بين التخليق والإصلاح.. ماذا قال الملك للحكومات والبرلمانيين بعد الانتخابات منذ دستور 2011؟
في ثلاثة خطب ملكية ألقاها الملك محمد السادس، منذ دستور 2011، في افتتاح البرلمان بعد الانتخابات التشريعية لـ2011 و2016 و2021، وجه عاهل البلاد رسائل وتوجيهات إلى الحكومات المتعاقبة وأعضاء البرلمان، تناولت مسؤولية البرلمانيين في التمثيل والتشريع والرقابة، كما تناولت مسؤولية الحكومة في تنفيذ السياسات العمومية واستكمال الإصلاحات وتحسين أداء الإدارة.
وركزت الخطب الملكية على التأكيد على ضرورة وأهمية التعاون بين البرلمان والحكومة، بحيث حث الملك البرلمانات والحكومات المتعاقبة على احترام الاختصاصات الدستورية، معتبرا أن نجاح المؤسسات لا يقاس فقط بوجود القوانين والبرامج، بل بمدى تنفيذها وتحقيق نتائج ملموسة للمواطنين.
التخليق والوفاء
وفي الخطاب الملكي لافتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الثانية من الولاية التشريعية التاسعة، وهو أول خطاب بعد دستور 2011 إبان بداية حكومة عبد الإله بنكيران، دعا الملك البرلمانيين إلى إحداث قطيعة مع الممارسات التي لم تعد تستجيب للتحولات الدستورية والسياسية التي عرفها المغرب، والانتقال إلى ممارسة برلمانية جديدة تقوم على الجدية والمسؤولية والنزاهة.
وشدد على أن تطوير أداء المؤسسة التشريعية يقتضي من البرلمانيين مساءلة ذواتهم وتحمل مسؤولية إصلاح ممارساتهم، بما يعزز مصداقية البرلمان ويعيد الثقة في العمل السياسي، مؤكدا ضرورة وضع مدونة أخلاقية للعمل البرلماني ذات بعد قانوني.
“ندعو البرلمان إلى الانكباب على بلورة مدونة أخلاقية ذات بعد قانوني، تقوم على ترسيخ قيم الوطنية وإيثار الصالح العام، والمسؤولية والنزاهة، والالتزام بالمشاركة الكاملة والفعلية، في جميع أشغال البرلمان، واحترام الوضع القانوني للمعارضة البرلمانية ولحقوقها الدستورية”، بحسب ما ورد في الخطاب الملكي.
ومن الرسائل التي حملها الخطاب الملكي أيضا، دعوته البرلمانيين إلى تغليب المصالح العليا للبلاد على الحسابات الحزبية والمصالح المحلية الضيقة، باعتبارهم يستمدون ولايتهم من الأمة. كما أبرز أهمية اضطلاع البرلمان بدوره في مراقبة الحكومة وتقويم السياسات العمومية، بما يسمح بتقييم نتائج البرامج والتدخلات العمومية ورصد الاختلالات وتصحيحها في الوقت المناسب.
وفي 14 أكتوبر من سنة 2016، ألقى الملك خطابا بمناسبة الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية العاشرة، وهو الخطاب الذي جاء مباشرة بعد الانتخابات التشريعية لسنة 2016، التي بوأت حزب العدالة والتنمية الصدارة، وشُكّلت على إثرها حكومة برئاسة سعد الدين العثماني.
وبعد مرور خمس سنوات على دستور 2011، دعا الملك البرلمانيين إلى الانصراف، بعد الإصلاحات الدستورية، إلى معالجة الانشغالات الفعلية للمواطنين وتحسين الخدمات العمومية. وقال: “فالمرحلة التي نحن مقبلون عليها أكثر أهمية من سابقاتها، فهي تقتضي الانكباب الجاد على القضايا والانشغالات الحقيقية للمواطنين، والدفع قدما بعمل المرافق الإدارية، وتحسين الخدمات التي تقدمها”، بحسب ما ورد في الخطاب الملكي.
انتقادات للبرلمانيين
ولم يخل الخطاب الملكي، حينها، من انتقاد بعض السلوكيات السلبية لعدد من البرلمانيين والأحزاب، حيث قال الملك: “يلاحظ أن البعض يستغلون التفويض، الذي يمنحه لهم المواطن، لتدبير الشأن العام في إعطاء الأسبقية لقضاء المصالح الشخصية والحزبية، بدل خدمة المصلحة العامة، وذلك لحسابات انتخابية”.
وتشمل الرسائل الموجهة إلى البرلمانيين، في ضوء القضايا التي تناولها الخطاب، ضرورة الاهتمام بالاختلالات التي تعترض المواطنين في علاقتهم بالإدارة، ومواكبة الإصلاحات الرامية إلى تحسين جودة الخدمات العمومية، من خلال التشريع والمراقبة وإثارة القضايا التي تمس الحقوق والمصالح اليومية للمواطنين.
وبعد انتخابات 2021، التي بوأت حزب التجمع الوطني للأحرار الصدارة، وتعيين عزيز أخنوش رئيسا للحكومة، تضمن الخطاب الملكي لافتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الحادية عشرة، جملة من الرسائل، أبرزها دعوة الملك محمد السادس البرلمانيين إلى مواكبة الإصلاحات الكبرى.
وأكد الملك أن البرلمان، بأغلبيته ومعارضته، يتحمل مسؤولية مشتركة في إنجاح المرحلة الجديدة، داعيا البرلمانيين إلى التحلي بروح المبادرة والالتزام المسؤول. ووضع الملك المؤسسة التشريعية، بهذا التوجيه، أمام مسؤولية تتجاوز التنافس السياسي، لتشمل المساهمة في إنجاح الأوراش الوطنية الكبرى.
كما ربط الملك الولاية التشريعية الجديدة بتنزيل النموذج التنموي الجديد ومواصلة الإصلاحات، بما يفرض على البرلمانيين الاضطلاع بدورهم في إعداد التشريعات اللازمة ومراقبة تنفيذ السياسات العمومية. وقال: “وهنا يجب التذكير بأن النموذج التنموي ليس مخططا للتنمية، بمفهومه التقليدي الجامد، وإنما هو إطار عام، مفتوح للعمل، يضع ضوابط جديدة، ويفتح آفاقا واسعة أمام الجميع”.
رسائل الملك للحكومات
تضمنت الخطب الملكية لافتتاح البرلمان أيضا رسائل موجهة إلى حكومتي العدالة والتنمية وحكومة التجمع الوطني للأحرار، حيث دعا الملك إلى ضرورة استكمال تنزيل الإصلاحات الدستورية، وتعزيز التعاون مع البرلمان في إطار احترام الاختصاصات الدستورية، والانتقال من بناء المؤسسات وإقرار القوانين إلى التنفيذ الفعلي للسياسات العمومية.
وفي خطاب 2012، دعا الملك إلى ترشيد علاقات الحوار الدائم والتعاون الوثيق والمتوازن بين الحكومة والبرلمان، على أساس الاحترام التام لخصوصية كل منهما ومجال اختصاصه. كما تناول الخطاب دور البرلمان في مراقبة الحكومة وتقويم السياسات العمومية، بما يتيح إدخال التعديلات الضرورية على البرامج في الوقت المناسب.
وقال الملك: “ندعوكم إلى ترسيخ التعاون الضروري بين مجلسي البرلمان، عبر نظام محكم مضبوط، وأن تجعلوا من ترشيد علاقات الحوار الدائم والتعاون الوثيق والمتوازن بين الحكومة والبرلمان، إطارا راسخا، قوامه الاحترام التام لخصوصية كل منهما ومجال اختصاصه”، بحسب ما ورد في الخطاب الملكي.
أما في خطاب افتتاح البرلمان لسنة 2016، فقد وجه الملك محمد السادس رسائل إلى حكومة العدالة والتنمية الثانية، تمحورت أساسا حول إصلاح الإدارة، حيث نبه إلى أن “المرحلة التي نحن مقبلون عليها أكثر أهمية من سابقاتها، فهي تقتضي الانكباب الجاد على القضايا والانشغالات الحقيقية للمواطنين، والدفع قدما بعمل المرافق الإدارية، وتحسين الخدمات التي تقدمها”.
وشدد الملك على أن “الهدف الذي يجب أن تسعى إليه كل المؤسسات، هو خدمة المواطن”، مبرزا أهمية “علاقة المواطن بالإدارة، سواء تعلق الأمر بالمصالح المركزية، والإدارة الترابية، أو بالمجالس المنتخبة، والمصالح الجهوية للقطاعات الوزارية”، بالإضافة إلى “المرافق المعنية بالاستثمار وتشجيع المقاولات، وحتى قضاء الحاجيات البسيطة للمواطن، كيفما كان نوعها”.
وأوضح الملك في خطابه أن “الغاية منها واحدة، هي تمكين المواطن من قضاء مصالحه، في أحسن الظروف والآجال، وتبسيط المساطر، وتقريب المرافق والخدمات الأساسية منه”، معتبرا أن لجوء عدد من المواطنين إلى عاهل البلاد من أجل قضاء حاجاتهم البسيطة دليل على “انغلاق الأبواب أمامهم، أو لتقصير الإدارة في خدمتهم، أو للتشكي من ظلم أصابهم”.
وفي الخطاب الملكي لافتتاح الولاية التشريعية سنة 2021، أشار الملك إلى التحديات الاقتصادية والصحية والاجتماعية التي خلفتها أزمة كورونا، وكيف نجح المغرب في تجاوزها، واستدرك داعيا الحكومة إلى مواصلة العمل، قائلا: “ينبغي أن نبقى واقعيين، ونواصل العمل، بكل مسؤولية، وبروح الوطنية العالية، بعيدا عن التشاؤم، وبعض الخطابات السلبية”.
كما حث حكومة أخنوش على التنزيل الفعلي للنموذج التنموي، وإطلاق مجموعة متكاملة من المشاريع والإصلاحات من الجيل الجديد، مؤكدا أن هذا النموذج “ليس مخططا للتنمية، بمفهومه التقليدي الجامد، وإنما هو إطار عام، مفتوح للعمل، يضع ضوابط جديدة، ويفتح آفاقا واسعة أمام الجميع”. كما نبه إلى أن الميثاق الوطني من أجل التنمية يشكل “آلية هامة لتنزيل هذا النموذج؛ باعتباره التزاما وطنيا أمامنا، وأمام المغاربة”.
وقال الملك: “الحكومة الجديدة مسؤولة عن وضع الأولويات والمشاريع، خلال ولايتها، وتعبئة الوسائل الضرورية لتمويلها، في إطار تنزيل هذا النموذج. وهي مطالبة أيضا باستكمال المشاريع الكبرى، التي تم إطلاقها، وفي مقدمتها تعميم الحماية الاجتماعية، التي تحظى برعايتنا”، داعيا إلى تأهيل حقيقي لمنظومة الصحة.
اترك تعليقاً