وجهة نظر

أكاديمية المملكة بين الشرعية السياسية والاشعاع الدولي

محمد شقير

تعد أكاديمية المملكة المغربية من أبرز المؤسسات العلمية والفكرية بالمغرب، وهي ليست مجرد مؤسسة للبحث الأكاديمي، بل فضاء يجمع نخبة من المفكرين والعلماء والدبلوماسيين والباحثين المغاربة والأجانب، وتضطلع بدور في تعزيز الإشعاع الحضاري والثقافي للمملكة. حيث تضم هذه الأكاديمية، وفق هيكلتها القانونية الجديدة، 60 عضوا أساسيا موزعين على فئتين : الأعضاءالمقيمون، من الجنسية المغربية وعددهم30 عضوا والأعضاء المشاركون، من جنسيات أجنبية مختلفة وعددهم حوالي 30عضوا. كما أن هناك أيضا أعضاء شرفيون، وهي صفة اعتبارية مستقلة عن فئتي العضوية الأساسيتين . لكن لا يمكن فهم تأسيس أكاديمية المملكة المغربية سنة 1977 باعتباره مجرد مبادرة علمية وثقافية، بل يمكن دراسته أيضاً في سياق بناء الدولة المغربية بعد الاستقلال، وترسيخ شرعيتها الرمزية، وإعادة تنظيم العلاقة بين السلطة والمعرفة والهوية الوطنية في عهد الملك الحسن الثاني. فقد تأسست هذه الأكاديمية بموجب الظهير الشريف بمثابة قانون رقم 1.77.229 الصادر في 8 أكتوبر 1977، بينما انعقدت دورتها الافتتاحية بمدينة فاس في 21 أبريل 1980. حيث أُسندت إليها مهام واسعة تشمل البحث العلمي والفكري، والتاريخ، والفلسفة، والآداب، والاقتصاد، والحضارة، واستقبال شخصيات علمية من جنسيات مختلفة.

أولاً: السياق السياسي والمؤسساتي لانشاء الاكاديمية الملكية

خلال العقود الأولى للاستقلال، لم يقتصر بناء الدولة المغربية على إنشاء المؤسسات الإدارية والسياسية، بل شمل أيضاً بناء مؤسسات مرجعية في الثقافة والفكر. ويمكن النظر إلى الأكاديمية الملكية باعتبارها جزءاً من هذا المسار، من خلال إحداث مؤسسة وطنية عليا تجمع النخب العلمية والفكرية وتمنح المعرفة مكانة مؤسساتية ضمن مشروع الدولة. فقد جاء تأسيس الأكاديمية في مرحلة اتسمت بتوترات سياسية ومؤسساتية، وبإعادة تشكيل العلاقة بين المؤسسة الملكية والمعارضة الحزبية، ولا سيما بعد أحداث 1971 و1972، وفي سياق الاستعدادات السياسية التي رافقت الانتخابات التشريعية لسنة 1977. وفي هذا الإطار، يمكن قراءة إنشاء الأكاديمية باعتباره جزءاً من توسيع أدوات الدولة المؤسسية خارج المجال الحزبي المباشر، مع ضرورة عدم اختزال تأسيسها في رد فعل على الصراع السياسي؛ فقد كانت أهدافها الرسمية تتجاوز هذا البعد. حيث شكلت محاولتي الانقلاب العسكري في الصخيرات سنة 1971 والهجوم على الطائرة الملكية سنة 1972 منعطفاً في علاقة المؤسسة الملكية بمؤسسات الدولة والنخب السياسية والعسكرية. كما تزامنت المرحلة مع توترات اجتماعية وسياسية، وتراجع الثقة في بعض آليات تدبير الحياة العامة. كما أنه بعد المسيرة الخضراء سنة 1975، أصبحت قضية الصحراء محوراً أساسياً في الخطاب السياسي الوطني، وعنصراً مهماً في إعادة تعبئة المجتمع حول قضية السيادة والوحدة الترابية، حيث ساهمت هذه القضية في إعادة ترتيب العلاقة بين القصر وعدد من أحزاب المعارضة. فبينما تُبنى الوحدة الوطنية عبر المؤسسات السياسية والترابية، يمكن أن تتعزز أيضاً عبر مؤسسات تنتج المعرفة بشأن تاريخ البلاد وحضارتها وموقعها بين الأمم. وبالتالي ، فإن تأسيس أكاديمية المملكة المغربية سنة 1977 يندرج ضمن مرحلة إعادة بناء الدولة المغربية وترسيخ مؤسساتها في سياق سياسي اتسم بتداعيات محاولتي الانقلاب، وإعادة تنظيم العلاقة بين المؤسسة الملكية والأحزاب السياسية، وتصاعد مركزية قضية الصحراء في الحياة الوطنية. وقد أتاح إحداث الأكاديمية الجمع بين وظيفة علمية تتمثل في تطوير البحث والفكر، ووظيفة حضارية تتمثل في إبراز الهوية التاريخية للمغرب، ووظيفة رمزية يمكن أن تسهم في تعزيز مكانة الدولة والمؤسسة الملكية باعتبارهما راعيتين للعلم والثقافة.ولذلك، فإن أهمية الأكاديمية لا تكمن فقط في إنتاج المعرفة، بل أيضاً في موقعها داخل العلاقة بين السلطة والمعرفة والهوية الوطنية، وهي علاقة تستحق الدراسة من خلال النص المؤسس للأكاديمية، وخطاب الملك الحسن الثاني في افتتاح دورتها سنة 1980، وطبيعة الشخصيات المغربية والأجنبية التي استقطبتها. فقد أكد الخطاب الملك الحسن الثاني بمناسبة افتتاح أكاديمية المملكة المغربية يوم 21 أبريل 1980،على مقومات أساسية استند عليها في هذا التأسيس والتي يتمثل أبرزها فيما يلي :

تحقيق رغبة شخصية لملك مثقف وموسوعي ظهر من خلال عبارات الخطاب التالية :” يمتلئ قلبنا في هذه اللحظة المشهودة من تاريخنا، بشعور فياض، تلتقي فيه المسرة والاعتزاز. ذلك أن الله يحقق لنا في هذه الآونة السعيدة الميمونة أمنية غالية من أمانينا، وحلماً عزيزاً من أحلامنا، فطالما تطلعت نفسنا إلى يوم يعلو فوق أرضنا بنيان يكتسب شموخه ممن يجتمع في رحابه من أقطاب الفكر، وأساطين المعرفة، وأئمة البيان، وبناة الحضارة.” حيث عكس ذلك ما درج عليه السلاطين المغاربة بأن يشمل محيطهم نخبا فكرية وقامات ثقافية متنوعة.

-استقطاب نخب فكرية وعلمية عالمية ، عكسته بعض فقرات هذا الخطاب الملكي من خلال ما يلي : “وقد كان حرصنا شديداً على أن تحتضن الأكاديمية رجالاً يفدون من آفاق متباينة، وينتمون إلى أجناس مختلفة، وينتسبون إلى ثقافات وحضارات متغايرة، ويمتازون كلهم بالصيت البعيد، والشهرة الواسعة، والتجربة الوافرة، والحكمة البالغة. من تباشير اليمن أن يسر الله ما إليه قصدنا، وعليه حرصنا، فلبى دعوة الانتساب إلى أكاديميتنا نخبة من قادة الفكر، وصفوة من جهابذة العلماء، وأكابر الأدباء والشعراء. ..”.

– تكريس المملكة كمركز ثقافي وعلمي إقليمي ودولي ، الشيء الذي عبرت عنه بعض مضامين هذا الخطاب كما يلي ” لقد انطلقنا في تحديد غايات أكاديميتنا، وتشكيلها على نحو غير معهود، من منطلق موقع المغرب الجغرافي، وهو موقع أراد الله أن يكون في مفترق قارات، فرسم وجهة المغرب التاريخية، وفرض على بلادنا أن تقوم باستمرار بدور أداة للربط والاتصال والتأليف بين الشعوب والحضارات.وإذا كنا قد أثرنا أن نلتقي في رحاب أكاديميتنا أقطاباً يردون من جهات متباعدة، فإن مرد ذلك إلى أن جهود بلادنا وحدها لا تؤدي إلى أغراضنا المنشودة، ولا تحقق مطامحنا المقصودة. ولذا فقد ألحت علينا الرغبة في مد مؤسستنا بأبعاد تجعل منها مستردا فسيحاً، تتضافر في رحابه جهود سامية، لا للتباحث والتداول في شؤون فكرية وعلمية فحسب، ولكن لإيجاد ذلك التقارب وذلك التفاهم الخليقين بالاتساع والامتداد.فالأمل معقود بأكاديمية المملكة المغربية، الجامعة لألوان من التفكير، وأصناف من الإحساس، وأفانين من التخصص والعرفان، أن تطوي المسافات، وتوثق أواصر الاتصال والتعارف بين مفكرين وحماة للفكر يتمسكون بقيم روحية واحدة، وإن اختلفت العقائد والأديان، ويهتمون اهتماماً مشتركاً بكل ما يستحث خطى الحضارة، ويؤمن المصير الآمن المشرق للإنسان.”

– خلق قطب للاستقرار الفكري والروحي حيث تضمن الخطاب الملكي بهذا الصدد ما يلي : “إن الظروف التي تجتازها حياة البشر ظروف عسيرة عصيبة، بما يتلاحق من مشاكل، ويتفجر من أزمات، ويتجهم الخلق من سحاب، ويتطاول للمادة من نفوذ، ويتضاءل من جاه للروح وسلطان، ويشيع في النفوس من قلق وخوف، ويتوالى على الألسنة والقلوب من أسئلة لا يطرحها التفاؤل والاستبشار. وما أشد حاجة الإنسان، والظروف التي تحيط به، إلى نصيب من الدعة، ونصيب وافر من التفكير، مما يعيد البشاشة ويفيض الانشراح، ويرد عازب الأمل.فإذا كتب الله لهذه الأكاديمية ـ والظن بالله جميل ـ أن تعين على حث ركب الحضارة، ونشر الطمأنينة، وبعث الأمل، فإن الأعضاء المتآزرين في هذه المؤسسة، أرباب الفكر السامي وأصحاب القلب الطافح بالخير، سينيرون في هذا الزمن المتبدل المتحول سبيل ولوج العهد الجديد، ويساعدون على حمل الأمانة الربانية الملقاة على عاتق الإنسان.”

ثانيا -الاكاديمية الملكية وتوظيف الرأسمال التاريخي والحضاري للمغرب

أتاح تأسيس الأكاديمية الملكية إبراز المغرب بوصفه دولة ذات امتداد تاريخي وعلمي وثقافي، لا مجرد دولة حديثة التكوين. كما ربط بين شرعية الدولة الحديثة وموروث حضاري يضم التراث الإسلامي والعربي والأمازيغي والأندلسي، بما يعزز استمرارية الدولة في الوعي الجماعي. ووفق هذا المنظور، يمكن وضع إنشاء الأكاديمية ضمن مسار أوسع لتدعيم الدولة عبر مؤسسات ذات طابع علمي وثقافي ورمزي، إلى جانب المؤسسات السياسية والإدارية. وفي هذا السياق، أمكن للأكاديمية أن تؤدي وظيفة ثقافية موازية، تتمثل في إبراز العمق التاريخي والحضاري للمغرب، وتقديم المعرفة التاريخية والثقافية بوصفها أحد مرتكزات الهوية الوطنية. وهكذا تساهم أكاديمية المملكة في ترسيخ العمق التاريخي والحضاري للمغرب من خلال تحويل التاريخ من مجرد ذاكرة موروثة إلى معرفة علمية مؤسساتية، وهوية وطنية يجري توثيق مكوناتها وإعادة قراءتها، ورصيد حضاري يقدم إلى العالم.

1. ترسيخ الاستمرارية التاريخية للدولة المغربية

فقد أُحدثت الاكاديمية لتكون مؤسسة مرجعية متعددة التخصصات، تجمع الباحثين والمفكرين المغاربة والأجانب. حيث تسمح هذه الوظيفة بقراءة التاريخ المغربي باعتباره مساراً ممتداً، لا يبدأ مع الاستقلال سنة 1956، ولا يقتصر على تاريخ الدولة الحديثة. بل يشمل تعاقب الدول والسلالات، وتطور المؤسسات السياسية والدينية والعلمية، وعلاقات المغرب بمحيطه الإفريقي والأندلسي والمتوسطي.وهنا تبرز دلالة سياسية مهمة من خلال تقديم الدولة المغربية باعتبارها كياناً تاريخياً راكم مؤسسات وذاكرة وتجارب حضارية عبر قرون، مع مراعاة التحولات والانقطاعات التي عرفها هذا المسار.

2. توثيق تعدد مكونات الهوية المغربية

لا يقتصر العمق الحضاري على طول عمر الدولة، بل يشمل أيضاً تعدد الروافد التي أسهمت في تشكيل المجتمع المغربي.وقد أكدت الرسالة الملكية الموجهة إلى أعضاء الأكاديمية بمناسبة افتتاح دورتها في إطار هيكلتها الجديدة على مكونات الهوية الوطنية العربية الإسلامية والأمازيغية والصحراوية الحسانية، وروافدها الإفريقية والأندلسية والعبرية والمتوسطية. وتكمن أهمية هذا التصور في أنه يقدم الهوية المغربية باعتبارها حصيلة تفاعل تاريخي بين مكونات متعددة، وليس باعتبارها هوية أحادية المصدر. حيث يمكن للأكاديمية أن تساهم في ترسيخ هذا التصور عبر:

– دعم الدراسات المتعلقة بتاريخ المكونات الثقافية واللغوية للمغرب.

– إبراز مساهمة العلماء والمفكرين المغاربة في الحضارة الإنسانية.

– دراسة التفاعلات التاريخية بين المغرب وإفريقيا والأندلس والفضاء المتوسطي.

– تشجيع الترجمة والنشر العلمي، بما يسمح بتداول المعرفة بتاريخ المغرب بلغات متعددة.

3. تحويل الذاكرة التاريخية إلى معرفة مؤسساتية

تتجلى هذه الوظيفة بصورة خاصة في المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب، الذي أُدمج ضمن البنية الجديدة للأكاديمية في إطار إعادة تنظيمها سنة 2021. فمن مهامه تطوير المعرفة بتاريخ المغرب، وتنمية الدراسات التاريخية، ودعم الأرشيف والرصيد الوثائقي، وإعداد منشورات موجهة إلى الأطفال والشباب والمغاربة المقيمين بالخارج. كما يهدف إلى ترسيخ الهوية وتأصيل الذاكرة الجماعية مع الانفتاح على مختلف الأطراف التي تفاعلت مع الشخصية المغربية عبر العصور. وهذا مهم لأن الذاكرة الوطنية لا ترسخ بمجرد الاحتفال بالماضي، وإنما من خلال جمع الوثائق، وفحص المصادر، ونشر الدراسات، وإتاحة المعرفة للأجيال الجديدة.

4. بناء صورة المغرب بوصفه جسراً بين الحضارات

لم تُحصر أهداف الأكاديمية في دراسة التراث الوطني؛ فقد شملت أيضاً استقبال مفكرين وعلماء من جنسيات مختلفة، وإقامة حوار بين الثقافات، والبحث في قضايا تهم الإنسانية. ويمكن فهم هذا الاختيار باعتباره امتداداً لتوجه يرمي إلى تعزيز مكانة المغرب الدولية من خلال الدبلوماسية الثقافية، وإبراز قدرته على الجمع بين مرجعيته الحضارية وانفتاحه على المعرفة العالمية.

ثالثاً: الأكاديمية كآلية للشرعية الملكية

التقليد السلطاني القديمأكاديمية المملكة المغربية
تقريب العلماء والأدباء من السلطانجمع العلماء والمفكرين في مؤسسة أكاديمية
مجالس ترتبط بالبلاط وشخص الحاكمإطار مؤسساتي تحكمه نصوص قانونية
حضور قوي للفقه والأدب والتاريخ،تعدد التخصصات العلمية والفكرية
إبراز مكانة السلطان والدولة عبر الثقافةتعزيز البحث العلمي والإشعاع الحضاري للمغرب
علاقات علمية يغلب عليها الإطار المحلي أو الإقليميانفتاح مؤسساتي على شخصيات من جنسيات متعددة

عرف تاريخ المغرب تقليداً تمثل في تقريب العلماء والفقهاء والأدباء والشعراء من البلاط السلطاني، والاستفادة من معارفهم في مجالات الدين والسياسة والأدب والتاريخ. ولم تكن هذه العلاقة ثقافية محضة؛ فقد ارتبطت أيضاً بمكانة العالم في المجتمع، وبحاجة السلطان إلى المشورة وإضفاء الشرعية على الحكم. وهكذا يظهر التحول الأساسي في الانتقال من رعاية العلماء والأدباء في إطار البلاط ومجالسه إلى مؤسسة أكاديمية منظمة قانونياً، متعددة الاختصاصات، تضم أعضاء مغاربة وأجانب. فقد نص الظهير المؤسس للأكاديمية على تعزيز البحث والتفكير في مجالات تشمل الفلسفة والتاريخ والآداب والفنون والعلوم والاقتصاد والدبلوماسية وغيرها، إلى جانب تشجيع التعاون بين الباحثين واستقبال شخصيات علمية من بلدان مختلفة. حيث يمكن تلخيص هذا التحول في الجدول التالي:

وبالتالي ، فهذا الجدول يوضح اتجاهاً عاماً، لا قطيعة كاملة بين النموذجين؛ فالمؤسسات الأكاديمية الحديثة تختلف عن المجالس السلطانية القديمة في بنيتها ووظائفها، رغم إمكان وجود استمرارية في منطق رعاية المعرفة. وبالتالي فيمكن القول بأن الأكاديمية كانت وسيلة لترسيخ الشرعية الملكية من خلال ثلاثة أبعاد مترابطة:

أولاً: البعد الرمزي من خلال رعاية المؤسسة الملكية لمؤسسة علمية عليا تستحضر صورة الملك الراعي للعلم والعلماء، وتربط الحكم بتاريخ طويل من الاهتمام بالمعرفة والثقافة.

ثانياً: البعد السياسي ، حيث أن جمع شخصيات فكرية وعلمية ذات مكانة وطنية ودولية داخل مؤسسة تحظى بالحماية الملكية يتيح بناء فضاء للتفاعل بين الدولة والنخب خارج القنوات الحزبية والانتخابية المعتادة. لكن لا ينبغي اعتبار ذلك دليلاً كافياً على أن الأكاديمية أنشئت بغرض احتواء النخب أو توجيهها سياسياً. فقد عرفت وظيفة الأكاديمية خلال عهد الملك محمد السادس تطورا ملحوظا ، خاصة مع إعادة تنظيمها بموجب القانون رقم 74.19، وإعطائها هندسة مؤسساتية جديدة وتوسيع مجال اشتغالها ليشمل قضايا المعرفة والتحولات المعاصرة والتفاعل مع التجارب الدولية.. حيث انعكس ذلك من خلال :

– إحداث المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب ضمن البنية الجديدة للأكاديمية.

– إنشاء الهيئة الأكاديمية العليا للترجمة.

– إحداث المعهد الأكاديمي للفنون.

– إنشاء مؤسسة الأكاديمية للتعاون الثقافي.

وفي هذا السياق أكد الملك محمد السادس في رسالته إلى أعضاء الأكاديمية بمناسبة افتتاح دورتها الأولى في صيغتها الجديدة، سنة 2023، ضرورة الجمع بين الحفاظ على الهوية الوطنية والانفتاح على التجارب الثقافية الدولية.

رابعا : الأكاديمية كآلية للاشعاع الدولي والحضاري

شدد الملك الحسن الثاني في خطابه الافتتاحي للاكاديمية سنة 1980، على موقع المغرب باعتباره ملتقى للقارات والحضارات، وعلى ضرورة جمع مفكرين من خلفيات مختلفة لتحقيق التقارب والتفاهم. ويتوافق هذا التصور مع الوظيفة الحضارية التي أسندها إلى الأكاديمية. وهكذا فقد تم الحرص منذ إنشاء الاكاديمية، بالإضافة إلى ضم بعض مكونات النخب الفكرية المحلية ، إلى استقطاب قامات فكرية ودبلوماسية مشهورة دوليا . حيث ضمت مجموعة من الأسماء من أبرزها :

– هنري كيسنجر: وزير الخارجية الأمريكي الأسبق والحائز على جائزة نوبل للسلام، وكان عضوا شرفيا.

– باسكال لامي: المدير العام السابق لمنظمة التجارة العالمية.

– عياض بن عاشور: المفكر ورجل القانون التونسي.

– عبد المجيد الشرفي: المفكر والباحث التونسي في الفكر الإسلامي.

– غسان سلامة: المفكر والدبلوماسي اللبناني.

– دانييل ريفيه: المؤرخ الفرنسي المتخصص في تاريخ المغرب العربي.

– دومينيك بورغ: الفيلسوف السويسري المتخصص في قضايا البيئة.

– مارسيل خليفة: الفنان والموسيقي اللبناني.

وقد شهدت الأكاديمية في أبريل 2026 تنصيب سبعة أعضاء جدد من دول وتخصصات مختلفة، من بينهم باسكال لامي ودومينيك بورغ ولي آنشان وستيفان فيبر. وهكذا ، فإن ضم شخصيات علمية وفكرية ودولية مرموقة إلى عضوية أكاديمية المملكة المغربية يتجاوز مجرد تكريم هذه الشخصيات أو الاستفادة من خبراتها العلمية؛ فهو يشكل آلية من آليات الدبلوماسية الثقافية والفكرية للمملكة، وأداة لتعزيز مكانتها الرمزية والحضارية على المستوى الدولي.

إذ يمكن القول أن أكاديمية المملكة لا تكتفي باستقبال المعرفة العالمية، بل تسعى أيضا إلى جعل المغرب فضاءً لإنتاج المعرفة وتبادلها، ومركزا لالتقاء النخب الفكرية والعلمية من مختلف الحضارات. فحرص المغرب على استقطاب شخصيات علمية ودولية يتغيا مجموعة من الأهداف من أبرزها:

– استثمار الرأسمال الرمزي الدولي، فعندما تضم الأكاديمية شخصيات ذات مكانة علمية أو فكرية أو دبلوماسية عالمية، فإن هذه المكانة تنعكس بصورة غير مباشرة على المؤسسة التي ينتمون إليها، وعلى البلد الذي يحتضنها.

– تعزيز الدبلوماسية الموازية حيث تتيح العضوية بناء علاقات مستمرة مع شخصيات مؤثرة في الجامعات ومراكز البحث والمؤسسات الدولية، خارج القنوات الدبلوماسية التقليدية.

– تدويل صورة المغرب حيث يصبح المغرب حاضرا في النقاشات الفكرية والعلمية العالمية، ليس باعتباره موضوعا للدراسة فقط، وإنما باعتباره فضاء يحتضن الحوار وإنتاج الأفكار.

– تطوير المعرفة الوطنية، حيث تتيح هذه العضوية نقل الخبرات والتجارب الدولية إلى الباحثين المغاربة، وتعزيز التعاون بين المؤسسات الأكاديمية والجامعات ومراكز البحث.

-. إبراز التعدد الحضاري: حيث يعكس تنوع الجنسيات والتخصصات انفتاح المغرب على مختلف المدارس الفكرية والحضارات والثقافات.

وبالتالي ، فكل ذلك له انعكاس على السمعة الخارجية للمملكة ، حيث يمكن رصد هذا الانعكاس في خمسة مستويات:

1. الانتقال من الدبلوماسية السياسية إلى الدبلوماسية المعرفية، فالمغرب لا يكتفي ببناء علاقاته الخارجية عبر السفارات والاتفاقيات والزيارات الرسمية، وإنما يفتح مجالا للتواصل مع النخب الفكرية والعلمية العالمية. وهذا يمنحه نوعا من الحضور الدولي القائم على المعرفة والثقافة.

2. اكتساب الاعتراف من خلال استقطاب النخب الدولية، حيث أن وجود شخصيات مثل هنري كيسنجر، وليوبولد سيدار سنغور، وباسكال لامي، وغسان سلامة، ضمن الأسماء المرتبطة بعضوية الأكاديمية، يعكس قدرتها على استقطاب شخصيات ذات إشعاع دولي في مجالات السياسة والفكر والاقتصاد والثقافة.

3. تقديم المغرب باعتباره فضاء للحوار بين الحضارات حيث تتيح تعددية جنسيات الأعضاء وتخصصاتهم بناء جسور بين الفضاءات العربية والإفريقية والأوروبية والآسيوية والأمريكية. وهذا يتوافق مع توجه الأكاديمية المعلن نحو تعزيز قيم التفاهم والحوار بين الثقافات والحضارات.

4. تعزيز القوة الناعمة للمملكة ، فالقوة الناعمة لا تتحقق فقط عبر الانتشار الإعلامي أو الثقافي، وإنما أيضا عبر قدرة الدولة على جذب النخب الدولية، وإقناعها بالمشاركة في مؤسساتها العلمية، وتحويل هذه المشاركة إلى علاقات وتعاون وإنتاج فكري مشترك.

5. تعزيز صورة المغرب كدولة ذات عمق تاريخي ومؤسساتي، فاستمرار الأكاديمية منذ تأسيسها سنة 1977، وتجديد بنيتها سنة 2021، يؤكد أن رعاية الفكر والعلم ليست مبادرة ظرفية، وإنما جزء من توجه مؤسساتي ممتد.

وبالتالي ، فإن تأسيس أكاديمية المملكة المغربية سنة 1977 يمثل، من منظور تاريخي-سياسي، شكلاً من أشكال استمرارية تقليد الرعاية السلطانية للعلماء والمفكرين والأدباء بالمغرب. غير أن هذه الاستمرارية لم تتخذ صورة استنساخ مجالس السلاطين القديمة، بل تجسدت في مؤسسة حديثة ذات شخصية قانونية واستقلال مالي واختصاصات متعددة، تسعى إلى إنتاج المعرفة وتعزيز الإشعاع الثقافي للمملكة.وبذلك، يمكن النظر إلى الأكاديمية باعتبارها فضاءً تتقاطع فيه ثلاث وظائف: رعاية المعرفة، وترسيخ الذاكرة الحضارية للدولة، وتعزيز الشرعية الرمزية للمؤسسة الملكية. بل إن الأكاديمية قد ساهمت أيضا في توسيع مجال إنتاج الشرعية الرمزية للدولة: فإلى جانب الشرعية التاريخية والدينية للمؤسسة الملكية، هناك شرعية تستند إلى رعاية العلم والثقافة والحوار الحضاري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *