انتقادات برلمانية لـ”تهميش” قطاعات تصديرية.. وحجيرة: سنراجع اتفاقيات التبادل الحر

وجه عدد من النواب البرلمانيين انتقادات إلى تدبير قطاع التجارة الخارجية، خلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب، مطالبين الحكومة بتقديم حصيلة ملموسة لتنويع الصادرات وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات المغربية، بدل الاكتفاء بعرض الاستراتيجيات والأهداف المعلنة، حيث تركزت الانتقادات على استمرار العجز التجاري، وضعف مواكبة المقاولات الصغرى والمتوسطة، وتعثر بعض الأوراش المرتبطة بالتصدير، إلى جانب ما اعتبره متدخلون تركيزاً مفرطاً على قطاعي السيارات والطائرات مقابل محدودية الاهتمام بصناعات ومنتجات محلية أخرى.
في المقابل، دافع عمر حجيرة، الوزير المنتدب لدى وزير الصناعة والتجارة والاستثمار والإدماج الاقتصادي المكلف بالتجارة الخارجية، عن توجهات الحكومة، داعياً النواب إلى مراعاة أن الولاية الحكومية بدأت للتو، ومؤكداً أن خارطة طريق التجارة الخارجية أُطلقت في ماي 2025، وأن العمل جارٍ على تطوير آليات جديدة لدعم المصدرين وتوسيع الأسواق، معلناً عزمه مراجعة اتفاقيات التبادل الحر وتسريع العمل على تعويض الواردات بمنتجات مصنعة محلياً.
اختلالات الميزان التجاري
واعتبر نواب أن مواجهة اختلالات الميزان التجاري لا يمكن أن تظل رهينة بتقلبات الاقتصاد العالمي واضطرابات سلاسل الإمداد، مؤكدين أن هذه الظروف، رغم تأثيرها على المبادلات التجارية، لا تعفي الحكومة من مسؤولية البحث عن حلول عملية لحماية تنافسية الاقتصاد الوطني وتنويع شركائه التجاريين. كما دعوا إلى تقليص الواردات التي يمكن تعويضها بمنتجات محلية، وتعزيز السيادة الاقتصادية والمخزونات الاستراتيجية، خاصة في مجالي الطاقة والحبوب.
وطالب نواب بتوضيح مآل خارطة طريق التجارة الخارجية للفترة 2025-2027، التي أُطلقت في 28 ماي 2025، متسائلين عن مدى تقدم الأوراش المعلن عنها، ولا سيما منظومة تأمين الصادرات، وشركات التجميع والتصدير، والمنصة الرقمية الوطنية للتصدير «Trade.ma»، ومنصة الشباك الوحيد، إلى جانب تفعيل الفرص التي تتيحها اتفاقيات التجارة الحرة الموقعة مع عدد من الدول، كما أثاروا تساؤلات بشأن دور الأقسام الاقتصادية والتجارية بالسفارات والبعثات المغربية في الخارج في الترويج للمنتجات الوطنية وتحويل الاتفاقيات التجارية إلى فرص ملموسة أمام المقاولات المغربية.
ورداً على هذه الانتقادات، أوضح حجيرة أن البرنامج انطلق قبل نحو سنة، مشيراً إلى أن الوزارة تلقت أكثر من 500 طلب من المقاولات والجهات، وأنه عقد لقاءات شملت مختلف مناطق المملكة، والتقى، بحسب تصريحه، نحو ألف شخص عبر التراب الوطني. غير أن الوزير لفت إلى أن 40 في المائة من الطلبات جاءت من جهة الدار البيضاء، معتبراً أن هذه النسبة تبرز الحاجة إلى انخراط أكبر من باقي الجهات في البرنامج، بما يعزز العدالة المجالية في مجال التصدير.
واستحضر أحد النواب أهمية قطاع النسيج والملابس، مشيراً إلى أن رقم معاملاته يتجاوز 66 مليار درهم، منها 44 مليار درهم من الصادرات، ومطالباً بإيلائه اهتماماً يتناسب مع مساهمته في التشغيل والإنتاج والتصدير، داعيا إلى التمييز بين المقاولات التي تصدر بالفعل وتحتاج إلى دعم للحفاظ على أسواقها وتوسيع نشاطها، وتلك التي تنتج للسوق المحلية وتحتاج إلى المواكبة من أجل دخول الأسواق الدولية.
مراجعة اتفاقيات التبادل الحر
وفي رده على الانتقادات المتعلقة بالتركيز على صناعات السيارات والطائرات، اعتبر الوزير أن هذين القطاعين يمثلان نموذجين من نماذج النجاح الصناعي المغربي، ولا يمنع ذلك، بحسبه، الاهتمام بباقي القطاعات، مقرا في المقابل، بتراجع أرقام صادرات النسيج والملابس في الأسواق الأوروبية التقليدية، عازياً ذلك إلى اشتداد المنافسة من دول ومناطق أخرى، ومعلناً أن الوزارة ستعمل على عقد لقاءات مع ممثلي القطاع لتحديد أسباب التراجع وبحث سبل التعاون لاستعادة قدرته التنافسية.
وفي ما يتعلق بتأمين الصادرات، كشف حجيرة عن وجود اعتمادات إضافية بقيمة 100 مليون درهم مخصصة للتأمين على الصادرات نحو الأسواق الإفريقية، موضحاً أن هذه الاعتمادات لم تُستنفد بالكامل بعد. ودعا إلى تعزيز التواصل مع القطاع الخاص لتشجيع المقاولات على الاستفادة من هذه الآلية والتوجه نحو الأسواق الإفريقية، في وقت طالب فيه نواب بتوسيع نطاق التأمين ليشمل مختلف المقاولات والبلدان، بدل حصره في وجهات محددة.
أما بخصوص الرقمنة، فأكد الوزير أن منصة «Trade.ma» دخلت مرحلة تجريبية بمواكبة 300 شركة، بشراكة مع جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية، وبمشاركة الطلبة والأساتذة والكفاءات المغربية. وأوضح أن بعض الأوراش الرقمية يجري اختبارها قبل تعميمها، معتبراً أن إطلاقها بشكل تدريجي يتيح معالجة الاختلالات قبل توسيع نطاق الاستفادة منها.
مواكبة المقاولات الصغرى
وفي ما يتعلق بمواكبة المقاولات الصغرى والصغيرة جداً، أكد الوزير أن برنامج «Power Export» يستهدف توسيع قاعدة المصدرين لتشمل فئات من المنتجين الذين لا يربطون عادة نشاطهم بالتصدير، مستشهداً بمنتجات مثل العسل والزعتر وماء الزهر والمنتجات المحلية الأخرى، داعيا النواب إلى المساهمة في تعريف المقاولات الصغيرة جداً في دوائرهم بإمكانيات الاستفادة من البرنامج، مشدداً على أن الهدف هو تمكين هذه المقاولات من دخول الأسواق الخارجية، وليس الاقتصار على الشركات الكبرى والصناعات المعروفة.
وبشأن تنويع الأسواق، رفض حجيرة اعتبار التحركات الحكومية في هذا المجال غائبة، مستحضراً زيارات سابقة إلى دول في أمريكا الجنوبية، من بينها بنما والشيلي، وإلى أسواق آسيوية، من بينها إندونيسيا، بهدف استكشاف فرص جديدة للصادرات المغربية، مؤكدا توجه الحكومة نحو تعزيز الحضور التجاري في إفريقيا، والاستفادة من منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، إلى جانب مواصلة العمل في الأسواق الأوروبية التقليدية والبحث عن أسواق جديدة داخل القارة.
وفي ملف اتفاقيات التبادل الحر، أبرز الوزير أن المغرب يتوفر على اتفاقيات تشمل 12 تكتلاً أو اتفاقية تجارية، وتتيح الوصول إلى نحو 100 دولة، مؤكداً أن الحكومة تعتزم إجراء قراءة متأنية لهذه الاتفاقيات، للوقوف على الاتفاقيات التي تحقق مكاسب للاقتصاد الوطني وتلك التي لم تحقق الأهداف المرجوة.
وأضاف أن الوزارة ستعمل على إعادة مناقشة الاتفاقيات مع الشركاء، خصوصاً في الحالات التي يسجل فيها الميزان التجاري عجزاً، معتبراً أن تقييم هذه الاتفاقيات لا ينبغي أن يقتصر على الأرقام وحدها.
كما أعلن حجيرة عن توجه لتسريع التنسيق بين قطاعات الصناعة والتجارة والتجارة الخارجية والاستثمار، بعد جمعها ضمن إطار حكومي موحد، بما يعزز أداء الوكالة المغربية لتنمية الاستثمارات والصادرات، مؤكدا أن تعويض الواردات بالمنتجات المصنعة محلياً سيكون ضمن أولويات المرحلة المقبلة، مستشهداً بمنتجات غذائية قال إن المغرب يتوفر على إمكانات إنتاجها محلياً، مثل رقائق البطاطس والصلصات المعتمدة على الطماطم.
وفي سياق النقاش بشأن دعم الإنتاج المحلي والصعوبات مرتبطة بنقص اليد العاملة في بعض الأنشطة الفلاحية، من بينها جني الزيتون بإقليم تاوريرت، رغم ارتفاع البطالة في جهة الشرق، اعتبر حجيرة أنه من القضايا التي تستوجب المعالجة على مستوى الحكومة والبرلمان، في إشارة إلى التحديات التي تواجه بعض القطاعات الإنتاجية، حتى عندما تتوفر على فرص للتوسع والتسويق، ملفتا أن تعزيز الصادرات يتطلب شراكة فعلية مع القطاع الخاص، معلناً عزمه عقد لقاءات مع ممثليه لتحديد أولويات المرحلة المقبلة ومناقشة الإكراهات التي تواجه المصدرين.
اترك تعليقاً