وجهة نظر

صحافة بميزان واحد: الإعلام بين الولاء للوطن واستقلالية الموقف

الحسين خاوتي

الإعلام بين الولاء للوطن واستقلالية الموقف

تطرح العلاقة بين الإعلام والوطن والسلطة سؤالاً تضيق عنه حدود الممارسة الصحفية وأعراف المهنة؛ إنه يمس طبيعة الدولة، ونوعية المجال العام، ومستوى النضج الذي بلغته المؤسسات في إدارة الاختلاف. الإعلام الذي يجعل الولاء للوطن وثوابته مرجعية حاكمة لعمله، ويمارس النقد بجرأة ومسؤولية، ويشارك في تهيئة شروط النجاح للمشروعات الوطنية، يصوغ تصوراً متكاملاً لوظيفة الصحافة داخل الدولة. تصور يمنح الاستقلالية مضموناً سياسياً ومهنياً، ويحررها من الاصطفاف الحزبي، ومن منطق المناكفة، ومن إغراء تحويل الخلاف إلى غاية قائمة بذاتها.

تتعقد الإشكالية عند تعريف الولاء ذاته. الوطن والدولة والحكومة ثلاثة مستويات تتداخل في الممارسة الإعلامية: تنقلب مساندة المؤسسات تزكية مطلقة لخيارات المسؤولين، أو تنقلب مساءلة الحكومة خصومة مع الدولة ومصالحها. في الحالتين تتضرر الوظيفة الصحفية، لأن الخلط بين شرعية المؤسسات وقرارات القائمين عليها يضعف قدرة المجتمع على التمييز بين الثابت الوطني والاجتهاد السياسي. على هذا الخلط يتأسس السؤال الذي يتتبعه المقال: بأي ميزان يزن الصحفي الإنجاز والإخفاق؟

يمر الجواب بتسمية المستويات الثلاثة. الوطن ذاكرة مشتركة وأرض وعقد بين أبنائه. الدولة مؤسسات تدوم بعد رحيل من أداروها. الحكومة وكيل على بيت الجميع، يصيب ويخطئ، ويخلفه وكيل بعد دورة انتخابية. يتداول الناس الأسماء الثلاثة كأنها مترادفة: يدفع الصحفي ثمن الترادف تهمتين ، عداء للدولة يرميه به فريق لأنه انتقد قراراً ضاراً، ومداهنة يرميه بها فريق آخر لأنه أثنى على قرار ناجح. من جعل الحكومة هي الدولة رأى في نقدها عداء، ومن جعلها خصماً للوطن رأى في الثناء عليها مداهنة. بين الفريقين يضيع خيط التمييز بين الثابت والاجتهاد.

على هذا التمييز اعتراض وجيه: من يحدد الثوابت؟ العبارة قد تنقلب ستاراً يحتمي به الصمت، وحجة جاهزة في وجه السؤال المزعج. الجواب في البيت نفسه. الثوابت جدران تسند السقف، مكتوبة ومعلومة المصدر: الدستور وحقوق المواطنين ووحدة المجتمع. تعديل الدستور نفسه يمر عبر مساطر استثنائية تشرك المجتمع وتترك له الكلمة الفصل. ما سواها طلاء تجدده حكومة بعد حكومة؛ لساكني البيت حق السؤال عن لونه وثمنه ومتانته. إذا وصفت حكومة اختيارها بالثابت سأل الصحفي عن النص الذي يسنده، وإن غاب النص عرف القارئ أنه أمام طلاء. تبقى مناطق رمادية يختلف الناس على موضع الجدار فيها؛ سؤال الصحفي فيها مشروع: من رسم الخط، وفي أي نص؟

ما إن يتحدد موضع الجدار حتى يستقيم الميزان: من يدافع عن قرار ناجح يسوق حججه وأرقامه، ومن ينتقد قراراً ضاراً يسوق حججه وأرقامه، والحكم عند الاثنين للوقائع والنتائج. يسقط الاتهامان معاً: الثناء الذي تسنده الوقائع شهادة، والنقد الذي تسنده الوقائع خدمة للبيت. للميزان حدود يحسن أن يعلنها صاحبه. الصحفي الذي يزن بصرامة يظل هو من يختار القرار الذي يضعه في الكفة، والعنوان الذي يعلو، والتفصيل الذي يسقط من الصفحة؛ الاختيار موقف. يأتي الإنصاف من معايير معلنة يعرفها القارئ ويحاسب بها: ما الذي يستحق التغطية، وما المصدر، وما الرقم؟

للمعايير المعلنة خصم صامت: الحساب التجاري. المقاولة الصحفية تعيش على الإشهار والدعم ورضا الجمهور؛ للموارد الثلاثة ثمن تطلبه بهدوء: عنوان مخفف، وملف مؤجل، وسؤال يتخلى عنه المحرر. يوم تسبق المعايير العلاقات الشخصية والانتماءات الحزبية والحساب التجاري، تتحرر الصحافة من ضغط الاصطفاف وتفتح مساحة للمساءلة العامة.

من هذه المساحة جاءتها تسمية السلطة الرابعة، وإن اختلفت التصنيفات الدستورية من بلد إلى آخر. هي تمسك في البيت دفتر الحساب مفتوحاً، تعرض على أهله ما أنفقته المؤسسات وما أنجزته، وتكمل رقابة البرلمان والقضاء محتفظة باستقلالها عمن تراقب. عدتها المعلومة والتحليل والتوثيق والسؤال عن المصلحة العامة، ورصيدها ثقة الجمهور ودقة العمل وقدرة المؤسسة على الدفاع عن حقها في الوصول إلى المعلومة. من حوّل المنبر إلى أداة ضغط شخصي بدد هذا الرصيد، وفقد معه حقه في مطالبة غيره بالشفافية.

يتغذى رصيد الدقة من فهم مسار القرار العمومي. السياسة العامة رحلة طويلة من التشخيص إلى التقييم، تعترضها إكراهات مالية وإدارية واجتماعية؛ على الصحفي أن يعرف محطاتها ليميز القرار الذي تعثر في الطريق من القرار الذي أخطأ وجهته. طريق قروي تعثر إنجازه عامين يرسم الفرق بين نقدين. خطاب يكتفي بتوزيع الاتهامات ويستهلك انتباه الناس ويترك أصل الداء على حاله. وخطاب يسأل عن أسباب التعثر ومصادر التمويل والجهة المسؤولة، ثم يصعد إلى الدوار الذي عزلته الثلوج شتاءين، ويجلس إلى سكانه حول صينية الشاي، ويحصي معهم ما خسروا من أسواق ومواسم وأيام دراسة. يتحول الخبر إلى معرفة قابلة للاستعمال: يجد المسؤول أمامه أسئلة محددة، وتجد المؤسسات معطيات واضحة تعالج الخلل على أساسها.

خلف خطاب الاتهام فكرة شائعة تضع النقد والمساندة على طرفي نقيض، والممارسة المهنية تجمعهما في تصور واحد للمصلحة العامة. مساندة المشروع الوطني تعني تتبع مراحل إنجازه، وحساب تكاليفه، ومناقشة وقعه على المواطنين. النقد حارس الورش، يحمي المشروع من أخطاء التنفيذ ويوجه النقاش نحو الحلول. المساندة فعل نقدي واع، والنقد إسهام في تحسين الأداء العمومي.

يحرس هذا التلازم ضمير مهني اسمه النزاهة. الصحفي النزيه يعرض الواقعة كما جرت ولو أحرجت صديقاً، ويأبى أن تكون المعلومة مكافأة لحليف أو عقاباً لخصم، ويعترف بخطئه ويصححه علناً، ويترفع عن إثارة تتاجر بمشاعر الجمهور على حساب وعيه. بالنزاهة ينجو النقد من الابتزاز، وتنجو المساندة من التزلف.

غير أن نزاهة الفرد تظل هشة ما لم تسندها مؤسسة تحرس المعايير نفسها. تدين المؤسسة لقارئها بفصل واضح بين الخبر والرأي والإشهار، وبهيئة تحرير تصون القرار الصحفي من ضغط الممولين والفاعلين السياسيين، وبقواعد معلنة لتصحيح الخطأ وإتاحة حق الرد واحترام الحياة الخاصة وقرينة البراءة. بهذه الضمانات يملك الجمهور أسباباً للثقة وتستقيم الرقابة.

إذا غابت الضمانات نبتت صحافتان متقابلتان: صحافة تعرقل الجهد الوطني بدافع الخصومة، وصحافة تصفق له بدافع المنفعة. تقتطع الأولى من الوثيقة السطر الذي يخدم موقفها وتخفي ما سواه، وتضع فوق الخبر عنواناً يناقض متنه، وتتزيا بالدفاع عن المصلحة الوطنية وهي تخدم حساباتها الخاصة. تحتفي الثانية بالقرارات جميعها وتدفن الأرقام المحرجة في ذيل الصفحة. يصيب ضررهما النقاش العام: تتصدع الثقة بين الفاعلين، وتتسع الهوة بين الجمهور والمنبر.

يبقى للدولة نصيبها في استقامة الميزان. الاستقلال الصحفي يستند إلى نصوص تحميه: حق الوصول إلى المعلومات وحماية المصادر، ومعاملة متكافئة للمنابر، واحترام التعددية، وبيئة تستقبل النقد وتستوعب الاختلاف. تفرق الدولة بين مساءلة المسؤول والطعن في شرعية المؤسسة، وهو التمييز نفسه بين الحكومة والدولة. مع اتساع الشفافية تتحسن جودة التغطية، ويضيق باب التأويل، ويقترب الجدل العام من الوقائع ويبتعد عن الإشاعة.

الولاء للوطن واستقلالية الموقف يلتقيان في ميزان واحد، يزن به الصحفي الإنجاز والإخفاق، وتسنده مؤسسة منضبطة ودولة تفتح أبوابها للسؤال. تحب هذه الصحافة وطنها على طريقة الصديق الصادق: تنوه بالإنجاز، وتسمي الإخفاق باسمه، وتبقى إلى جانب وطنها وهي تختلف مع حكومته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *