مرحلة ما بعد المينورسو: نحو إعادة تشكيل المقاربة القانونية والأمنية

تدخل قضية الصحراء المغربية مرحلة جديدة من التحولات السياسية والدبلوماسية في ظل المستجدات التي شهدها مجلس الأمن الدولي بشأن مستقبل بعثة الأمم المتحدة في الصحراء، وما رافق ذلك من نقاش متجدد حول طبيعة المسار الأممي وآليات تدبير هذا النزاع الإقليمي الذي طال أمده وطالت معه معاناة المحتجزين في مخيمات تندوف على التراب الجزائري .
هذه التحولات اليوم تفرض وفق قراءة استراتيجية إعادة تقييم عدد من المقاربات التقليدية، والانتقال نحو تصور أكثر شمولية يجمع بين الترافع الدبلوماسي والتحرك القانوني وتعزيز المنظومة الأمنية.
وفي هذا الصدد يأتي بيان المرصد الوطني للدراسات الاستراتيجية بشأن مراجعة المقاربة الأمنية والقانونية تجاه جبهة البوليساريو ليطرح مجموعة من الأسئلة المرتبطة بمسؤوليات الأطراف الإقليمية، ومستقبل الترتيبات الأمنية وكذا السبل الكفيلة بحماية الاستقرار الإقليمي.
وتبرز أهمية هذا البيان في كونه يدعو إلى نقل النقاش من حدود التفاعلات السياسية والدبلوماسية إلى فضاء المؤسسات التشريعية والقانونية مع التركيز على دور الجزائر ومسؤوليتها في استمرار النزاع(طرف من الدرجة الأولى عكس ما يروجون له )باعتبارها طرفا رئيسيافي احتضان ودعم الجبهة سياسيا ولوجستيا وعسكريا( وهذا هو الخطير في الأمر تدعم الانفصال في بلد جار و شقيق ) .
وتشكل الدعوة إلى دراسة إمكانية تصنيف البوليساريو منظمة إرهابية- وهو ما تحدثنا عنه قبل سنوات قبل حتى عملية الكركرات- إحدى أبرز النقاط التي تضمنها البيان بالنظر إلى ما يمكن أن يترتب عن هذا التوجه من آثار قانونية ومؤسساتية ودبلوماسية.
غير أن الانتقال من المطالبة السياسية إلى التصنيف القانوني يقتضي إعداد ملفات موثقة تستند إلى الأدلة والوقائع واحترام المساطر التشريعية المعمول بها وطنياودوليا ،كما أن الترافع في هذا الاتجاه يستدعي توسيع النقاش داخل المؤسسات البرلمانية الدولية، ولاسيما في الولايات المتحدة والدول الحليفة لبلدنا المغرب مع التمييز بين المبادرات التشريعية المطروحة وبين القرارات التي أصبحت نافذة بالفعل.
أما على المستوى الأمني-وهو بالغ الاهمية- فإن الدعوة إلى تعزيز حماية الحدود والمجال الترابي الوطني تكتسي صبغةخاصة في ظل التحولات التي قد تترتب عن إعادة تشكيل آليات الحضور الأممي بالمنطقة.
فالمنطقة الواقعة شرق الجدار الأمني( من من أغوينيت مرورا بمجيك إلى أمهريز و تفاريتي وصولا الى بئر لحلو ) تظل جزءا من معادلة أمنية وعسكرية شديدة الحساسية، الأمر الذي يستدعي التعامل مع أي تطور ميداني وفق رؤية استراتيجية متوازنة( وهذا ما عرفت به القوات المسلحة الملكية المغربية منذ سنوات ) تراعي متطلبات الدفاع عن الأمن الوطني من جهة والالتزامات القانونية والعسكرية المرتبطة بوقف إطلاق النار من جهة ثانية .
فالمطلوب ليس فقط تعزيز الجاهزية الدفاعية، وإنما أيضا تفادي أي تصعيد( وهو مستبعد إلى حد ما )قد تكون له انعكاسات تتجاوز المجال الإقليمي المباشر.
ومن زاوية جيوسياسية أوسع فالمرحلة المقبلة تفرض إعادة النظر في طبيعة التفاعل بين المسار الأممي والتوازنات الإقليمية خصوصا أن مستقبل الاستقرار في منطقة شمال إفريقيا والساحل يرتبط بمجموعة من التحديات المتداخلةمن بينها الإرهاب العابر للحدود، والجريمة المنظمة، وشبكات التهريب، والهشاشة الأمنية في بعض المناطق الحدودية .
ولهذا فمعالجة ملف الوحدة الترابية للمملكة لا يمكن فصله عن سياق الأمن الإقليمي ولا عن ضرورة بناء تعاون دولي قائم على تحديد المسؤوليات وتعزيز آليات الوقاية والاستقرار.
وفي المقابل ينبغي ألا تختزل المقاربة الجديدة في بعدها الأمني وحده إذ تظل الدبلوماسية المغربية بمختلف امتداداتها الرسمية والبرلمانية والاقتصادية والإعلامية إحدى الأدوات الأساسية لمواكبة هذه التحولات.
كما تبرز الحاجة اليوم أكثر مما مضى إلى تعزيز دور مراكز البحث والدراسات الاستراتيجية في إعداد أوراق سياسات وملفات قانونية وأمنية موثقة قادرة على مخاطبة المؤسسات الدولية ومراكز التأثير وصناع القرار بلغة الحجة والمعرفة بعيدا عن العاطفة أو المزايدات.
إن التحدي الحقيقي في المرحلة المقبلة يتمثل في القدرة على تحويل التحولات الدبلوماسية إلى رؤية مؤسساتية متكاملة تجمع بين حماية الأمن الوطني، وتثبيت المكتسبات الدبلوماسية ثم تعزيز الحضور المغربي في النقاش الدولي. فالمقاربة الاستراتيجية المستدامة لا تقوم على ردود الفعل الآنية فقط ، بل على استباق التحولات وبناء الأدلة، وتطوير الأدوات القانونية والدبلوماسية، بما يضمن التعامل المسؤول مع مختلف السيناريوهات المحتملة.
ختاما فبيان المرصد الوطني للدراسات الاستراتيجية يفتح نقاشا يتجاوز حدود اللحظة السياسية الراهنة ليطرح سؤالا جوهريا حول طبيعة الأدوات التي ينبغي أن تؤطر المرحلة المقبلة من تدبير ملف الصحراء المغربية وهي مرحلة تستدعي تكاملا بين المؤسسات الرسمية والبرلمان ومراكز البحث والفاعلين الإعلاميين والحقوقيين(وهنا يجب أن يظهر كل كل فاعل من هؤلاء و يكونوا قادرين على تحمل المسؤولية الملقاة على أعناقهم كل بصفته وموقعه) في إطار رؤية وطنية تستند إلى المعرفة والوثائق والالتزامات الدولية، وتجعل من الأمن والاستقرار والتنمية مرتكزات أساسية لأي تصور مستقبلي للمنطقة.
اترك تعليقاً