العلام يكتب: الأغلبية الصامتة أصل الداء
https://al3omk.com/133701.html

العلام يكتب: الأغلبية الصامتة أصل الداء

كثيرا ما نذهب في انتقاداتنا نحو منحى التركيز على السلطة السياسية، ونستفيض في إبراز مثالبها وسلبياتها. لكننا نغفو عن التطرق لما يصطلح عليه ب «الأغلبية الصامتة» والتي لا هي مع العير ولا هي مع النفير، إذا ما أردنا توظيف هذا المثل القديم. فهذه الأغلبية، وهي بالفعل أغلبية قياسا على الأقلية الفاعلة في المجتمع (سلبا أو إيجابا)، مستغرقة في سباتها، مكتفية بالتفرج على ما يحدث، إن تفرجت، تراقب عن بعد، إن راقبت، شعارها الخالد «لا أرى لا أسمع». ولكنها في نفس الوقت تئن في صمت، وتشكو في معزل عن الشأن العام. يجمع بينها قاسم مشترك من سماته لعنة الظلام وانتقاد الكل بما في ذلك نقد الذات، دون تحريك ساكن أو إشعال شمعة. وانتظار الضرر الشخصي والمباشر من أجل التحرك إن تحركت ورب قائل: إن الأغلبية الصامتة على درجة كبيرة من الوعي؟ أو ماذا عساها أن تفعل في ظل سيادة العبث السياسي وضبابية الموقف؟

وإذ لا ننفي عن هذه الأغلبية وعيها (رغم أن لسانها الدارج غالبا ما يتسلط على الشعب ويتهمه بالتخلف وعدم استحقاقه الديمقراطية)، فإن المؤكد هو أن الأفق مفتوح أمام هذه الفئة العريضة من الشعب، فقط عليها أن تهجر الرصيف وتنخرط في عمق الأحداث.

فهذه الأغلبية الصامتة، جزء منها لا يشارك في الحياة السياسية والمدنية؛ والجزء الثاني لا يشارك إلا خلال فترات محددة وبما يخدم مصلحته الضيقة واللحظية (لا يغير من الوضع بعض الحراكات ذات الصبغة الفئوية التي إن اشتعلت في هذا الحي أو تلك المدينة خذلتها باقي الأحياء وباقي المدن والعكس بالعكس، وكأننا بالمواطن ينتظر أن يتضرر هو شخصيا وبشكل مباشر حتى يستيقظ من سباته)؛ أما الجزء الثالث فيكره كل ما يرمز إلى الشأن العام أو له علاقة بالمجتمعين المدني والسياسي. غير أن الجامع بين هذه الأجزاء هو عدم الرضى على كل شيء، فهي ترفض الأحزاب السياسية الحكومية، وتمقت أحزاب المعارضة، ولاتعرف الكثير عن الأحزاب والجماعات الجذرية. وفي كثير من الحالات ترفض حتى بعض الاحتجاجات الفئوية المنبثقة عن ذات الأغلبية.

وكما يقول «بول فاليري» فإن «كل سلطة تميل إلى التسلط، لذلك فهي تتطلب مواطنين واعين، مشاركين، يتعاطون دائمًا الشأن العام. ويصبح أي موضوع ميؤوس منه بشكل مطلق في حالة واحدة: عندما تستقيل الإرادة» (أنطوان مسرة: المواطنية والسلطة والعدالة). كما يجب الحذر من السياسة السياسويّة التي هي فن إلهاء الناس عن الاهتمام بأمورهم في جانبها العام. عكس السياسة بمفهومها النبيل، التي هي «فن الممكن» والاهتمام بأمور الناس والإحساس بمعاناتهم.

فعندما يقلع المواطن عن تعاطي الشأن العام والانسحاب من الحياة العامة، فإن الدكتاتورية كما عبر عن ذلك توكفيل تصبح قاب قوسين أوأدنى بالنسبة للدولة الديمقراطية، أما بالنسبة للدولة الخاضعة للحكم الاستبدادي فإن النتيجة التي يسبّبها الابتعاد عن الشأن العام هي المزيد من سنوات الاستبداد الدكتاتورية والتسلط والتحكم.

لابد إذن، من وضع كل فرد أمام مسؤولياته، فالإصلاح مرهون بمساهمة كل مواطن في بناء لبناته. فعندما يضعف المجتمع السياسي أو يتهاون أو يختبئ وراء صناديق الانتخاب ويتمسك بالشرعية التمثيلية، لابد للمجتمع المدني الحر والمواطن أن ينهض بدوره المتجلي في وضع قطار الحياة السياسية والاقتصادية على الطريق القويم.

ويمكن أن نختم بهذه الكلمات – المقتبسة من كتاب «العبودية الطوعية» الذي كتبه «إيتان دي لابويسي» سنة 1548 وهو في عمر 18 سنة – «إن الشعب الذي يستسلم بنفسه للاستعباد يعمد إلى قطع عنقه، والشعب الذي يكون حيّال خيار العبودية أو الحرية، فيدع الحرية جانباً ويأخذ نير العبودية هو الذي يرضى بالأذى، بل يسعى بالأحرى وراءه».