“ركود تنموي” يخيّم على مجالس جهة البيضاء ويضع الجماعات في خانة “تصريف الأعمال”

تعيش عدد من المجالس المنتخبة بمدينة الدار البيضاء وضواحيها على وقع ركود تنموي لافت، عكسته دورات أكتوبر العادية التي مرت جداول أعمالها، وفق متتبعين للشأن المحلي، دون أن ترقى إلى مستوى انتظارات المواطنين المرتبطة بإطلاق المشاريع وتحريك عجلة التنمية المحلية.
وطغت على هذه الدورات نقاط اعتُبرت محدودة الأثر، في وقت تتزايد فيه المطالب بتحسين الخدمات العمومية والاستجابة للاحتياجات اليومية للسكان.
ووصف منتخبون، في تصريحات متفرقة لجريدة “العمق المغربي”، الوضع الذي تعيشه أغلب المقاطعات والجماعات الترابية والمجالس الإقليمية بأنه أقرب إلى “مرحلة تصريف الأعمال”، بالنظر إلى تباطؤ وتيرة العمل التنموي وتراجع المبادرات القادرة على إحداث تغيير ملموس في تدبير الشأن المحلي.
وسجلت هذه المرحلة، بحسب المصادر ذاتها، بروز مؤشرات على تصدع بعض الأغلبيات التي أفرزتها انتخابات سنة 2021، بما يطرح تساؤلات حول مدى تماسك التحالفات القائمة وقدرتها على مواصلة تنفيذ برامجها.
وحاول عدد من رؤساء المجالس المنتخبة تمرير دورات أكتوبر بأقل قدر من التوتر، في ظل سياق سياسي اتسم بتداعيات الانتخابات التشريعية الأخيرة وما أفرزته من تحولات في موازين القوى الحزبية.
وامتدت انعكاسات هذه التحولات إلى تدبير الشأن المحلي، حيث باتت الحسابات السياسية وإعادة ترتيب المواقع داخل بعض التحالفات تلقي بظلالها على أولويات المجالس وطبيعة القرارات المعروضة عليها.
وفي الوقت الذي كانت فيه دورات أكتوبر مناسبة لتقييم حصيلة التدبير المحلي واستشراف المشاريع المقبلة، أثار محدودية عدد من النقاط المدرجة في جداول الأعمال انتقادات بشأن قدرة المجالس على استثمار ما تبقى من ولايتها في إطلاق مبادرات تنموية ذات أثر مباشر على المواطنين.
كما أعادت هذه الوضعية إلى الواجهة النقاش حول مدى حضور البرامج الانتخابية في القرارات المتخذة، وحول قدرة المنتخبين على تجاوز الخلافات السياسية لصالح الأولويات المحلية.
وتبرز التصدعات التي بدأت تطفو على سطح بعض الأغلبيات صعوبة الحفاظ على الانسجام الداخلي للتحالفات التي تشكلت عقب انتخابات 2021، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة وتزايد التنافس حول مواقع المسؤولية.
وفي ظل هذه الأجواء، تبدو بعض المجالس منشغلة بتدبير توازناتها السياسية أكثر من انكبابها على تسريع المشاريع والاستجابة للملفات التي تنتظر حلولا عملية.
وبين حسابات السياسة وانتظارات السكان، تطرح حصيلة دورات أكتوبر سؤالا جوهريا حول ما إذا كانت المجالس المنتخبة بالدار البيضاء وضواحيها قادرة على استعادة دينامية العمل التنموي، أم أن المرحلة المقبلة ستظل محكومة بمنطق تدبير ما تبقى من الولاية.
ويظل الرهان الأساسي هو ترجمة اختصاصات هذه المؤسسات إلى قرارات ومشاريع ملموسة، بعيداً عن التجاذبات التي قد تجعل مصالح المواطنين في مرتبة ثانوية.
وفي قراءة لهذه الوضعية، اعتبر معاذ شهير، فاعل سياسي، أن عددا من المجالس المنتخبة بجهة الدار البيضاء–سطات باتت تعيش على إيقاع مرحلة أقرب إلى “تصريف الأعمال”، في ظل ما وصفه بتراجع الدينامية التنموية ومحدودية المبادرات التي تعكس انتظارات المواطنين.
وأوضح، في تصريح مقترح لجريدة “العمق المغربي”، أن دورات أكتوبر العادية كشفت عن اختلال في ترتيب الأولويات، بعدما غابت عنها، بحسب تقديره، ملفات تنموية تستدعي نقاشاً مستعجلاً داخل المؤسسات المنتخبة.
وأضاف شهير أن الإشكال لا يرتبط فقط بطبيعة النقاط المدرجة في جداول الأعمال، وإنما يتجاوز ذلك إلى مدى قدرة المجالس على مواصلة أداء أدوارها التدبيرية والسياسية، والحفاظ على وتيرة عمل منتظمة تضمن تنزيل البرامج والالتزامات الانتخابية.
وسجل أن محدودية المبادرات المطروحة للنقاش تطرح تساؤلات بشأن الحصيلة التي يمكن أن تقدمها بعض المجالس، في وقت لا تزال فيه انتظارات السكان قائمة بشأن تحسين الخدمات العمومية والاستجابة لحاجياتهم اليومية.
وأشار الفاعل السياسي إلى أن مؤشرات التصدع التي بدأت تظهر داخل بعض الأغلبيات المسيرة تزيد من تعقيد المشهد المحلي، خصوصا في ظل تباين الحسابات بين مكونات التحالفات التي تشكلت عقب انتخابات سنة 2021.
واعتبر أن استمرار الخلافات الداخلية قد ينعكس على انسجام القرارات وسرعة معالجة الملفات المطروحة، محذرا من أن تتحول المؤسسات المنتخبة إلى فضاءات لتدبير التوازنات السياسية على حساب الأولويات التنموية.
وفي السياق ذاته، ربط شهير حالة الجمود التي تعرفها بعض المجالس بالتحولات التي أعقبت الانتخابات التشريعية الأخيرة، وما رافقها من إعادة ترتيب للحسابات الحزبية والتحالفات السياسية.
وأوضح أن امتداد هذه التجاذبات إلى المستوى الترابي قد يضعف قدرة بعض الأغلبيات على مواصلة العمل بالنسق المطلوب، خاصة عندما تصبح الخلافات حول المواقع والمسؤوليات أكثر حضوراً من النقاش المتعلق بالمشاريع والبرامج التي ينتظرها المواطنون.
وشدد المتحدث على أن الحديث عن مرحلة “تصريف الأعمال” لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لتعطيل مصالح المواطنين أو تأجيل معالجة الملفات التنموية العالقة، مؤكدا أن المسؤولية السياسية والتدبيرية تظل قائمة ما دامت المجالس تمارس اختصاصاتها.
ودعا المنتخبين إلى استعادة المبادرة، وتكثيف التنسيق بين مكونات الأغلبية والمعارضة، وتوجيه النقاش داخل الدورات نحو القضايا ذات الأثر المباشر على الساكنة، بعيدا عن الحسابات الضيقة والتجاذبات التي لا تقدم حلولا ملموسة.
وختم شهير بالتأكيد، وفق الصياغة المقترحة، على أن المرحلة المتبقية من الولاية الانتدابية تشكل اختباراً حقيقياً لمدى قدرة المجالس المنتخبة بجهة الدار البيضاء–سطات على تجاوز حالة الركود واستعادة ثقة المواطنين.
واعتبر أن المعيار الأساسي لتقييم أداء المنتخبين لا ينبغي أن يقتصر على تدبير الدورات وتمرير المقررات، بل يتعين أن يرتبط بمدى ترجمة القرارات إلى مشاريع ملموسة وتحسين ظروف عيش السكان، حتى لا تظل عبارة “تصريف الأعمال” عنوانا لمرحلة تطغى عليها الحسابات السياسية على حساب التنمية المحلية.
اترك تعليقاً