“الفاو”: المغرب نموذج في توظيف الابتكار والمعارف التقليدية في الفلاحة لخدمة الأمن الغذائي (فيديو)

أكد ألكسندر هوين، ممثل منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة “الفاو” بالمغرب، أن الابتكار في المجال الزراعي والغذائي لا يقتصر على التطور التكنولوجي، بل يشمل أيضا الممارسات الجديدة والنماذج الاقتصادية وطرق التنظيم والعمل، فضلا عن تثمين المعارف التقليدية وضمان انتقالها من جيل إلى آخر، مشددا على أن الجمع بين هذه المعارف والتقدم التكنولوجي من شأنه تحقيق نتائج مهمة لفائدة القطاع الزراعي بالمغرب وتعزيز التعاون جنوب-جنوب.
وأوضح هوين، خلال كلمته بالمعهد الزراعي والبيطري الحسن الثاني بالرباط، بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للأغذية لسنة 2026، المنظم من طرف وزارة الفلاحة، بتعاون مع منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، تحت شعار “نبتكر اليوم لنُطعم الغد”، أن هذه المناسبة تشكل موعدا عالميا للتعبئة والتفكير في قضايا الأمن الغذائي وجودة التغذية، ولا سيما التحول نحو نظم زراعية وغذائية مستدامة، تجمع الدول والمؤسسات والباحثين والفلاحين والمواطنين حول مسؤولية مشتركة تتمثل في ضمان توفير الغذاء.
وأشار هوين إلى أن الاحتفال باليوم العالمي للأغذية، الذي يجري إحياؤه سنويا خلال شهر أكتوبر، يتيح فرصة لتجديد النقاش بشأن التحديات المرتبطة بالأمن الغذائي وجودة التغذية، والعمل على إحداث تحول مستدام في النظم الزراعية والغذائية، مبرزا أن هذه المناسبة تجمع مختلف الفاعلين حول قناعة أساسية مفادها أن مسؤولية توفير الغذاء مسؤولية جماعية ومشتركة بين الجميع.
وفي حديثه عن شعار هذه السنة، “نبتكر اليوم لنُطعم الغد”، أوضح المتحدث أن الأمر يتعلق بمسار عملي يتطلب الانخراط إلى جانب الأشخاص الذين يشتغلون في الأرض ويساهمون في مختلف حلقات النظم الزراعية والغذائية، وليس بمجرد وعد نظري أو تصور مجرد للمستقبل.
وأضاف أن التجربة أظهرت أن الابتكار يحقق أكبر أثر له عندما يصل إلى الفئات الأكثر حاجة إليه، وإلى الفئات التي تتوفر على أكبر إمكانات للاستفادة منه وتطويره، مسجلا أن عددا من الفلاحين والمجتمعات المحلية، ولا سيما صغار المستغلين الزراعيين وسكان المناطق القروية، لا يزالون بعيدين عن الاستفادة الكافية من المعارف والتكنولوجيات والاستثمارات والفرص المتاحة.
وشدد ممثل “الفاو” على أن الأولوية تتمثل في البحث عن السبل الكفيلة بالوصول بصورة أفضل إلى هذه الفئات، وتوسيع نطاق نشر المعارف وتعميمها، وإتاحة الفرص أمامها، بما يسمح لها بالمساهمة بفعالية أكبر في التحول الذي تعمل مختلف الأطراف على تحقيقه في النظم الزراعية والغذائية.
وفي هذا السياق، خص هوين الشباب بحديث خاص، معتبرا أن مستقبل توفير الغذاء يرتبط بهم بالقدر نفسه، إن لم يكن أكثر، مما يرتبط بالأجيال الحالية، مؤكدا ضرورة النظر إليهم باعتبارهم فاعلين وصناع قرار ومبتكرين منذ اليوم، وليس مجرد مستفيدين من البرامج والمبادرات الموجهة إلى القطاع الزراعي.
وأوضح أن إفريقيا تعد القارة الأكثر شبابا في العالم، وأن المغرب لا يشكل استثناء في هذا السياق، مشيرا إلى أن فضاءات التكوين والبحث العلمي بالمملكة، وفي مقدمتها مدرجات المعهد الزراعي والبيطري الحسن الثاني بالرباط، والمدرسة الوطنية للفلاحة بمكناس، ومختبرات المعهد الوطني للبحث الزراعي، تحتضن شبابا يشتغلون اليوم على قضايا القطاع، وسيكون لهم دور حاسم في المستقبل.
وأضاف أن هؤلاء الشباب سيكونون من بين الفاعلين القادرين على إحداث الفارق، وتسريع وتيرة التغيير، وإطلاق التحولات التي من شأنها جعل الزراعة بالمغرب أكثر استدامة وكفاءة، مع تحسين استغلال الإمكانات والموارد المتاحة.
ووجه ممثل منظمة الأغذية والزراعة رسالة دعم ومواكبة إلى الشباب الحاضرين، معربا عن تقديره لانخراطهم في هذه المجالات، ومؤكدا أهمية توفير الظروف التي تسمح لهم بتطوير قدراتهم والمساهمة في إحداث التحولات المطلوبة في القطاع الزراعي والغذائي.
واعتبر أن الحضور الشبابي يتجلى بوضوح في المنتدى العالمي للأغذية، ولا سيما من خلال الفرع الشبابي المغربي، الذي وصفه بالديناميكي، فضلا عن مشاريع ومبادرات أخرى، من بينها برنامج “المسرّع الزراعي”، والتعاون مع التعاونيات النسائية التي تحظى بدعم المنظمة.
وأوضح أن مختلف هذه المبادرات تكشف عن وجود شباب مغاربة يتميزون بالحيوية والمبادرة، ولا ينتظرون التغيير، بل يساهمون في صنعه ويتقدمون نحو الابتكار، وهو ما يشكل، بحسبه، مصدر تشجيع للمنظمة من أجل الاستماع إليهم بصورة أكبر، وفتح الأبواب أمامهم، وتعزيز الدعم الموجه إليهم.
إلى ذلك، شدد هوين على ضرورة توسيع مفهوم الابتكار، موضحا أنه لا ينبغي اختزاله في التكنولوجيا وحدها، بل يتعين النظر إليه باعتباره مفهوما شاملا يتضمن اعتماد ممارسات جديدة، وتطوير نماذج اقتصادية مختلفة، وابتكار طرق جديدة للتنظيم وتقديم الخدمات.
وأضاف أن الابتكار يمكن أن يقوم أيضا على الاستفادة من المعارف التقليدية والعمل على صونها وضمان انتقالها بين الأجيال، مشيرا إلى أن هذه المسألة حظيت بالتوضيح خلال كلمة وزير الفلاحة، الذي أبرز أهمية المعارف المتوارثة في تدبير الأنشطة الزراعية، مؤكدا أن المعارف التقليدية والتطورات التكنولوجية لا يتعارضان، بل يمكن أن يتكاملا ويعزز أحدهما الآخر، بما يتيح تحقيق نتائج أفضل في تطوير الأنشطة الزراعية وضمان استدامتها.
واعتبر أن المغرب يقدم بالفعل نموذجا مهما في هذا المجال، مستحضرا أنظمة التراث الزراعي ذات الأهمية العالمية، والتي سجل بشأنها دينامية مهمة بالمملكة، ملفتا أن المغرب يتوفر على ثلاثة مواقع معترف بها ضمن هذه الأنظمة، حيث تعمل المجتمعات المحلية، منذ أجيال وقرون، على المحافظة على التوازنات الدقيقة بين الأرض والماء والتنوع البيولوجي، وهو ما يعكس قيمة المعارف والممارسات الزراعية التقليدية المتوارثة، ودورها في الحفاظ على الموارد الطبيعية وضمان استمرارية الأنشطة الزراعية.
وفي المقابل، أشار ممثل “الفاو” إلى أن منظومة الشركات الناشئة المغربية، التي وصفها بالأداء المتميز في قطاعات الزراعة والصناعات الغذائية والأنشطة المرتبطة بالصيد البحري، تساهم في نقل الابتكارات الرقمية والعلمية إلى الضيعات والاستغلاليات الزراعية.
واعتبر أن الجمع بين الإمكانات التي توفرها المعارف التقليدية والخبرات المتراكمة لدى المجتمعات المحلية، من جهة، والتطورات العلمية والرقمية التي تقودها الشركات الناشئة، من جهة أخرى، يمكن أن يحقق نتائج استثنائية للمغرب، إلى جانب فتح آفاق جديدة أمام التعاون جنوب-جنوب.
وأكد هوين أن الاستعداد لتوفير الغذاء في المستقبل يقتضي الثقة في الأشخاص الذين يساهمون في إطعام المجتمعات اليوم، وكذلك في الأجيال التي تستعد لتولي المسؤولية مستقبلا، معتبرا أن هذا المسار يتطلب الجمع بين العلم والممارسة الميدانية، وبين الشباب والتقاليد، بما يضمن بناء منظومة زراعية وغذائية قادرة على الاستجابة للتحديات المقبلة.
وجدد ممثل منظمة الأغذية والزراعة تأكيد التزام المنظمة بمواكبة المملكة المغربية في تحقيق هذه الطموحات، والعمل إلى جانب مؤسساتها وباحثيها وتعاونياتها وشبابها، من أجل دعم الجهود الرامية إلى تطوير القطاع الزراعي والغذائي وتعزيز استدامته، مؤكدا أن منظمة الأغذية والزراعة ستواصل تقديم دعمها للمغرب، وستعمل بجد من أجل ضمان ألا تظل القرارات المتخذة في هذا المجال مجرد توجهات نظرية، بل أن تنعكس بصورة ملموسة على توفير الغذاء وتحسين أوضاع الحياة القروية والاقتصادية في المغرب مستقبلا.
اترك تعليقاً