يحياوي: نتائج انتخابات 2026 تستعيد أزمة ثقة 2007 وتضيّق هامش التفاوض الحكومي
اعتبر مصطفى اليحياوي، أستاذ الجغرافيا السياسية وتقييم السياسات العمومية، أن الخريطة الانتخابية التي أفرزتها انتخابات 2026 تستعيد، في عدد من ملامحها، مؤشرات الأزمة التي طبعت المشهد الانتخابي المغربي سنة 2007، خاصة على مستوى المشاركة الانتخابية واتساع دائرة عدم الثقة في جدوى التنافس الحزبي، رغم وجود اختلافات واضحة في طبيعة التوازنات السياسية التي أفرزتها المحطتان.
وأوضح اليحياوي، في قراءة تحليلية للخريطة الانتخابية، أن المقارنة بين نتائج المشاركة في انتخابات 2007 و2026 تكشف عن تقارب لافت، مشيرا إلى أن تراجع المشاركة لم يعد مقتصرا على فئات أو مجالات محددة، بل اتخذ طابعا أوسع يشمل المجالين الحضري والقروي. واعتبر أن هذا المعطى يعكس استمرار أزمة الثقة في العملية الانتخابية، ويؤشر على محدودية التحولات التي شهدها سلوك الناخبين خلال هذه الفترة.
وفي المقابل، سجل المتحدث أن انتخابات 2026 تختلف عن انتخابات 2007 من حيث حجم تشتت الأصوات بين الأحزاب السياسية، موضحا أن المشهد الانتخابي سنة 2007 اتسم بدرجة مرتفعة من التشتت، إذ حصلت الأحزاب الثمانية الأولى على أقل من 53 في المائة من الأصوات، بينما ارتفعت هذه النسبة في انتخابات 2026 إلى نحو 83 في المائة، ما يعكس تركزا أكبر للأصوات لدى الأحزاب المتصدرة للنتائج.
وبحسب اليحياوي، فإن هذا التحول يقلص هامش المناورة لدى الأحزاب الصغيرة، ويحد من قدرتها التفاوضية في مرحلة تشكيل الأغلبية والمعارضة، بالنظر إلى أن الجزء الأكبر من الأصوات أصبح متمركزا لدى عدد محدود من الفاعلين الحزبيين. غير أنه اعتبر أن هذا المعطى لا يحسم بالضرورة طبيعة التحالفات الحكومية المقبلة، في ظل وجود توجه يرى أن رئيسة الحكومة المكلفة بتشكيل الحكومة قد تكون معنية ببناء معارضة قوية بقدر اهتمامها بتشكيل الأغلبية الحكومية.
وفي هذا السياق، طرح اليحياوي إمكانية العودة إلى فكرة «الكتلة التاريخية» باعتبارها مدخلا لتشكيل حكومة ذات مضمون سياسي واضح، معتبرا أن المغرب في حاجة إلى أغلبية منسجمة تستند إلى مشروع سياسي مشترك، وليس فقط إلى تجميع حسابي للمقاعد البرلمانية. ورأى أن هذا الخيار قد يفتح المجال أمام مواجهة سياسية أكثر وضوحا بين الحكومة والمعارضة، خاصة إذا أفضى إلى تشكل معارضة قوية مقارنة بتلك التي عرفها البرلمان عقب انتخابات 2021.
وفي قراءته للتحولات التي عرفتها الخريطة الحزبية، أشار المتحدث إلى أن عددا من الأحزاب عاد إلى موقعه داخل المجتمع، بعد مرحلة طغى فيها حضور حزبي الأصالة والمعاصرة والعدالة والتنمية على جانب من المشهد السياسي. لكنه شدد على أن عودة الأحزاب إلى مواقعها الانتخابية لا تعني بالضرورة حدوث تحول عميق في سلوك الكتلة الناخبة، بقدر ما تعكس استمرار أنماط من التعبئة السياسية والاجتماعية التي ظلت قائمة خلال السنوات الماضية.
وبخصوص حزب العدالة والتنمية، اعتبر اليحياوي أن نتائج انتخابات 2026 لا تعكس استعادة الحزب سوى جزء من قوته الانتخابية السابقة، موضحا أن الأصوات التي عادت إلى دعمه ترتبط، في جانب منها، بقاعدته الانتخابية التقليدية وبالفئات المرتبطة بمحيطه التنظيمي والدعوي. وأضاف أن هذا المعطى يطرح تساؤلات بشأن قدرة الحزب على توسيع قاعدته الانتخابية واستعادة موقعه السابق في المشهد السياسي.
كما سجل أن شعار محاربة الفساد، الذي شكل أحد مرتكزات التعبئة الانتخابية لحزب العدالة والتنمية خلال محطات سابقة، لم يعد حاضرا بالزخم نفسه في المزاج الانتخابي، في ظل بروز قضايا أخرى، من بينها غلاء المعيشة والقدرة الشرائية. واعتبر أن هذا التحول يعكس تغيرا في أولويات الناخبين، دون أن يعني بالضرورة حدوث مراجعة جذرية في أنماط التصويت أو في طبيعة القواعد الانتخابية للأحزاب.
وخلص اليحياوي إلى أن قراءة نتائج انتخابات 2026 تقتضي التمييز بين التحولات التي طرأت على توزيع الأصوات والمقاعد، وبين استمرار الاختلالات المرتبطة بالمشاركة والثقة في العمل الحزبي، مؤكدا أن التحدي الأساسي لا يقتصر على تشكيل أغلبية حكومية، بل يمتد إلى بناء حكومة ذات معنى سياسي، قادرة على تقديم مشروع واضح والاستجابة للانتظارات الاجتماعية والاقتصادية للمواطنين.
اترك تعليقاً