: عندما تنهزم القنبلةَ أمام الذاكرةُ
إن «حتى لا ننسى» ليست مجرد مجاملة عاطفية أو مرثية تُلقى في المناسبات لاستدرار التعاطف، إنها مانيفستو سياسي، ووثيقة اتهام جليّة، وصرخة في وجه عالم يمارس النفاق المفضوح.
بعد ثلاث سنوات على السابع من أكتوبر، سقطت الأقنعة وتلاشت الأوهام، لم تعد القضية مسألة “من بدأ الحرب”، بل هي تعرية شجاعة للواقع الذي حاول البعض تغطيته لعقود:
سقطت أسطورة “الجيش الذي لا يُقهر” واهتزت عقيدة الردع الصهيونية أمام أعين العالم.
انكشفت هشاشة المنظومة الأمنية التي طالما صُوّرت كقلعة عصية على الاختراق.
تجلى الحجم الحقيقي للدمار والكارثة الإنسانية في غزة، وفي المقابل تجلت إرادة الصمود والاستماتة لدى شعب محاصر يرفض الانكسار.
تعرّت شبكات الدعم السياسي والعسكري للغرب المنافق والمتورط، التي تمنح الغطاء والانتهاكات حصانة مجانية.
إن الحرب اليوم لم تعد سريّة ولا مغيبة، لقد وُضع الكيان المحتل ولأول مرة في التاريخ أمام سياط القانون الدولي، من قرارات محكمة العدل الدولية إلى مذكرات الجنائية الدولية وصولاً إلى استنتاجات اللجان الأممية بشأن الإبادة الجماعية، وفي الشوارع والجامعات الغربية، أدركت الأجيال الشابة الحقيقة:
القضية الفلسطينية لم تُدفن كما توهم البعض، بل عادت إلى قلب المعادلات الدولية بقوة لا يمكن تجاهلها.
ولأن العدالة لا تتجزأ، فإن نزاهة الذاكرة ترفض ازدواجية المعايير: فلا 7 أكتوبر يبرر سحق قطاع بأكمله ومحو مدنييه، ولا جرائم الآلة العسكرية اللاحقة تبرر استهداف المدنيين.
المدنيون ليسوا دروعاً ولا أهدافاً، والاحتلال ليس رخصة مفتوحة للإفلات من العقاب، والكرامة الإنسانية ليست امتيازاً يُمنح لحاملي جنسية دون أخرى، العدالة التي تُفصّل على مقاس الطرف القوي ليست عدالة، بل هي تواطؤ شائن.
إن الالتزام بـ «حتى لا ننسى» يعني العمل المباشر: توثيق الجرائم، ملاحقة الجناة، إعادة إعمار غزة، كسر طوق الاستيطان، وإنهاء الاحتلال الغاشم حتى يمارس الشعب الفلسطيني حقه الناجز في تقرير مصيره.
الدرس الأخير والمُطلق لغزة هو: القوة الغاشمة قد تهدم السقف فوق رؤوس أصحابه، لكنها أعجز عن اقتلاع الحق من الذاكرة أو محو قضية شعب من التاريخ، فالسلام لن يولد من صفقات التطبيع المشبوهة ولا من إدارة الاحتلال بالقوة، بل يبدأ فقط عندما يعلو صوت القانون فوق بطش القوة، وتتساوى قيمة الروح الإنسانية، ويُنال الحق الفلسطيني كاملاً غير منقوص.
وحتى ذلك الحين، ستظل غزة الشاهد القوي الذي يصرخ من تحت الركام:
الحقيقة لا تُدفن، والذاكرة لا تُقهر، والقضية لن تموت.
اترك تعليقاً