اللهجة الحسانية رافد دستوري وليست وافدا: عندما يجهل البرلماني مكونات الهوية الوطنية

لا نستوعب كيف يعقل أن ينطق برلماني، يمثل الأمة داخل قبة البرلمان، بكلمات يصف فيها الجهة الحسانية بأنها خارج المكون الثقافي المغربي، لمجرد أنه لا يفهمها أو يعتقد أن من يتكلم بها ينتمي إلى بلد آخر.
إن هذا القول والمنطق، إذا صدر عن شخص خارج صفته البرلمانية، يمكن التماس العذر له باعتباره يجهل هذه اللهجة أو لا يعرف نطقها بالشكل الصحيح، وذلك بحكم الاختلاف المناطقي والتنوع الثقافي الغني الذي يزخر به المغرب. أما أن يصدر هذا الحكم من شخص يمثل الشعب داخل المؤسسة التشريعية، فهذا في حد ذاته أمر يحتاج إلى إعادة نظر، ويستدعي تنظيم دورات تكوينية داخل البرلمان لشرح الهوية الثقافية الحسانية التي يعترف بها دستور المملكة كأحد الروافد الأساسية المكونة للهوية الوطنية الموحدة.
وإذا عدنا إلى المرجعية الدستورية والقانونية، فإن اللغة الحسانية في المغرب تستند إلى مكانة دستورية خاصة، باعتبارها مكونا أساسيا من مكونات الهوية الثقافية الوطنية، وهو ما أكده الفصل الخامس من دستور المملكة لسنة 2011، الذي ينص صراحة على أن الدولة تعمل على صيانة الحسانية باعتبارها جزءا لا يتجزأ من الهوية الثقافية المغربية الموحدة. ويضع هذا المقتضى الدستوري حماية الحسانية وتطويرها ضمن مسؤوليات الدولة الاستراتيجية، بما يجعلها تتجاوز إطار التداول الشفهي المحلي نحو مجال الحماية المؤسساتية وصون الذاكرة الثقافية الوطنية.
ويشكل القانون التنظيمي رقم 16.04 المتعلق بالمجلس الوطني للغات والثقافة المغربية، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.20.34 بتاريخ 30 مارس 2020، أحد المراجع القانونية المؤطرة للسياسة اللغوية والثقافية بالمغرب. ويحدد هذا القانون الإطار المؤسساتي المعني بحماية الحسانية ومختلف التعبيرات الثقافية المغربية، من خلال إحداث هيئة خاصة بالحسانية تضطلع بمهام إعداد مشاريع الآراء والتوصيات والمقترحات والدراسات والأبحاث، والمساهمة في جمع الموروث الثقافي الحساني وتصنيفه وتوثيقه ونشره بمختلف تجلياته ومظاهره.
ولا تقف اختصاصات هذه الهيئة عند حدود التوثيق وحفظ الذاكرة، بل تمتد إلى اقتراح التدابير الكفيلة بحفظ الحسانية وصيانتها وتثمينها وإبراز قيمتها باعتبارها جزءا من الذاكرة الوطنية، فضلا عن إنجاز الدراسات والأبحاث العلمية المرتبطة بمجال اختصاصها. وتؤسس هذه المهام لمسؤولية مؤسساتية واضحة في التعامل مع الحسانية بوصفها نسقا لغويا وثقافيا متكاملا، يحتاج إلى البحث العلمي والتأصيل والتطوير، وإلى سياسات عمومية قادرة على تحويل المقتضيات القانونية إلى إجراءات ملموسة.
وفي المجال التربوي، يبرز القانون الإطار رقم 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي مرجعا أساسيا لتوجيه السياسة التعليمية بالمغرب، من خلال تأكيد أهمية الأبعاد الثقافية والاجتماعية في بناء شخصية المتعلم وتعزيز اندماجه في محيطه. ويقوم هذا التوجه على جعل المدرسة فضاء لنقل التراث الوطني وتثمين مختلف روافد الهوية المغربية، مع ضمان الانفتاح على الثقافات الإنسانية. ومن هذا المنطلق، تبرز مسألة إدماج الحسانية في المنظومة التعليمية باعتبارها إحدى القضايا التي تستحق معالجة تشريعية وتربوية واضحة، تستحضر مكانتها الدستورية وخصوصيتها الثقافية وحاجيات الأجيال الصاعدة.
ومن هنا، ندرك أن هذه اللهجة ليست بلداً آخر أو وطناً آخر، بل هي هوية وعادات وثقافة صحراوية متجذرة في الإنسان الصحراوي، وهي رافد من روافد الثقافة المغربية الأصيلة وليست دخيلة أو مستوردة. فلها قواعدها وقصائدها وقصصها وأحداثها، وهي تنبع من أهل الجود والكرم، من أناس يحترمون ثقافة وعادات الآخرين ويحبون الاختلاف، ولكنهم لا يقبلون من يريد أن يهمشها أو يطمسها في بلد يفتخر بتنوعه الثقافي.
ونقول لصاحب مقولة “لهجة من دولة جارة” عليك أن تزور مناطق الصحراء المغربية، كلميم، طانطان، آسا، طرفاية، العيون، السمارة، بوجدور، والداخلة، لتعرف معنى اللهجة ومعنى من يتكلم بها قولاً وفعلاً. وعندها ستعود إلى البرلمان وتتحدث بها بطلاقة، لأن من ينطق بها بفهم هم أهل مروءة ومبدأ وشهامة وأخلاق ومكارم. ومن يتحلى بهذه الصفات، لا تسقط لهجته، بل تبقى كما كانت شامخة وثابتة رغم تغير الأحوال ودخول العولمة وإشكالاتها المتعددة.
في الختام، إن البرلماني من أوجب واجباته التحدث عن الإشكالات الحقيقية التي انتخبته من أجلها ساكنته، لا أن يتحدث عن لهجة هي مكون أصيل من مكونات التنوع الثقافي المغربي، ومحمية بنص الدستور والقانون. لاسيما والسيد البرلماني، لم يكلف نفسه، وهو في هذا العمر وهذه المسؤولية التمثيلية، عناء البحث عنها والتعرف عليها ولو في دقائق معدودة، حتى لا يسقط في زلة القول بأنها “لهجة من دولة جارة”. ولو فعل ذلك، لكان برلمانيا مثقفا قادرا على مواكبة التنوع الغني الذي يزخر به البلد.
لذلك، ننصح البرلماني بالانكباب على الاهتمامات الحقيقية التي انتخب من أجلها، من خلال التدقيق في القوانين والبرامج المطروحة، والدفاع عن قضايا من انتخبوه، وحل إشكالاتهم المرتبطة بالبنية التحتية والطرق والمستشفيات والمدارس.
أما اللهجة الحسانية، فهي قائمة بذاتها، بمكوناتها وأركانها وتاريخها المجيد، محصنة بالدستور، ومؤطرة بالقانون، ومحفوظة في وجدان الصحراويين، ولا تحتاج إلى تدقيق أو تفصيل من لا يفقه كنهها.
اترك تعليقاً