https://al3omk.com/119941.html

تحالف الاسلاميين واليسار بين الماضي والمستقبل

إن تاريخ علاقة الإسلاميين واليسار مليئ بالصراع والمواجهة الفكرية والتي تطورت إلى حد المواجهة الدامية، سواء على المستوى الوطني أو الدولي بحكم الامتداد الخارجي لهذه التنظيمات، وتاثيرها على المشهد السياسي المغربي، هذا الماضي الدامي كان من نتائجه شهداء من كل طرغي الصراع حالوا دون أي تقارب بين النقيضين، إذ لازالت دماء عمر بنجلون وأيت الجسد بنعيسى وفرج فودا وآخرون تقف حاجزا أمام أي حديث عن تفاهم سياسي او تقارب إيديولوجي او تنظيمس بين الإسلاميين واليسار، هذا يجعلنا نطرح تساؤلات مفصلية: فهل يعتبر الصراع الماضوي بين الإسلاميين واليساريين حاجزا أمام اي تقارل بين الطرفين؟ أم أن هذا الصراع أصبح متجاوزا أمام التطورات الإقليمية والوطنية الأخيرة والتي تفرض تجميع كافة القوى السياسية من أجل مواجهة تحديات الإرهاب والتطرف؟

قبل الحديث عن أي تقارب أو تحالف بين الإسلاميين واليساريين في المغرب لا بد من الإشارة إلى حالة الاستثناء المغربي لماقبل ومابعد مايسمى بالربيع العربي مع مراعاة الظرفية الزمانية لهذا الحراك السياسي الذي أطاح بالعديد من الأنظمة، وكذا الحروب الأهلية الناتجة عنه، إذ قبل الربيع العربيع لم يكن مسموحا للإسلاميين دخول اللعبة السياسية من داخل المؤسسات حيث كان المنع هوشعار كل ماهو مرتبط بتنظيم الإخوان المسلمين العالمي، باستثناء التجربة المغربية التي تميزت بادماج جزئي لأحد الحركات الإسلامية المتمثلة في حركة الإصلاح والتوحيد في المؤسسات بتوافق مع النظام عبر مراحل، إلى أن جاء الربيع العربي ليكون البوابة الصغيرة التي استغلها الإسلاميون للدخول علرها لعالم السلطة لكن ليس بشكل فردي بحكم النظام التمثيلي الذي يعتمد في نمط الاقتراع بالمغرب والذي لا يسمح بتحقيق أي حزب للاغلبية المطلقة حتى يتسنى له قيادة الحكومة بمفرده، هذا ما يدفع للانفتاح على توجهات حزبية أخرى لتحقيق الأغلبية. 

في مقابل تصاعد شعبية الاسلاميين شهدت شعبية اليسار المغربي تراجعا كبيرا خصوصا بعد تجربة حكم دامت 11 سنة تميزت بأكبر عملية للخوصصة يشهدها المغرب بموازات تراجعه عن الاشتراكية خصوصا بعد سقوط حائط برلين وتراجع المعسكر الشرقي وظهور العولمة… كل هذه العوامل أثرت بشكل كبير على الامتداد الشعبي لليسار في وقت تمددت القوى ذات التوجه الاسلاموي، وظهر ذلك جليا بانطلاق حركة 20 فبراير التي كانت عبارة عن خليط من اليسار والإسلاميين المتمثل في فظرالية اليسار والنهج الديمقراطي وجماعة العدل والإحسان التي كانت بمثابة القاعدة الجماهيرية التي أعطت الزخم للحركة، والتي فرضت على أعداء الأمس ضرورة التنسيق والاشتغال المشترك داخل حركة 20 فبراير التي انطفات شمعتها بانسحاب جماعة العدل والإحسان منها.

في مقابل ذلك استطاع حزب العدالة والتنمية أن يقود تحالفا حكوميا مكونا من أربعة أحزاب مختلفة المشارب والايديولوجيا والمبادئ، لكن ما ميز هذا التحالف هو التقارب والتفاهم الكبيرين بين طرفين فيه متناقضين وهما حزبا العدالة والتنمية ذو التوجه الاسلاموي وحزب التقدم والاشتراكية ذو التوجهات اليسارية، هذا التفاهم الذي وصل لحد التنسيق الميداني في انتخابات 4 شتنبر 2015 وما تلاها من تباد للهدايا السياسية بين الطرفين على مستوى رأسيات الجهات والدعم اللامشروط للعدلويون لرفاقهم التقدميين في انتخابات رئاسة مجلس المستشارين، مما يجعلنا أمام تساؤل كبير وهو هل بمكن اعتبار تحالف العدالة والتنمية والتقدم والاشتراكية تحالفا منطقيا خاصعا للماهو مبدئي، أم مجرد تحتلف مصلحي فرضته الظرفية السياسية والمصلحة الضيقة أم العدو المشترك؟ أم هو تحالف سياسي بين حزب له قاعد جماهيرية يحتاج لسند سياسي وحزب ذو وزن سياسي لكن بون قاعدة جماهيرية؟

هذه التساؤلات لا نجد لها إجابات إلا من خلال استعراض المراحل منها هذا التحالف “الرجولي” كما يسميه زعيم العدالة والتنمية، إذ ظهر جليا خلال المفاوضات الأولية لتشكيل الحكومة حيث يمكن الفصل بين من عرض عليه التحالف ومن طلب التحالف، إذ يصنف حزب التقدم والاشتراكية ضمن الأحزاب التي عرض عليها التحالف مع امتيازات تمثلت في حقائب وزارية إضافية ولها علاقة بالقطاعات الاجتماعية، وكذا النسبة التي حصل عليها هذا الحزب أثناء توزيع كعكة المناصب العليا والتي لا يستهان بها بالمقارنة مع الاحزاب الأخرى المشكلة للتحالف، مع الإشارة إلى التراشق بين الحزبين من جهة وحزب الأصالة والمعاصرة من جهة ثانية، أي هناك عدو مشترك ومصلحة مشتركة بين الطرفين مما يجعل هذا التحالف صامدا لأن كل الخيارات أمامه ضيقة نظرا للخناق الممارس عليه سواء من داخل التحالف الحكومي نفسها أو من قبل المعارضة بزعامة الأصالة والمعاصرة وكذا أصدقاء الأمس أعضاء الكتلة.
ويمكن التساؤل عن إمكانية اعتبار تحالف العدالة والتنمية ذو التوجه الاسلاموي والتقدم والاشتراكية ذو التوجه اليساري حتى لا نقول استراكي، انه تحالف التنازلات عن المبادئ والايديولوجيا؟ ام انه تحالف استراتيجي تجريبي في افق انضمام اليسار ااراديكالي المتمثل في النهج الديمقراطي ورفاق منيب وجماعة العظل والاخسان والسلفيين الممثلين للتيار الراديكالي الاسلاموي؟

ان تجربة تحالف التقدم والاشتراكية مع حزب العدالة والتنمية تحيلنا على تجربتي تونس ومصر المتمثلة في تحالف الإسلاميين واليسار لإسقاط النظام في هذين البلدين القريبين سوسيولوجيا ونوعيا للمغرب، هذا التحالف الذي انتهى بمجرد سقوط الانظمة أي العدو لتنطلق بعد ذلك مرحلة الصراع والتدافع حول المصلحة الذاتية لكل طرف، هذا مايؤكد على المصلحة تفرق والعدو يجمع.

إن تحالف العدالة والتنمية والتقدم والاشتراكية، سبقه على أرض الواقع تحالف اليسار الراديكالي المغربي مع جماعة العدل والإحسان والذين أسسوا حركة 20 فبراير في محاولة منهم لنقل التجربة التونسية (تحالف حزب النهضة المحضور والجبهة الشعبية) وكذا التجربة المصرية (تحالف الإخوان المسلمين مع اليسار الراديكالي ) رغم معرفتهم بان تجارب الشرق لا يمكن إسقاطها على الخصوصية المغربية وهذا ما أدى لفشلها لصعوبة تحقيق التوافق بنها نظرا للتاريخ الدموي بين الطرفين ادى إلى انسحاب جماعة العدل والاحسان من الحركة، رغم المحاولات التي قادها المعطي منجب لمعاودة الكرة ودفاعه المستميت على تحالف استراتيجي مستقبلي بين اليسار الراديكالي وجماعة العدل والإحسان، وهذا ما أطلق عليه بحوار الاسلاميين واليسار الذي انطلق بندوة المكتبة الوطنية والتي حضرها منجب وارسلان آخرون، لكن الماضي الدموي والاختلاف الأيديولوجي لا زالا يحولا دون أي تقارب أو تفاهم على أرضية سياسية قادرة على خلخلة المشهد السياسي المغربي وإعادة ترتيب أو خلط أوراقه أمام ضعف القاعدة الجماهيرية لدى أحزاب اليسار وكذا الاحزاب المنثلة في المؤسسة البرلمانية مما يجعل كفة الإسلاميين قوية في فرض شروطها مع بعض التنازلات عملا بقاعدة “التحالف مع الشيطان من اجل المصلخة”.

امام هذه التحديات هل يستطيع اليسار والاسلاميون مسح الماضي ونكران الذات وتحقيق التحالف بينهما؟ أم أن الأيديولوجيا والدماء واشياء أخرى تحول دون تحقيق ذلك؟ أم أنه كيف ليسار مشتت لم يستطع جمع شمل عائلته أن يحقق تحالفا مع العدو؟

هذه التساؤلات يبقى المستقبل والتطورات السياسية المتسارعة في المشهد السياسي المغربي الكفيلان بالإجابة عنها؟ أما التكهناتفهي صعبة الى درجة الاستحالة نظرا لتشعب العلاقات وغياب المبادرة بين الطرفين وعدم وجود رؤية واضحة أو مصلحة ضيقة مشتركة وعدو واضح مشترك.

ــــــــــ
باحث في الدراسات الدولية و السياسية.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.

تعليقات الزوّار (0)