وجهة نظر

تاريخ العداء بين الماركسيين والإسلاميين في المغرب

عبد الفتاح الحيداوي

تقتصر هذه الدراسة على الحالة المغربية، وتتتبع العداء بين الماركسيين والإسلاميين عبر ثلاث ساحات متعاقبة: الجامعة في السبعينيات حيث تأسس العداء، والسجن في الثمانينيات حيث التقى الطرفان تحت القمع نفسه، ثم الجامعة من جديد في التسعينيات حيث صار الخلاف صراعا مفتوحا على المجال الطلابي. والسؤال الذي يوجه التحليل سؤال تاريخي عملي: ما الذي جعل لحظات التقاطع، حين وقعت فعلا، لا تتحول إلى علاقة مستقرة؟

الجامعة في السبعينيات: تأسيس العداء

برزت الحركة الماركسية اللينينية المغربية في مطلع السبعينيات: (23 مارس) في مارس 1970، و(إلى الأمام) في 30 غشت من السنة نفسها، وهما امتداد لخلايا تشكلت بعد انتفاضة 23 مارس 1965 وتحولات أواخر الستينيات. وبعد أن ظل الاتحاد الوطني لطلبة المغرب تابعا للاتحاد الوطني للقوات الشعبية إلى حدود 1969، صار فضاء تقوده هذه الخلايا، خاصة في المؤتمر الخامس عشر نهاية غشت 1972. وردت الدولة بحظر قانوني على الاتحاد سنة 1973 وبحملات اعتقال طالت مناضليه وتلاميذ النقابة الوطنية للتلاميذ.

وتؤرخ المراجع لتأسيس الشبيبة الإسلامية بسنة 1969 على يد عبد الكريم مطيع وكمال إبراهيم، وتذكر أنها نمت في الجامعات بين 1972 و1975 في الفراغ الذي خلفه قمع الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، الإسلاميون المغاربة تشكلت هويتهم التنظيمية الأولى جزئيا في ساحات الاعداديات والجامعات .

وفي 18 دجنبر 1975 اغتيل القيادي الاتحادي عمر بنجلون، ونسبت العملية إلى عناصر من الشبيبة الإسلامية، اعتقل كمال إبراهيم اما الشيخ عبد الكريم مطيع لم يكن حاظرا في المغرب . وتحولت هذه الواقعة إلى نقطة التأسيس في ذاكرة اليسار عن الإسلاميين. وتظهر نصوص صادرة من وسط (إلى الأمام) كيف صيغت الذاكرة فهي تصف الشبيبة بأنها مجموعة إجرامية، وتتهمها بالمساعدة على قمع نقابة التلاميذ، فتجمع في تهمة واحدة العنف وخدمة السلطة.

وتتضافر في هذا الخطاب ثلاثة عناصر ستلازم العلاقة عقودا:

العنف بوصفه سابقة: صار الاغتيال مرجعا يستدعى كلما ظهر إسلامي في الجامعة، حتى لو لم تكن له صلة بالشبيبة.

تهمة التوظيف: ترى قراءات يسارية أن السلطة استعملت الإسلاميين لموازنة اليسار، بينما تحذر قراءات أخرى من تحويل ذلك إلى سردية وحيدة تعفي الفاعلين من مسؤوليتهم. والمهم هنا أن التهمة نفسها صارت قناة لنزع الشرعية الوطنية عن الخصم.

ملكية المجال: رأى اليسار في الجامعة مجالا له بالشرعية التاريخية، فبدا الوافد الإسلامي دخيلا. وسيعود هذا المنطق بصيغ أشد في التسعينيات.

السجن في الثمانينيات: اللقاء تحت القمع

لا يمكن فهم تطور الحركة الإسلامية المغربية خلال الثمانينيات بمعزل عن السياق السياسي والاجتماعي الذي نشأت فيه، ولا عن تجارب التنظيمات اليسارية التي سبقتها إلى السجون وخاضت، قبلها بسنوات، أشكالا متعددة من الاحتجاج على الاعتقال وظروف الاحتجاز والمطالبة بالحقوق. فقد شكلت السجون المغربية، على الرغم من طبيعتها القمعية وما اتسمت به من صراعات أيديولوجية، فضاء غير متوقع للتفاعل بين تيارات سياسية متباينة، جمعتها ظروف الاعتقال وفرضت عليها مواجهة أسئلة عملية مشتركة تتعلق بالحياة اليومية، والصحة، والعلاقة بإدارة السجن، وسبل الدفاع عن الكرامة والحقوق.

وتكتسب هذه التجربة أهميتها من أنها تكشف عن وجود مساحات للتقاطع بين الإسلاميين والماركسيين اللينينيين، رغم التباعد الفكري والسياسي بين الطرفين. فلم يكن الأمر متعلقا بتحالف أيديولوجي أو بتطابق في المرجعيات، وإنما بتفاعل فرضته ظروف الاعتقال، وأنتج تبادلا للخبرات، وتشابها في بعض أشكال التنظيم الداخلي، وتأثرا متبادلا في أساليب الاحتجاج.

وتتيح المعطيات التي تنقلها الباحثة سليوموفيكس (Sliomovics)، تحديد أربع محطات رئيسية لفهم هذا التقاطع، انتقال الخبرة الاحتجاجية من المعتقلين اليساريين إلى الإسلاميين، والتضامن خلال إضراب أكتوبر 1985 بسجن آسفي، وتطوير الإضراب التناوبي انطلاقا من النقاشات الشرعية، ثم تشابه أشكال التنظيم الداخلي والإنتاج الثقافي داخل السجون.

وتسمح هذه المحطات بطرح سؤال أوسع إلى أي حد أسهم الاحتكاك بين الإسلاميين والماركسيين اللينينيين داخل السجون في انتقال الحركة الإسلامية من مجرد جماعة تحمل مرجعية دينية متميزة إلى فاعل يطور أدوات جماعية للاحتجاج والتفاوض والدفاع عن الحقوق؟

أولا: نصيحة إدريس بنزكري سنة 1985

تمثل النصيحة التي نقلتها سليوموفيكس عن إدريس بنزكري إحدى أبرز الشواهد على انتقال الخبرة الاحتجاجية بين السجناء السياسيين المغاربة. فقد كان بنزكري، المناضل السابق في منظمة (إلى الأمام) الماركسية اللينينية، قد راكم تجربة طويلة في الاعتقال وخوض الإضرابات عن الطعام، بعدما حكم عليه سنة 1977 بالسجن ثلاثين سنة. ولذلك لم تكن نصيحته للإسلاميين الذين جمعوا في القنيطرة سنة 1985 مجرد موقف فردي، بل كانت تعبيرا عن خبرة متراكمة في تدبير الصراع مع إدارة السجن وحدود التضحية بالجسد في سبيل المطالب السياسية.

بحسب الرواية التي تقدمها الباحثة، أوصى بنزكري المعتقلين الإسلاميين بألا يلجؤوا إلى الإضراب عن الطعام إلا باعتباره وسيلة أخيرة، وأن يتجنبوا الإضراب المفتوح الذي قد يفضي إلى أضرار جسدية ونفسية خطيرة. وتكشف هذه النصيحة عن تصور عملي للاحتجاج يقوم على التمييز بين قوة الوسيلة الاحتجاجية وبين قدرتها على الحفاظ على الفاعل الذي يستخدمها. فالإضراب قد يمنح المعتقل فرصة لإيصال صوته إلى الخارج، لكنه قد يتحول، إذا استمر بلا حدود، إلى وسيلة تستنزف قدرته على مواصلة النضال نفسه.

وتكمن أهمية هذه الواقعة في أن الخبرة انتقلت هنا عبر الحوار بين معتقلين ينتمون إلى مرجعيتين مختلفتين. لقد أمكنهذا الحوار بإدارة الاحتجاج بعيدا عن الموقف الأيديولوجي الذي أنتجها.

وهذا التمييز مهم في دراسة العلاقات بين اليسار والإسلاميين، إذ يدل على أن التباين الفكري لا يمنع انتقال الخبرات، وأن الاحتكاك المباشر قد ينتج معرفة مشتركة لا توفرها المناظرات النظرية وحدها. فالسجن لم يلغ الاختلاف بين الطرفين، لكنه أوجد ظروفا جعلت بعض أشكال التعاون والتعلم المتبادل ضرورة عملية.

كما تكشف النصيحة عن جانب آخر يتعلق بوعي المعتقلين بمحدودية قدرتهم على التأثير في إدارة السجن. فالإضراب المفتوح لا يضمن بالضرورة تحقيق المطالب، بينما قد يؤدي إلى تدهور صحة المضربين وفقدانهم القدرة على التفاوض والمتابعة. ومن ثم يمكن فهم نصيحة بنزكري بوصفها محاولة لنقل الاحتجاج من منطق التضحية غير المحدودة إلى منطق الفعل الجماعي الذي يوازن بين الضغط على الإدارة والمحافظة على سلامة المعتقلين.

ثانيا: إضراب أكتوبر 1985 بسجن آسفي والتضامن بين المعتقلين

تتجلى نقطة الالتقاء الثانية في إضراب أكتوبر 1985 بسجن آسفي، حين انضم معتقلون إسلاميون إلى إضراب مجموعة 26 الماركسية اللينينية، تضامنا مع أفرادها. وتكتسب هذه الواقعة أهمية خاصة لأنها تجاوزت مستوى الاستفادة الفردية من الخبرة إلى ممارسة فعل تضامني بين مجموعتين تختلفان في المرجعية الفكرية والسياسية.

وتذكر سليوموفيكس أن هذا الإضراب شهد وفاة ثلاثة سجناء ماركسيين، هم مصطفى بلحواري والشقيقان دريدي، وفق الرواية التي أوردتها في دراستها. وهي واقعة تبرز الكلفة الإنسانية البالغة التي يمكن أن تترتب على الإضرابات المفتوحة داخل السجون، كما تكشف عن طبيعة الظروف التي دفعت المعتقلين إلى استخدام أجسادهم وسيلة للضغط من أجل الاستجابة لمطالبهم.

ولا ينبغي اختزال انضمام الإسلاميين إلى الإضراب في مجرد تقليد لليسار، لأن التضامن في مثل هذه الظروف يمكن أن يستند إلى اعتبارات متعددة، وحدة المكان، والتعرض لظروف احتجاز متقاربة، والإحساس بأن تجاهل مطالب مجموعة قد يشكل سابقة تمس المجموعات الأخرى، فضلا عن الاعتبارات الإنسانية التي تجعل معاناة المعتقلين موضوعا للتضامن بصرف النظر عن انتماءاتهم.

وتكشف هذه الواقعة عن فرق مهم بين التضامن الأيديولوجي والتضامن الحقوقي أو الاحتجاجي. فالأول يقوم عادة على التقارب في الأفكار والغايات السياسية، بينما قد ينشأ الثاني حول وضع مشترك أو مطلب محدد أو خطر يهدد مجموعة من المعتقلين. وفي الحالة المدروسة، يبدو أن ظروف السجن أتاحت مساحة للتضامن العملي لم يكن ضروريا أن تذيب الفوارق بين المرجعيتين.

ومن منظور تاريخ الحركة الإسلامية المغربية، يمكن النظر إلى هذه التجربة باعتبارها مؤشرا على أن الممارسة الاحتجاجية لم تتطور بمعزل عن المحيط السياسي الذي عاش فيه الإسلاميون. فخبرة اليسار في الإضرابات، وما راكمه من أساليب للدفاع عن المطالب داخل السجون، شكلت جزءا من البيئة التي تفاعل معها المعتقلون الإسلاميون في الثمانينيات.

لكن من الضروري التمييز بين التأثر في الوسائل وبين التحول في المواقف الفكرية. فالانضمام إلى إضراب تضامني لا يعني أن الإسلاميين أصبحوا ماركسيين، كما أن الماركسيين لم يصبحوا إسلاميين نتيجة هذا التقاطع. ما حدث، وفق المعطيات المتاحة، هو إمكان استخدام أداة احتجاجية مشتركة في سياق محدد، مع بقاء الاختلاف في المرجعيات والغايات الأوسع.

ثالثا: الإضراب التناوبي منذ 1987 وتحويل الاختلاف الشرعي إلى ابتكار احتجاجي

إذا كانت نصيحة بنزكري تمثل انتقالا للخبرة من اليسار إلى الإسلاميين، وكان إضراب آسفي يعكس تضامنا عمليا، فإن الإضراب التناوبي الذي بدأ الإسلاميون في اعتماده منذ سنة 1987 يمثل المحطة الأكثر دلالة على قدرة التفاعل داخل السجن على إنتاج أساليب جديدة للاحتجاج.

توضح سليوموفيكس أن الإضراب عن الطعام حتى الموت أثار لدى المعتقلين الإسلاميين إشكالا شرعيا وأخلاقيا هل يجوز للمعتقل أن يستمر في الامتناع عن الطعام حتى الموت؟ وهل يمكن اعتبار الموت الناتج عن ذلك شهادة، أم أن الإضراب الذي يؤدي إلى الموت يدخل في حكم الانتحار المحرم؟ لم تكن هذه الأسئلة هامشية، لأنها تعلقت بمدى مشروعية الوسيلة التي يستخدمها المعتقل للدفاع عن مطالبه، وبالعلاقة بين التضحية بالنفس والواجب الديني في الحفاظ عليها.

كانت المفارقة أن الإضراب المفتوح قد يمثل أداة ضغط قوية، لكنه يثير في الوقت نفسه مشكلة داخل التصور الديني الذي يتبناه المضربون. وإذا كان استمرار الإضراب حتى الموت يضعهم أمام إشكال شرعي، فإن التوقف المبكر قد ينظر إليه على أنه إضعاف للضغط على إدارة السجن. ومن هنا نشأ البحث عن صيغة تسمح بمواصلة الاحتجاج مع الحد من المخاطر التي يتعرض لها كل معتقل على حدة.

بحسب الباحثة، تمثلت الصيغة التي طورها الإسلاميون منذ 1987 في ما سموه (الإضراب التناوبي) وكانت تقوم على مشاركة مجموعات صغيرة، تضم عادة شخصين إلى أربعة أشخاص، في الإضراب لمدة 24 أو 48 ساعة، ثم تعقبها مجموعة أخرى، بحيث يستمر الفعل الاحتجاجي من خلال تناوب المشاركين بدلا من تحميل جسد واحد عبء الإضراب المفتوح حتى الانهيار.

ويكشف هذا الأسلوب عن تحول في طريقة إدارة الاحتجاج. فبدلا من ربط استمراره بقدرة فرد واحد على تحمل الجوع والمخاطر الصحية، أصبح الاستمرار مرتبطا بتوزيع العبء على مجموعة من المعتقلين. وبهذا المعنى، لم يختف الإضراب بوصفه حالة جماعية، وإنما تغيرت طريقة تنظيمه وتوزيع مخاطره.

ويمكن تحليل هذا الابتكار من خلال ثلاثة مستويات مترابطة:

1 المستوى الشرعي: أتاح التناوب للمعتقلين مواصلة الضغط الاحتجاجي من دون أن يكون كل مشارك ملزما بالاستمرار إلى حد يهدد حياته. وبذلك جرى البحث عن صيغة توفق بين مشروعية المطالبة بالحقوق وضرورة الحفاظ على النفس.

2. المستوى التنظيمي: تطلب الإضراب التناوبي تنسيقا بين المشاركين، وتحديدا لفترات الإضراب، وانتقالا منظما من مجموعة إلى أخرى. وهذا يعني أن الاحتجاج أصبح مرتبطا بالتخطيط الجماعي وتقاسم الأدوار، لا بمجرد قرار فردي بالامتناع عن الطعام.

3 المستوى الاحتجاجي: سمح التناوب، من حيث المبدأ، باستمرار الضغط مع توزيع الكلفة الجسدية بين المشاركين. وهو ما يكشف عن انتقال من تصور يركز على تضحية الفرد إلى تصور يجعل استمرار الفعل الجماعي محوراً للعمل الاحتجاجي.

غير أن وصف الإضراب التناوبي بأنه ابتكار إسلامي لا يعني بالضرورة أن كل عناصره التنظيمية كانت جديدة تاريخيا فالإضرابات التناوبية كانت معروفة في سياقات نضالية أخرى أيضاً. والأدق، استناداً إلى الرواية المتاحة، أن الإسلاميين طوروا صيغة خاصة بهم في سياق السجون المغربية، متأثرين بتجربة الاحتجاج السابقة، لكنهم أعادوا تنظيمها بما ينسجم مع أسئلتهم الشرعية وظروفهم التنظيمية.

وهنا تظهر العلاقة بين الاقتباس والابتكار. فقد استفاد الإسلاميون من أداة احتجاجية سبق أن استخدمها المعتقلون اليساريون، لكنهم لم يكتفوا بنقلها كما هي بل تعاملوا معها من خلال نقاشاتهم الخاصة، وأعادوا بناء طريقة استخدامها. وبذلك تحول الاحتكاك إلى عملية تكييف وإنتاج، لا مجرد تقليد.

تمثل هذه الواقعة مثالا على أن المرجعية الفكرية لا تحدد بالضرورة جميع الوسائل العملية التي يستخدمها الفاعل السياسي. فقد يختلف الإسلاميون والماركسيون في تفسير التضحية ومعنى الشهادة وحدود الفعل المشروع، بينما يلتقون في البحث عن وسيلة احتجاجية فعالة. ثم يتدخل الاختلاف المرجعي لتعديل الأداة نفسها وإعادة تعريف حدود استخدامها.

رابعا: التنظيم الداخلي والصحافة السرية وتشابه أشكال الحياة الجماعية داخل السجون

لا يقتصر التقاطع بين الإسلاميين والماركسيين اللينينيين على الإضراب عن الطعام والتضامن في مواجهة إدارة السجن، بل يمتد، وفق المعطيات التي أوردتها، إلى طرائق تنظيم الحياة الجماعية وإنتاج الثقافة داخل المعتقل. فقد أنشأ الإسلاميون لجانا للتفاوض مع الإدارة، واهتموا بالتواصل مع الخارج، وطوروا أنشطة ثقافية، وأصدروا صحفا داخلية سرية. وهي ممارسات تشبه، في جوانب منها، ما عرفته تجارب المعتقلين اليساريين قبلهم.

1- لجان التفاوض والتواصل مع الخارج

أوجد الاعتقال حاجة عملية إلى تنظيم العلاقة مع إدارة السجن، لأن المطالب الفردية المتفرقة تكون أقل قدرة على فرض نفسها من المطالب التي تتحدث باسم مجموعة واضحة التمثيل. ومن هنا تبرز أهمية تشكيل لجان تتولى التفاوض بشأن ظروف الاعتقال، وتنقل المطالب الجماعية، وتتابع الاستجابة لها.

وتكتسب هذه اللجان أهميتها من أنها تحول الاحتجاج من ردود فعل فردية إلى عملية منظمة تتطلب تحديد المطالب، وتوزيع المسؤوليات، واختيار ممثلين قادرين على التفاوض، ومتابعة نتائج الحوار مع الإدارة.

أما التواصل مع الخارج، فيؤدي وظيفة مكملة إذ يسمح بنقل ما يجري داخل السجن إلى العائلات والهيئات المتضامنة والجهات الحقوقية. فالمعتقل الذي لا يستطيع الوصول إلى الرأي العام يظل احتجاجه محصورا داخل المؤسسة السجنية، بينما يمنحه التواصل الخارجي فرصة لتحويل مطالبه إلى قضية تتجاوز حدود الزنزانة.

وفي هذا المستوى، يظهر التشابه بين الإسلاميين والماركسيين باعتباره تشابها في الوظيفة التنظيمية كلاهما احتاج إلى آليات لتنسيق المواقف والدفاع عن المصالح الجماعية. لكن هذا التشابه لا يثبت وحده أن الإسلاميين استنسخوا بنية تنظيمية يسارية محددة؛ فقد تفرض طبيعة الاعتقال نفسها نشوء أشكال متقاربة من التنظيم لدى مجموعات مختلفة.

2- الصحافة السرية بوصفها وسيلة لإنتاج المعرفة والهوية الجماعية

تشير المعطيات المقدمة إلى إصدار الإسلاميين صحفا سرية داخل السجون، من بينها «بيدانسيس» في سجن غبيلة سنة 1984، و«مدرسة يوسف» في سجن آسفي خلال 1985–1986.

وتكشف هذه الممارسة عن أن المعتقلين لم ينظروا إلى السجن باعتباره فضاء للعقوبة فقط، بل سعوا إلى تحويله إلى مجال للتعلم والنقاش وإنتاج المعرفة وتداولها. فالصحيفة الداخلية، مهما كانت محدودة الانتشار، تستطيع أن تؤدي وظائف متعددة، نقل الأخبار، ومناقشة القضايا الفكرية، وتوثيق التجربة السجنية، والتعبير عن المطالب، وتعزيز الشعور بالانتماء إلى جماعة لها ذاكرة وتجربة مشتركتان.

وإذا كانت التنظيمات الماركسية اللينينية قد راكمت تجربة في الكتابة والنشر داخل السجون، فإن ظهور ممارسات مشابهة لدى الإسلاميين يدل على أن العمل الثقافي أصبح جزءا من أدوات المقاومة اليومية. غير أن التشابه في وسيلة النشر لا يعني التطابق في المحتوى فمن المرجح أن الصحافة الإسلامية كانت تتناول قضايا دينية وفكرية وتربوية تتناسب مع مرجعيتها، في حين ارتبط الإنتاج اليساري بتقاليد فكرية وسياسية مختلفة.

3- الحياة الثقافية داخل السجن وإعادة إنتاج الفاعل السياسي

لا تنفصل الصحافة السرية عن الأنشطة الثقافية والتعليمية الأوسع. فالسجن، في ظل الحرمان من الدراسة والقراءة والتواصل، يطرح على المعتقلين سؤالا يتجاوز تحسين ظروف الاحتجاز كيف يحافظون على قدراتهم الفكرية، وعلى تماسكهم الجماعي، وعلى إمكانية مواصلة النشاط بعد الإفراج؟

يمكن النظر إلى الحياة الثقافية داخل السجن باعتبارها وسيلة لمقاومة العزلة، لكنها أيضا مجال لإعادة بناء الذات السياسية. فالنقاشات والقراءات والكتابة تساعد المعتقل على تفسير تجربته، وتتيح له مراجعة أفكاره وتطوير أدواته في التعبير عن مطالبه.

وقد اكتسبت هذه الوظيفة أهمية لدى التيارات الإسلامية، التي كانت تسعى إلى الجمع بين التكوين الديني والعمل الجماعي، كما اكتسبتها لدى التيارات الماركسية التي امتلكت تقاليد في التثقيف السياسي والقراءة والنقاش النظري.

ولا يعني ذلك أن السجن أدى بالضرورة إلى التقارب الفكري بين الطرفين فقد تكون الحياة الثقافية نفسها مجالا لتجديد الاختلافات وتعزيز الهوية الخاصة بكل تيار. لكن وجود ممارسات ثقافية متوازية يوضح أن الاختلاف الأيديولوجي لم يمنع الطرفين من تطوير أدوات متشابهة لمواجهة العزلة والحرمان.

هل أسهمت التجربة السجنية في تقريب لغة الاحتجاج لدى الإسلاميين والماركسيين حول بعض المطالب الاجتماعية، حتى عندما ظلت تصوراتهم الفكرية والسياسية متباعدة؟

من الضروري، في قراءة هذه التجربة، تجنب تفسيرين متقابلين لا تسندهما المعطيات المتاحة.

التفسير الأول يفترض أن الاختلاف الأيديولوجي بين الإسلاميين والماركسيين كان يمنع كل تفاعل بينهما. وتدحض الوقائع المذكورة هذا التصور، لأن النصيحة والتضامن وتبادل الخبرة والتشابه التنظيمي تدل على وجود مساحات للتفاعل رغم الاختلاف.

أما التفسير الثاني فيذهب إلى أن التقارب في الممارسة أدى إلى تقارب فكري أو سياسي شامل. وهذا الاستنتاج لا تدعمه الوقائع بالقدر نفسه فالمشاركة في إضراب أو إصدار صحيفة سرية لا يثبتان زوال الاختلاف حول الدين والدولة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

والأدق هو النظر إلى هذه التجربة بوصفها مثالا على التقاطع العملي في ظل التباعد الأيديولوجي

تقدم تجربة الإسلاميين والماركسيين اللينينيين في السجون المغربية خلال الثمانينيات مدخلا مهما لفهم تاريخ الحركة الإسلامية من زاوية لا تقتصر على خطابها الفكري ، بل تشمل أيضا تفاعلها مع خصومها الأيديولوجيين داخل فضاء الاعتقال.

والدرس الأبرز هو أن الحدود الأيديولوجية، مهما كانت حادة، لا تمنع بالضرورة التعلم المتبادل أو التعاون حول مطالب محددة. وقد تكون الممارسة اليومية، في ظروف الاعتقال، أكثر قدرة على كشف إمكانات التقاطع من الخطاب النظري الذي يركز على التناقضات بين التيارات.

غير أن القيمة العلمية لهذه الخلاصة تظل مرتبطة بالتمييز بين ما تثبته الشواهد وما تسمح فقط بافتراضه. فالوقائع المذكورة تدعم وجود تقاطع عملي بين الإسلاميين واليسار داخل السجون، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات انتقال شامل للأفكار أو نشوء تحالف سياسي دائم.

ثمرة متأخرة: المنتدى المغربي للحقيقة والإنصاف

لم يتحول التقاطع في السجن إلى تحالف سياسي، لكنه ترك أثرا في ميدان الحقوق. ففي 1999 تأسس المنتدى المغربي من أجل الحقيقة والإنصاف، وضمت لجنته التنفيذية يساريين مثل إدريس بنزكري، رئيسا، وصلاح الوديع، نائبا للرئيس، وإسلاميين مثل المعتقل الاسلامي السابق أحمد حاو، نائبا لأمين المال كما اشتغل الحقوقي والمعتقل السياسي السابق محمد حقيقي في المنتدى المغربي للحقيقة والإنصاف، حيث كان أحد الفاعلين النشطين ضمن هياكله وفي سياق قضايا العدالة الانتقالية وملفات ضحايا سنوات الرصاص . وفي أبريل 2000 أسس معتقلون إسلاميون سابقون (تمكين)، دون أن يغادروا المنتدى. وترى سليوموفيكس أن هذا المسار واجه معركتين إقناع الإسلاميين أن حقوق الإنسان ليست عقيدة غربية علمانية، وتبديد توجس ناشطين حقوقيين خرجوا من اليسار العلماني كانوا ينظرون إلى الإسلاميين خصوما لخطاب الحقوق الكونية. أي أن اللقاء الذي نجح في ساحة الحقوق ظل عاجزا عن الانتقال إلى السياسة والجامعة.

الجامعة من جديد (1981–1999): العداء المفتوح

فشل المؤتمر السابع عشر للاتحاد الوطني لطلبة المغرب سنة 1981 وأدخل الحركة الطلابية في فراغ تنظيمي لم تخرج منه. وتعددت الحلول المقترحة داخل اليسار (الكراسة) سنة 1984 التي دعت إلى الهيكلة من القاعدة، و(البرنامج المرحلي) سنة 1986، ومقترح طلبة الاتحاد الاشتراكي سنة 1986، ومقترح الطلبة الديمقراطيين سنة 1989، ثم لجان القاعديين الانتقالية سنة 1989. وفي المقابل ظهر الفاعل الإسلامي الطلابي الجماهيري في مطلع التسعينيات: طلبة العدل والإحسان في مارس 1991، والطلبة التجديديون في فبراير 1992، ثم طلبة (الميثاق) سنة 1993 بحسب مصادر طلابية إسلامية وصحفية. ويذكر أحد قادة القاعديين السابقين بفاس أن (طلبة الميثاق) ظهروا سنة 1991.

وتظهر مواقف اليسار من هذا الوافد الجديد انقساما حادا. فبحسب قراءة صادرة عن وسط طلابي إسلامي، رفضت (الكراسة) وجود المكون الإسلامي ودعت إلى (القطيعة الاجتماعية والمواجهة الفكرية)، بينما اعتبر (البرنامج المرحلي) الإسلاميين تجليا للحظر العملي على الاتحاد ودعا إلى (العنف الثوري) ضدهم.

شهادة من داخل اليسار: فاس في مطلع التسعينيات

يروي محمد الخطار، وهو أستاذ فلسفة وأحد مسؤولي القاعديين التقدميين آنذاك، في حوار مع مجلة (زمان)، أن ظهور الإسلاميين، وخاصة (طلبة الميثاق)، أثار نقاشا محتدما وسط القاعديين فريق رأى فيهم معتدلين يمكن محاورتهم حتى لا يظهر اليسار بمظهر المعادي للدين، وهو الفريق الذي انتمى إليه، وفريق راديكالي رأى أنه لا معتدلين وسط الإسلاميين. ويقر الخطار بأن جزءا من اليسار مارس استفزازات كان يمكن تفاديها، كطرد بعض الطلبة الإسلاميين والسخرية من مظهرهم ولحاهم واستفزاز الطالبات المحجبات والاستهزاء بالأذان، ويصف احتجاز طلبة إسلاميين في غرف بالحي الجامعي وتعنيفهم لانتزاع اعترافات. ويصف في المقابل يوما دمويا يسميه الإسلاميون (غزوة كابول) وتسميه الرواية اليسارية (غارة 25 أكتوبر)، حشد له الإسلاميون عناصرهم وطوقوا الجامعة. ثم يضيف ما يغير الصورة أن أفظع عنف عاشه هو شخصيا جاء من فصيل قاعدي منافس هو (البرنامج المرحلي)، لا من الإسلاميين، وأن تاريخ الحركة الطلابية في التسعينيات (ليس تاريخ نقاش فكري بل تاريخ دم وعنف وصراع حول السيادة).

والمفارقة أن التيار الإسلامي الذي رأى فيه جناح الحوار داخل القاعديين شريكا ممكنا، أي (الميثاق)، هو نفسه الذي يقول الخطار إنه انكمش ثم اختفى من جامعة فاس.

الميثاق فكرة قبل أن يكون فصيلا

قدم طلبة (الميثاق)، المسمون أيضا طلبة (البديل الحضاري)، مشروع (الميثاق) صيغة أخلاقية للتعايش بين المكونات الطلابية، تناهض الإقصاء وتدعو إلى الديمقراطية والحوار الطلابي. وفي أواخر التسعينيات انخرط الطلبة الديمقراطيون وطلبة الميثاق وطلبة (الوحدة والتواصل) في حوار طلابي بحثا عن مخرج لأزمة الاتحاد، وتقاربت وجهات نظرهم، لكن المبادرة لم تستمر بفعل تردي الشروط الموضوعية بالجامعة، بحسب كاتب ينتمي إلى أحد هذه التيارات. وقد غاب عن هذا الحوار الطرفان الأكبر حضورا ميدانيا القاعديون وطلبة العدل والإحسان، وهو ما يفسر لماذا بقي الحوار بين المعتدلين من الطرفين ولم يصلح علاقة الأقوياء.

وتتبادل الأطراف في هذه المرحلة تهمة الإقصاء. فاليسار القاعدي يتهم بالتمسك بـ(الشرعية التاريخية) وبتصنيف الفصائل الأخرى (إصلاحية وتحريفية)، وطلبة العدل والإحسان يُتهمون، من خصومهم، بالتمسك بـ(شرعية الصندوق الطلابي) في انتخابات يقاطعها الآخرون. ويرد أنصار العدل والإحسان بأن الجماهير الطلابية اختارتهم وأن خصومهم انسحبوا من الهياكل. وهذه المواجهة بين شرعيتين، تاريخية وانتخابية، لا تقبل التحكيم لأن كل طرف يعرف الشرعية بما يكسبه.

قضية آيت الجيد: الذاكرة الحية للعنف الجامعي

في 25 فبراير 1993 قتل الطالب اليساري بنعيسى آيت الجيد بفاس. وبعد أكثر من عقدين أعاد قاضي التحقيق فتح الملف على خلفية شكاية مباشرة من أقاربه ضد القيادي في حزب العدالة والتنمية عبد العالي حامي الدين، الذي ينفي التهمة ويرى أن الملف انتهى بحكم نهائي سنة 1993. وكان يتابع استئنافيا، في حالة سراح، بجناية (المساهمة في القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد). وفي 11 يوليوز 2023 أدانته غرفة الجنايات الابتدائية بثلاث سنوات حبسا نافذا من أجل (المشاركة في الضرب والجرح المفضي إلى الموت دون نية إحداثه)، مع تعويض مدني قدره 20 ألف درهم لكل واحد من المطالبين بالحق المدني. وفي 22 أكتوبر 2026 ألغت غرفة الجنايات الاستئنافية بفاس هذا الحكم وصرحت بسقوط الدعوى العمومية لسبقية البت، مع عدم الاختصاص في الطلبات المدنية، بحسب ما أوردته عدة منابر. وتصف بعضها القرار بأنه براءة، وتنبه أخرى إلى أنه مبني على سبقية البت دون حسم في ثبوت الوقائع، مع بقاء الطعن بالنقض ممكنا قانونا. غير أن للملف دلالة تاريخية فقد ظل العنف الجامعي مفتوحا قضائيا وسياسيا بعد ثلاثين سنة، وتنازع الأطراف حوله إلى حد أن الجمعية المغربية لحقوق الإنسان رفضت سنة 2019 صفة الطرف المدني بدعوى رفض توظيف القضية لتصفية الحسابات السياسية. فالذاكرة التي لم تعالج تتحول إلى مادة للصراع الجديد.

لماذا لم تتحول اللقاءات إلى علاقة؟

تطرح التجربة المغربية للعلاقة بين اليسار والإسلاميين سؤالا يتجاوز رصد اللقاءات السياسية والحقوقية التي جمعت الطرفين، إلى البحث في مدى قدرة هذه اللقاءات على تغيير طبيعة العداء بينهما هل يتعلق الأمر بخلاف أيديولوجي قابل للتجاوز بفعل التحولات الاجتماعية والسياسية، أم أننا أمام عداء وجودي وجذري يعيد إنتاج نفسه حتى عندما تتقاطع المصالح وتتشابه المعاناة؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تقتضي التمييز بين وجود مساحات للتواصل والتعاون من جهة، وتحول هذه المساحات إلى علاقة مستقرة قادرة على تجاوز الإرث التاريخي والصراعات الهوياتية من جهة أخرى.

لم يكن تاريخ العلاقة بين اليسار المغربي والحركة الإسلامية منذ سبعينيات القرن الماضي تاريخا للقطيعة المطلقة، كما لم يكن تاريخا للتقارب المتواصل. فقد عرف الطرفان لحظات من التوتر والصدام، وأخرى من التعايش والتضامن، غير أن المشكلة الأساسية تمثلت في عجز اللقاءات العابرة عن التحول إلى علاقة سياسية ومجتمعية مستدامة. ففي السبعينيات، كان اليسار، بمختلف تياراته، يمتلك حضورا تنظيميا وفكريا قويا داخل الجامعة وبعض مجالات العمل السياسي، بينما كانت الحركات الإسلامية في طور بناء هويتها التنظيمية وتوسيع نفوذها. ولم يكن الطرفان ينظران إلى بعضهما باعتبارهما فاعلين يمكن أن يجمعهما مشروع مشترك، بل باعتبارهما منافسين على تمثيل المجتمع وتحديد مرجعياته الفكرية والثقافية. وقد زادت الصراعات التي شهدتها تلك المرحلة من تعقيد العلاقة، خصوصا مع ترسخ روايات متعارضة حول العنف السياسي ومسؤولية الأطراف المختلفة عنه، وحول طبيعة العلاقة التي ربطت السلطة ببعض مكونات الحقل الإسلامي في مواجهة خصومها اليساريين.

وقد أسهمت الذاكرة المؤسسة للصراع في جعل الماضي عاملا حاضرا في تحديد المواقف اللاحقة. فاغتيال عمر بنجلون سنة 1975، ثم مقتل الطالب محمد بنعيسى آيت الجيد سنة 1993، لم يبقيا مجرد واقعتين تاريخيتين، بل تحولا إلى عنصرين مركزيين في بناء الذاكرة المتبادلة بين قطاعات من اليسار والإسلاميين. ومن ثم، أصبح كل نقاش حول التقارب محاطا بسؤال المسؤولية والاعتراف والاعتذار والإنصاف. وبالنسبة إلى جزء من اليسار، لا يمكن تجاوز الخلاف مع الإسلاميين من دون مواجهة ما يعتبره مسؤولية تاريخية عن العنف الذي تعرض له مناضلوه. وفي المقابل، ترى قطاعات إسلامية أن اختزال تاريخ الحركة الإسلامية في هذه الوقائع يحجب تجارب الاعتقال والتعذيب والمحاكمات القاسية التي تعرض لها أعضاؤها، ويمنع الاعتراف بهم باعتبارهم فاعلين تعرضوا بدورهم لانتهاكات حقوقية. وهكذا لم تعد الذاكرة مجرد استعادة للماضي، بل أصبحت مجالا للصراع على الشرعية والاعتراف وتحديد من يحق له أن يقدم نفسه بوصفه ضحية أو صاحب قضية عادلة.

غير أن السجن قدم تجربة مختلفة تكشف حدود تفسير العلاقة من خلال العداء الأيديولوجي وحده. فقد جمعت المعتقلات المغربية، في مراحل مختلفة، مناضلين يساريين وإسلاميين داخل فضاء واحد من المعاناة، وأتاحت بعض التجارب إمكانات للتضامن وتبادل الخبرات، بما في ذلك النصائح المتعلقة بالإضراب عن الطعام والتعامل مع إدارة السجون. وتكتسب هذه الوقائع أهميتها لأنها تبين أن الاختلاف الفكري لم يكن يمنع بالضرورة نشوء علاقات إنسانية وعملية بين الطرفين. لكن السجن، رغم قدرته على جمع الأجساد في ظروف متشابهة، لم ينجح في دمج السرديات السياسية والفكرية التي منحت كل طرف معنى خاصا لتجربته. فقد قرأ اليساريون معاناتهم في ضوء مفاهيم النضال الثوري والديمقراطية والتحرر، بينما قرأها الإسلاميون، في حالات عديدة، ضمن مفاهيم الابتلاء والصبر والتضحية والاحتساب. وبذلك أنتجت التجربة المشتركة قدرا من التضامن العملي، لكنها لم تنتج بالضرورة تصورا مشتركا للمجتمع والدولة والحرية أو للخصم الأيديولوجي.

وتبرز هنا مسألة الذاكرة المكتوبة وشروط الاعتراف العمومي. فقد أسهمت مذكرات وتجارب الاعتقال اليسارية، إلى جانب العمل الحقوقي والتحولات التي عرفها المغرب في مجال كشف انتهاكات الماضي، في جعل جانب من هذه التجارب مرجعا أساسيا في دراسة سنوات الرصاص. وفي المقابل، ظل جانب من تجارب المعتقلين الإسلاميين أقل حضورا في الأدب الحقوقي والذاكرة العامة، وإن كان هذا التفاوت لا يعني غياب كتابات إسلامية أو انعدام الاهتمام بتجاربها. وقد أدى اختلاف مسارات التوثيق والاعتراف إلى نشوء شعور متبادل بعدم الإنصاف فثمة من الإسلاميين من يرى أن معاناته لم تحظ بالاعتراف الكافي، وثمة من اليساريين من يخشى أن يؤدي توسيع مفهوم الضحية ليشمل تجارب الإسلاميين إلى إضعاف خصوصية تاريخ القمع السياسي الذي تعرضت له قوى اليسار. والمشكلة هنا ليست في الاعتراف بتعدد التجارب، بل في تحويل الاعتراف بتجربة طرف إلى تهديد لشرعية تجربة الطرف الآخر. فلا يمكن بناء ذاكرة وطنية مشتركة إذا ظل الاعتراف موزعا وفق الانتماء الأيديولوجي، أو إذا اعتبر كل طرف أن إنصاف الآخر ينتقص من إنصافه.

كما لا يمكن تفسير استمرار العداء من خلال العلاقة بين اليسار والإسلاميين وحدها، لأن الانقسامات الداخلية في كل معسكر كانت عاملا مؤثرا في إضعاف إمكانات التقارب. فقد عرفت التيارات اليسارية خلافات حادة وصراعات بين فصائلها، كما تعددت داخل الحقل الإسلامي التنظيمات والمرجعيات والمواقف من العمل السياسي والجامعي. وفي مثل هذه الظروف، يصبح من الصعب بناء موقف موحد من الطرف الآخر، لأن الفاعل الذي يستطيع تقديم تنازل أو فتح حوار لا يمتلك بالضرورة سلطة إلزام بقية مكونات تياره. وقد تزداد المسألة تعقيدا عندما تستمد بعض التنظيمات شرعيتها من خطاب يميزها عن منافسيها، أو عندما يصبح التشدد في الموقف من الخصم دليلا على الوفاء للهوية التنظيمية. وعندئذ لا يعود التقارب مجرد اختيار سياسي، بل يصبح مخاطرة داخلية قد يتعرض بسببها المبادرون إلى اتهامات بالتفريط في المبادئ أو التنازل عن الذاكرة الجماعية.

ويضاف إلى ذلك أن الصراع لم يكن محصورا في القضايا النظرية المتعلقة بالدولة والدين والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، بل امتد إلى الرموز اليومية التي تشكل الهوية والانتماء. فالسخرية من اللحية والحجاب والأذان، حين تصدر عن بعض الأفراد أو المجموعات، يمكن أن تفهم لدى الإسلاميين باعتبارها استهدافا لهويتهم الدينية، كما أن استعمال أوصاف من قبيل الإلحاد والكفر ضد الخصوم يمكن أن يحول الخلاف السياسي لدى اليساريين إلى مسألة تتعلق بشرعية وجودهم الفكري والاجتماعي. وتكمن خطورة هذه الممارسات في أنها تجعل الحوار مع الآخر يبدو، داخل بعض البيئات، تنازلا عن الذات لا تفاوضا حول المصالح والسياسات. ولذلك قد يكون تجاوز الإهانات المتبادلة وإقرار الحق في الاختلاف شرطا أوليا للتقارب، قبل الانتقال إلى البحث عن برامج سياسية مشتركة.

أما الدولة، فلا يصح التعامل معها بوصفها مجرد خلفية محايدة لهذا التاريخ. فقد تداخلت علاقتها بمختلف التيارات مع موازين القوى والتحولات السياسية والأمنية التي عرفها المغرب، وأثارت بعض مراحل هذا التاريخ اتهامات متبادلة بشأن استفادة طرف من إضعاف الطرف الآخر. وفي مراحل أخرى، تعرض يساريون وإسلاميون للاعتقال والمحاكمات والانتهاكات، وإن اختلفت السياقات والدرجات والأسباب والمسارات. وقد أوجد هذا التاريخ مفارقة واضحة فالخبرة المشتركة في مواجهة بعض أشكال القمع يمكن أن تفتح باب التضامن، لكنها لا تكفي وحدها لإنتاج الثقة خارج السجن، حيث تستعيد التيارات تنافسها على السلطة والتمثيل الاجتماعي والشرعية الفكرية. ومن ثم، فإن التحليل المتوازن لا يختزل العداء في سياسة رسمية هدفها التفريق بين الطرفين، كما لا يعفي الدولة من دراسة أثر سياساتها في تشكيل شروط الصراع وتغذية انعدام الثقة.

ومع ذلك، فإن اللقاءات السياسية والحقوقية التي جمعت اليساريين والإسلاميين، ومحاولات بناء جسور بين بعض مكوناتهما، تدل على أن العداء لم يكن مغلقا بصورة مطلقة. فقد أتاحت قضايا الحريات العامة، وحقوق المعتقلين، ومناهضة التعذيب، والدفاع عن المطالب الاجتماعية، فرصا للتعاون تتجاوز الاختلافات المرجعية. كما أن ظهور مبادرات للحوار والوساطة داخل الجامعة وخارجها يكشف أن بعض الفاعلين أدركوا حدود المواجهة المستمرة. لكن هذه المبادرات ظلت، في حالات عديدة، أضعف من القوى التنظيمية التي تعيد إنتاج الاستقطاب. فالمبادرة الحوارية قد تملك لغة توافقية ومشروعية أخلاقية، لكنها لا تملك بالضرورة قاعدة ميدانية واسعة أو قدرة على إلزام الفاعلين الأكثر تأثيرا داخل الطرفين. وفي المقابل، قد تمتلك التنظيمات الأكثر حضورا في الشارع والجامعة القدرة على التعبئة، لكنها لا ترى في التسوية مصلحة مباشرة إذا كانت هويتها التنظيمية قائمة على التمايز عن الخصم.

وتكشف هذه المفارقة أن المشكلة لم تكن في غياب اللقاءات بقدر ما كانت في غياب الشروط التي تحول اللقاء إلى علاقة. فالتعاون الحقوقي، على أهميته، يظل محدود الأثر إذا لم يتجاوز الاستجابة لملفات ظرفية إلى بناء قواعد مستمرة للتنسيق والثقة. كما أن الاتفاق على مطلب مشترك لا يعني الاتفاق على تفسير أسبابه أو على طبيعة النظام السياسي والاجتماعي المرغوب فيه. ويمكن لليساري والإسلامي أن يدافعا معا عن معتقل تعرض للتعذيب، أو عن حق اجتماعي، أو عن حرية التعبير، من دون أن يتفقا على المرجعية الفكرية التي ينبغي أن تؤسس النظام العام. ولا يمثل هذا الاختلاف عائقاً حتمياً؛ إذ إن التجارب الديمقراطية تقوم، في جانب منها، على إمكان التعاون بين فاعلين لا يتقاسمون تصوراً واحداً للإنسان والمجتمع والدولة. لكن نجاح هذا التعاون يتطلب الانتقال من منطق البحث عن التطابق الأيديولوجي إلى منطق الاعتراف المتبادل والالتزام بقواعد العمل المشترك.

وهنا يبرز السؤال المركزي هل سيظل العداء بين اليسار المغربي والإسلاميين وجوديا وجذريا، رغم اللقاءات السياسية والحقوقية؟ لا يبدو أن المعطيات التاريخية تبرر اعتبار هذا العداء قدرا ثابتا أو نتيجة حتمية للاختلاف بين المرجعيتين. فالاختلاف بين تصور يستند إلى مرجعية دينية وتصور يستند إلى مرجعية يسارية أو علمانية لا يؤدي، في حد ذاته، إلى العداء الوجودي. إنما يتحول إلى عداء من هذا النوع عندما يعتبر كل طرف أن حضور الآخر يهدد شرعيته أو هويته أو حقه في المشاركة في المجال العام. ومن هذه الزاوية، فإن جوهر المشكلة لا يكمن في أن أحد الطرفين متدين والآخر يساري، بل في الطريقة التي جرى بها تحويل الاختلاف الفكري إلى حدود مغلقة للانتماء السياسي والاجتماعي، وفي تراكم الذاكرة الجريحة والخوف المتبادل والمنافسة التنظيمية.

ومع ذلك، فإن تجاوز العداء لن يتحقق بمجرد اكتشاف المشترك الاجتماعي أو تكرار الدعوة إلى الحوار. فوجود مطالب مشتركة في مجالات التعليم والصحة والتشغيل والحماية الاجتماعية ومحاربة الفساد والحد من الفوارق الاجتماعية لا يعني تلقائيا قيام تحالف سياسي، لأن الاتفاق على المطالب قد يخفي اختلافات في ترتيب الأولويات ووسائل الإصلاح وحدود العلاقة بالدولة. لكنه يوفر أساسا عمليا لبناء تعاون تدريجي، يبدأ من قضايا محددة قابلة للتفاوض والتقييم، ولا يشترط على أي طرف التخلي عن مرجعيته. ويمكن أن يتطور هذا التعاون إذا ترافق مع الاعتراف المتبادل بالأخطاء والانتهاكات، وتوثيق تجارب المعاناة المختلفة، ورفض العنف السياسي والإقصاء الديني أو الأيديولوجي، وضمان حق كل طرف في التعبير والتنظيم والمشاركة من دون التشكيك في وطنيته أو شرعيته لمجرد اختلافه الفكري.

إن الرهان الحقيقي، إذن، ليس إنهاء الخلاف بين اليسار والإسلاميين، بل منع هذا الخلاف من التحول إلى عداء وجودي يعطل إمكانات العمل المشترك. فالاختلاف المرجعي قد يستمر زمنا طويلا، وربما لا يمكن تجاوزه أصلا، لكن ذلك لا يمنع إقامة علاقة سياسية وحقوقية مستقرة على أساس قواعد ديمقراطية مشتركة. وما ينبغي أن يتغير ليس بالضرورة ما يؤمن به كل طرف في عمقه الفكري، وإنما نظرته إلى وجود الطرف الآخر وحقه في المشاركة، وقدرته على التمييز بين الاختلاف المشروع والتهديد الفعلي، وبين نقد الأفكار ونزع الشرعية عن أصحابها.

وعليه، فإن مستقبل العلاقة بين اليسار المغربي والإسلاميين سيظل مفتوحا على احتمالين إما استمرار اللقاءات الظرفية التي تخفف حدة الصراع من دون أن تغير بنيته، وإما الانتقال نحو تعاون مدني وسياسي يعترف بالخلاف ولا يجعل منه مبررا للإقصاء. ويتوقف الاختيار بينهما على قدرة الطرفين على تحويل الذاكرة من أداة لتجديد الاتهام إلى مدخل للاعتراف المتبادل، وتحويل المشترك الاجتماعي من شعار إلى برنامج عمل، وبناء وسطاء يمتلكون امتداداً تنظيمياً واجتماعياً حقيقياً. فالعداء بين الطرفين ليس وجوديا بطبيعته، لكنه قد يصبح كذلك بفعل الممارسات والخطابات والمؤسسات التي تعيد إنتاجه. وبالمقابل، لا يصبح التقارب ممكنا ومستداما إلا عندما يتحول الاعتراف بالاختلاف من مجرد تسامح مؤقت إلى قاعدة سياسية وأخلاقية تنظم العلاقة بينهما.

خاتمة

العداء المغربي لم يكن حتمية فكرية ولا مجرد ثمرة تدبير للسلطة، بل نتاج تراكم يجمع بين ذاكرة دم، وتعاقب غير متزامن، وصراع على فضاء واحد، وغياب وسطاء أقوياء. وقد أنتج التقاطع حيث كان مؤطرا بقضية محددة خارج المنافسة على التمثيل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *