وجهة نظر

الديوان الملكي يعلن طي صفحة المينورسو في الصحراء المغربية… من تدبير النزاع إلى إعادة رسم مسار التسوية

إبراهيم الخياطي

في تطور يحمل دلالات سياسية ودبلوماسية لافتة، أعلن الديوان الملكي المغربي، يوم الجمعة 30 أكتوبر 2026، أن عدم تمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة لتنظيم الاستفتاء في الصحراء «المينورسو» يشكل خطوة ذات دلالة كبرى في اتجاه الطي النهائي لملف الصحراء المغربية داخل أروقة الأمم المتحدة.

ولا تقتصر أهمية البلاغ الملكي على الإعلان عن نهاية مرحلة امتدت لأكثر من 35 سنة من الحضور الميداني للبعثة الأممية، بل تتجاوز ذلك إلى طرح تصور مغربي جديد لطبيعة المرحلة المقبلة، يقوم على تجاوز منطق تدبير النزاع واستمرار دوراته الدورية داخل مجلس الأمن، والانتقال نحو مقاربة سياسية تستند إلى التحولات التي عرفتها مواقف عدد متزايد من الدول تجاه مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.

إن قراءة متأنية لمضامين البلاغ تكشف عن ست رسائل أساسية، تتعلق بمستقبل المينورسو، وموقع الأمم المتحدة في تدبير الملف، ومبادرة الحكم الذاتي، فضلاً عن الأبعاد الأمنية والدبلوماسية للمرحلة المقبلة.

أولاً: نهاية مرحلة أممية امتدت لأكثر من ثلاثة عقود

يصف البلاغ الملكي عدم تمديد ولاية المينورسو بأنه طي لصفحة دامت 35 سنة، وهي إشارة إلى مرحلة بدأت سنة 1991، عندما أُنشئت البعثة الأممية في سياق اتفاقات وقف إطلاق النار والمقترحات المرتبطة بتنظيم استفتاء بالصحراء.

غير أن الاستفتاء لم يُنظم، بسبب الخلافات المرتبطة أساساً بتحديد الهيئة الناخبة والخيارات السياسية المطروحة، فيما استمر وجود البعثة وتوسعت مهامها المرتبطة بمراقبة وقف إطلاق النار والتواصل بين الأطراف.

ومن المنظور المغربي، فإن استمرار البعثة طوال هذه المدة دون الوصول إلى التسوية المنشودة جعل نموذج التدبير الأممي التقليدي بحاجة إلى مراجعة عميقة.

لذلك، فإن وصف البلاغ لهذه المرحلة بأنها صفحة تم طيها يعكس رغبة المغرب في تجاوز صيغة ظلت مرتبطة بسياق سياسي سابق، لم يعد، وفق المقاربة المغربية، منسجماً مع التحولات التي عرفتها القضية خلال السنوات الأخيرة.

ثانياً: رسالة سياسية واضحة بشأن مستقبل حضور المينورسو

من أبرز ما جاء في البلاغ الملكي التأكيد على أن عدم تمديد مهمة المينورسو يعني أن وجود البعثة في الأقاليم الجنوبية للمملكة، من خلال طواقمها ومركباتها ومعداتها ورموزها، ينبغي أن ينتهي خلال الأيام المقبلة.

وتحمل هذه الفقرة دلالة تتجاوز انتهاء مدة التفويض، إذ تعبر عن موقف مغربي واضح من استمرار الحضور الميداني للبعثة بعد انتهاء ولايتها.

ويشمل ذلك مقرها الرئيسي الميداني بمدينة العيون، ومكتب ارتباطها في تندوف بالجزائر، فضلاً عن الطواقم والتجهيزات والوسائل اللوجستية التابعة لها، وفق الترتيبات التي ستعتمدها الأمم المتحدة لإنهاء وجودها.

لكن من الضروري التمييز بين انتهاء الولاية الأممية وبين استكمال الانسحاب الميداني؛ فالموظفون والمنشآت والمعدات تخضع لإجراءات تنظيمية وأمنية ولوجستية، ولا تختفي قانونياً أو عملياً بمجرد حلول منتصف الليل.

وتبرز هنا أهمية التنسيق مع الأمانة العامة للأمم المتحدة لضمان انتقال منظم، يحافظ على سلامة العاملين ويمنع أي توتر ميداني.

ثالثاً: المغرب يطرح تجاوز مجلس الأمن في تدبير الملف

ربما تمثل هذه النقطة أبرز مضامين البلاغ من الناحية السياسية.

فالمغرب لم يكتف بالإشارة إلى عدم تمديد ولاية المينورسو، بل اعتبر أن هذا التطور ينبغي أن يضع حداً لإحالة الملف على مجلس الأمن، وسحب القضية من جدول أعماله، وإنهاء الاجتماعات الدورية وتقارير الأمين العام وإحاطات المبعوث الشخصي.

وهذا يعني أن الرباط تسعى إلى الانتقال من مرحلة ظل فيها الملف حاضراً بصورة دورية في أجندة مجلس الأمن، إلى مرحلة جديدة لا تكون فيها إدارة النزاع الأممية المتكررة هي الإطار الرئيسي للتعامل معه.

ومن الناحية الدبلوماسية، يعكس هذا التوجه قناعة مغربية بأن استمرار الاجتماعات الدورية لم يعد يحقق تقدماً يتناسب مع الزمن الذي استغرقه النزاع، خصوصاً في ظل التحولات التي شهدتها مواقف عدد من الدول المؤثرة.

ومع ذلك، فإن الدعوة المغربية إلى سحب الملف من جدول أعمال مجلس الأمن تظل موقفاً سياسياً معلناً، وليست قراراً أممياً دخل حيز التنفيذ تلقائياً. فاختصاصات المجلس وإجراءاته تظل قائمة، ولا يمكن إنهاء إدراج قضية على جدول أعماله بمجرد إعلان دولة واحدة ذلك.

كما أن انتهاء مهمة المينورسو لا يعني بالضرورة انتهاء دور الأمين العام أو مبعوثه الشخصي، ما لم تتخذ المؤسسات الأممية المعنية قرارات وإجراءات بهذا الشأن.

رابعاً: الحكم الذاتي في قلب المرحلة الجديدة

يؤكد البلاغ الملكي أن المغرب سيواصل الدينامية الدولية التي أطلقها الملك محمد السادس على المستويين الثنائي والإقليمي، مستنداً إلى الدعم الذي حشدته المبادرة المغربية للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.

ويشير البلاغ إلى أن أكثر من ثلثي أعضاء الأمم المتحدة، بمن فيهم أعضاء دائمون في مجلس الأمن وقوى دولية مؤثرة، يؤيدون بوضوح المبادرة المغربية باعتبارها الإطار الوحيد لحل هذا النزاع الإقليمي.

وتكتسب هذه الإشارة أهميتها من التحول الذي عرفته مرجعية النقاش داخل مجلس الأمن، ولا سيما القرار رقم 2797 لسنة 2025، الذي جعل مقترح الحكم الذاتي المغربي أساساً للمفاوضات الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي.

وهنا تبرز الرسالة المركزية: المغرب لا يقدم المرحلة المقبلة باعتبارها تراجعاً عن مبادرة الحكم الذاتي، بل باعتبارها استمراراً للدينامية الدبلوماسية الرامية إلى تثبيت هذا المقترح في صلب أي تسوية سياسية مقبلة.

وبالتالي، فإن الحديث عن احتمال سحب المغرب لمبادرة الحكم الذاتي بسبب عدم تجديد المينورسو لا يجد ما يسنده في البلاغ الملكي؛ بل إن مضمون البلاغ يؤكد العكس، من خلال التشديد على مواصلة حشد الدعم الدولي للمبادرة.

ومن منظور الرباط، لم تعد الأولوية هي إعادة إنتاج النقاش نفسه حول آليات قديمة، وإنما توسيع دائرة الدول الداعمة للمقترح المغربي، والعمل على تحويل هذا الدعم إلى أرضية عملية لتسوية سياسية نهائية.

خامساً: وقف إطلاق النار والأمن الوطني… ثوابت لا تتغير

في خضم الحديث عن نهاية مرحلة المينورسو، يبرز تأكيد البلاغ الملكي على تمسك المغرب بوقف إطلاق النار، واحترام سلامة ووحدة أراضيه وأمنه الوطني وطمأنينة مواطنيه.

وهذه الإشارة ليست تفصيلاً بروتوكولياً، بل تحمل رسالة أمنية مهمة مفادها أن الانتقال إلى مرحلة جديدة لا يعني التخلي عن متطلبات الاستقرار أو فتح المجال أمام أي تصعيد ميداني.

فبعثة المينورسو كانت تؤدي، إلى جانب مهامها التاريخية المرتبطة بالاستفتاء، أدواراً في مراقبة الوضع العسكري والتواصل بين الأطراف والمساهمة في خفض التوتر.

ومن ثم، فإن انتهاء ولايتها يطرح تحديات عملية تتعلق بمستقبل آليات المراقبة والتواصل والتحقق من التطورات الميدانية.

كما أن انتهاء التفويض لا يعني تلقائياً اختفاء المنطقة العازلة، أو إلغاء الترتيبات العسكرية القائمة، أو انتقال صلاحيات المراقبة الأممية إلى القوات المغربية. فهذه مسائل مختلفة تحتاج إلى معالجة قانونية وأمنية مستقلة.

وبالنسبة للمغرب، فإن الحفاظ على وقف إطلاق النار والاستقرار في الأقاليم الجنوبية يظل جزءاً من ثوابت التعامل مع المرحلة المقبلة.

سادساً: رسالة إلى الأطراف الأخرى وإلى المجتمع الدولي

لا يخلو البلاغ الملكي من رسالة سياسية موجهة إلى الأطراف الأخرى، حين يتحدث عن المماطلة وإدامة الوضع القائم، ويؤكد أن المسار السياسي الأممي اتسم بغياب التقدم المطلوب.

وتحمل هذه اللغة دلالة على أن المغرب يعتبر أن استمرار الصيغة السابقة لم يعد يخدم الوصول إلى تسوية، وأن المرحلة المقبلة ينبغي أن تنطلق من واقع دبلوماسي جديد.

وفي هذا السياق، يأتي الموقف الجزائري المعبر عن الأسف لعدم تجديد ولاية المينورسو، والذي انتقد مشروع القرار الأمريكي بسبب ما وصفه بالانحياز للمغرب وإضعاف خيار الاستفتاء.

ويكشف هذا التباين عن استمرار الاختلاف الجوهري بين التصور المغربي الذي يجعل الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أساساً للحل، والتصور الجزائري الذي يتمسك بمرجعية تقرير المصير والاستفتاء.

لكن ما يلفت الانتباه هو أن النقاش لم يعد يدور فقط حول تمديد بعثة أممية، بل أصبح يتعلق أيضاً بشكل التسوية السياسية المقبلة، وطبيعة المرجعية التي ستؤطر المفاوضات، وحدود الدور الذي ينبغي أن تضطلع به المؤسسات الدولية.

تداعيات القرار: ماذا ينتظر المغرب في المرحلة المقبلة؟

يمكن تحديد أبرز التداعيات المحتملة في أربعة مستويات مترابطة:

1. على المستوى الدبلوماسي: سيواصل المغرب العمل على توسيع قاعدة الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي، والسعي إلى ترجمة المواقف السياسية المؤيدة إلى مواقف عملية داخل المؤسسات الدولية وفي العلاقات الثنائية.

2. على المستوى الأممي: سيبقى السؤال مطروحاً بشأن مستقبل إدراج الملف في جدول أعمال مجلس الأمن، ودور المبعوث الشخصي للأمين العام، وإمكانية ظهور صيغة جديدة للتعامل مع النزاع.

3. على المستوى الأمني: ستبرز الحاجة إلى ترتيبات واضحة بشأن مراقبة وقف إطلاق النار وخفض التوتر، تفادياً لأي سوء تقدير ميداني في ظل غياب البعثة بصيغتها السابقة.

4. على المستوى الإقليمي: ستظل العلاقات المغربية الجزائرية عاملاً أساسياً في مستقبل الاستقرار بالمنطقة، خصوصاً أن استمرار الخلاف حول الصحراء ينعكس على فرص التعاون المغاربي والأمن الإقليمي.

خاتمة: نهاية نموذج التدبير وبداية اختبار التسوية

إن بلاغ الديوان الملكي ليوم 30 أكتوبر 2026 يمثل إعلاناً سياسياً عن نهاية مرحلة طويلة من التعاطي مع ملف الصحراء عبر نموذج المينورسو بصيغته التاريخية، كما يعكس رغبة المغرب في إعادة توجيه المسار نحو مقاربة تتمحور حول مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.

غير أن الأهمية الحقيقية لهذا التطور لن تقاس فقط بانتهاء وجود البعثة أو بتوقف الاجتماعات الدورية، وإنما بمدى قدرة الدبلوماسية المغربية على تحويل المكتسبات الدولية إلى تسوية سياسية مستدامة، وبقدرة الأطراف المعنية على الانتقال من منطق إدارة الخلاف إلى منطق البحث عن حل.

لقد تغيرت معطيات كثيرة منذ سنة 1991، وتغيرت معها طبيعة النقاش الدولي حول الصحراء. أما التحدي المطروح اليوم، فهو ضمان أن تكون المرحلة المقبلة أكثر وضوحاً وفعالية، وأن تترجم الدينامية الدبلوماسية إلى استقرار وتنمية وآفاق مستقبلية لسكان الأقاليم الجنوبية.

المغرب في صحرائه، والصحراء في مغربها؛ وبين ثوابت الوحدة الترابية والتحولات الدبلوماسية، تظل المملكة متمسكة بمسارها السياسي ومبادرتها للحكم الذاتي باعتبارها الإطار الذي تدافع عنه من أجل تسوية نهائية للنزاع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *