الكرة الذهبية وأزمة الاستحقاق: متى تنصف الجوائز الإبداع والمواهب الشابة؟

يحتاج الهدف إلى فريق كامل كي يولد، لكنه يدخل الذاكرة باسم رجل واحد. يفتح لاعب المساحة، ويكسر آخر حصار الدفاع، ويمرر ثالث الكرة التي تسبق التمريرة الحاسمة، ثم يذهب التصفيق إلى صاحب اللمسة الأخيرة. هكذا يستعيد المثل المغربي «خدم التاعس لسعد الناعس» معناه في ملاعب تتسع لكل الجهود، وتضيق منصاتها أحيانا عن إنصافها.
أعاد تتويج هاري كين بالكرة الذهبية لعام 2026، متقدما على كيليان مبابي ولامين يامال، سؤال الاستحقاق إلى الواجهة. فالمهاجم الإنجليزي قدم موسما استثنائيا، وأثبت أن التسجيل مهارة تتطلب الذكاء والانضباط والاستمرارية. غير أن حصيلته المبهرة تفتح نقاشا أوسع حول قيمة الإبداع وصناعة اللعب والإنجاز الجماعي، وهي عناصر تمنح يامال حجة قوية لاستحقاق الجائزة.
جمع نجم برشلونة ما يتوزع عادة على لاعبين عدة: القدرة على التسجيل، وصناعة الفرص، وتغيير إيقاع المباراة. وسجل مع ناديه 24 هدفا وصنع 18 في 45 مباراة خلال موسم 2025–2026، وتوج بالدوري الإسباني والسوبر، ونال جائزة أفضل لاعب في الدوري، ثم أضاف كأس العالم مع إسبانيا. أمام هذا التكامل، يبدو اختزاله في موهبة تنتظر دورها تقليلا من حاضر تحقق بالفعل.
وتكشف حالة يامال صعوبة ترجمة معايير الاستحقاق إلى اختيار مقنع في جائزة تشرف عليها مجلة «فرانس فوتبول»، وينظم حفلها بالشراكة مع الاتحاد الأوروبي لكرة القدم. فإذا كان الأداء الفردي يتصدر التقييم، فإن صناعة اللعب وابتكار الحلول وتغيير مجرى المباريات تستحق وزنها إلى جانب التسجيل. وإذا كانت الألقاب تعزز التفوق، فقد جمع اللاعب نجاحه مع برشلونة بتتويجه العالمي مع إسبانيا. لذلك يثير ترتيبه ثالثا سؤالا مشروعا: أي وزن منح لهذا التكامل بين الإبداع والحسم والإنجاز، وما الذي رجح عليه كفة منافسيه؟
وهنا تكمن المشكلة: فالإبهار أوسع من عدد الأهداف، والحسم يبدأ أحيانا بعيدا عن منطقة الجزاء. المراوغة التي تجذب مدافعين، والقرار الذي يكسر الضغط، والتمريرة التي تمنح الهجمة معناها، أفعال تصنع النتيجة قبل ظهورها على اللوحة. وإذا انفرد التسجيل بتحديد الأفضلية، تضاءلت الفروق بين جائزة أفضل لاعب وجائزة الهداف، وخسرت اللعبة شيئا من تنوعها وعدالتها.
ويزيد الالتباس رسوخا ذلك المنطق الذي يؤجل إنصاف يامال بدعوى صغر سنه واتساع المستقبل أمامه. الجوائز السنوية تقيم موسما مكتمل الوقائع، ولا تملك ضمانات للمواسم المقبلة. قد تتغير الظروف، وقد تعترض الإصابة طريق صاحبها؛ ولذلك يصبح العمر حجة واهية لتأخير الاعتراف. فما أنجزه اللاعب اليوم يستحق التقييم اليوم، بعيدا عن حساب الأقدمية وانتظار الأدوار.
ومن هذا الخلل في تقدير الحاضر يمتد السؤال إلى أيوب بوعدي، الذي يستحق ملفه قراءة تتجاوز بريق المهاجمين. فقد بدأ أساسيا خمس مباريات من ست خاضها المغرب في كأس العالم، وصولا إلى ربع النهائي. والمشاركة بهذا الحجم تكشف ثقة ومسؤولية، وتمنح ترشيحه لجائزة الشباب أساسا رياضيا يتجاوز الانتماء والعاطفة.
تستمد حجة بوعدي قوتها من طبيعة مركزه أيضا. فعمل لاعب الوسط يقاس بجودة القرار، ودقة التمرير، وحماية التوازن، والقدرة على تحرير زملائه من الضغط. وهذه وظائف تحتاج إلى عين تتابع المباراة كاملة، وتنتبه إلى ما يحدث قبل اللقطة اللامعة وبعدها. ومن هذه الزاوية، يبدو منحه جائزة الشباب اختيارا منصفا يستحق الدفاع، ضمن تقييم يراعي اختلاف الأدوار.
وتسمح القواعد المنظمة ليامال مجددا بالمنافسة على الجائزتين، وأن جائزة الشباب يختارها فائزون سابقون بالكرة الذهبية، بينما يصوت للجائزة الكبرى صحفيون متخصصون. لكن سلامة الإجراءات تترك باب النقد مفتوحا. فتكرار تتويجه بجائزة الشباب، مع امتلاكه ملفا قويا لجائزة الكبار، يثير سؤالا عن قدرة منظومة التقييم على التقاط نضج موهبة تجاوز تأثيرها حدود فئتها العمرية.
وتقع على الصحافة المصوتة مسؤولية شرح هذا الميزان للجمهور. فالأرقام تمنح النقاش أرضية مشتركة، لكنها تحتاج إلى سياق يبين صعوبة المنافسة، وحجم المسؤولية، ونوعية المباريات، وأثر اللاعب في زملائه. أما ترك الاختيار محاطا بعبارات عامة عن الاستحقاق، فيوسع الفجوة بين نتيجة الاقتراع وما يراه المتابع على أرض الملعب، ويجعل الجدل يتجدد كل عام.
كان الأجدر، وفق قراءة تمنح الإبداع والإنجاز وزنهما، أن ينال يامال الكرة الذهبية، وأن ينال بوعدي جائزة أفضل لاعب شاب. وتبقى قيمة الجوائز رهينة بقدرتها على تفسير اختياراتها وإقناع المتابع بأن الميزان يرى الملعب كله. فكلما اتسعت الرؤية، تراجع سلطان اللقطة الواحدة، واستعاد صناع اللعب نصيبهم من الاعتراف. أما الذهب الذي ينسى الطريق إلى المرمى، فيحفظ للعبة أسماء الفائزين، ويترك معناها الحقيقي خارج الصورة.
اترك تعليقاً