https://al3omk.com/135326.html

من يوميات المغترب بالعم سام : في القطار

مرت أكثر من سبع سنوات على إقامتي ببلاد العم سام، لم أكن من الذين يترددون على ركوب القطار يوميا إلا في هذه السنة، ففي بلاد العم سام قد تمر بتجارب عديدة، لذلك لابد من استغلال كل فرصة قد تعرض عليك أيها المغترب، ففي هذه السنة قدّر الله عزوجل أن أكون ممن يركبون القطار بشكل يومي، ففي كل يوم أستغرق أكثر من ساعة ونصف من البيت إلى مقر العمل، وفي يوم من أيام الأسبوع، بينما أنا جالس في مقصورة القطار وحيدا أتأمل كيف يكون حال هذه المقصورة في بداية الأسبوع وفي نهايته، كان اليوم يوم الأحد، حيث تجد أغلبية الأمريكان في هذا الصباح يخلدون للنوم العميق، بعد ليل طويل من الهرج والمرج وأنواع الخمور، أردد داخل مقصورة القطار آيات القرآن، بصوت بين الجهر والهمس، (وعباد الرحمان الذين يمشون في الأرض هونا) الآيات من سورة الفرقان، حتى تسلل بعض الركاب من الباب في محطة 18Av، ففي هذه اللحظة ترددت في إتمام الآيات بين الصمت والجهر، علما أن عدد الركاب بالمقصورة لا يتجاوز خمسة، سكت هنيهة، وبعدها تراجعت وتذكرت الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود، وقد كان لا يجرؤ قبل إسلامه أن يمر بمجلس فيه سادة وأشراف مكة، إلاّ مطأطئ الرأس، حثيث الخطى، وبعد إسلامه رفع الله من قدره وإيمانه، فذهب إلى مجمع الأسياد والأشراف عند الكعبة، ورفع صوته الجميل، بكلمات الحق سبحانه فقال: (الرحمن، علّم القرآن، خلق الإنسان، علّمه البيان، الشمس والقمر بحسبان، والنجم والشجر يسجدان)، سورة الرحمان، ثم واصل قراءة القرآن، وصناديد قريش مشدوهون، لا يصدقون ما يقع أمامهم، وأن الذي يتحدى بأسهم، وكبريائهم، إنما هو أجير عندهم، وراعي غنم لشريف من شرفائهم، عبدالله بن مسعود الفقير المغمور، (الملقب بابن أم عبد)، فضربوه حتى أغمي عليه، وما أصابه من أَذًى كان في سبيل الله.

قلت في تفسي وأنا أرتل الآيات، أين أنا منه، وهو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو قارئ القرآن، وأعلم أني إن جهرت به فلا أحد سيؤذيني من هذا القوم، وبذالك أقوم بالدعوة لديني ببلاد الأمريكان، ولعلها تكون آخر فرصة في حياتي، بعدما أنهيت قراءة الآيات من سورة الفرقان، وقد كنت حريصا على حسن الأداء بصوت يطرب من معي في المقصورة، أحسست بعيونهم تخترقني مع ابتسامة مشرقه منهم، رفعت رأسي فإذا بأحدهم ينظر إلي، فقلت له صباح الخير سيدي (good morning sir)، ورد علي بمثلها فقال: إنك تملك صوتا جميلا، تصلح أن تكون مغنيا مشهورا، نظرت إليه وأنا أتأمل في عينيه عسى أن أجد فيه القابلية لتقبل ما يمكن أن أقول، فقلت له: إن الجمال والكمال في الكلمات التي كنت أرددها وكنت تسمعها، إنها كلمات تخشع لها الجبال، إنه كلام الله عز وجل، الذي أنزله على خاتم الأنبياء للعالم كله، بينما كنت أشرح له حسب قدرتي واستطاعتي في الشرح، لاحظت مدى تقبله للكلام وتفاعل محياه مع عباراتي، وبعدها سألني قائلا: صديقي بأي لغة كنت تغني، فإني أريد أن أتعلمها حتى أغني مثلك، فقلت له: إنها لغة العالم التي سوف يتكلم بها الجميع في اليوم المعلوم عند الله، وبدأت أسترسل له في حديثي عن الإسلام، وأن طريق الخير تهدي إلى الجنة وطريق الشهوات ترسل إلى النار، وأن كل إنسان عابر سبيل في هذه الدار، وأنا مقتنع بأن الدعوة تكون بالكلمة البسيطة التي تترك أثرا طيبا في القلب، ومهمتي أن أبلغ ولو كلمة مادامت الفرصة مواتية وسهلة، وأن ذلك لن يكلفني شيئا محتسبا عملي لله عز وجل، وسائلا فيه الإخلاص والقبول، وفي حديثي معه تمنيت لو طالت المسافة حتى تحصل الفوائد الكثيرة، وقلت له إني أعبر هذه الطريق كل يوم، وأنا على استعداد تام لأغني لك كل يوم أغنية القرآن، مشيرا إلى مصحفي الذي أحمله معي.

وما إن وصل محطته، حتى انصرف ضاحكا وقال لي: ( god bless you)، أتمنى أن نلتقي في الأحد المقبل وأسألك الدعاء.

إن المسلم الرسالي يكون بمثابة المصباح، يشع نوره في كل مكان، قد لا تملك العلم الكافي للكلام عن الدين، ولا تكون لك القدرة حتى تشرح الإسلام بلغة القوم الذي هاجرت إليه، ولكن تملك الأخلاق التى تستطيع أن تسيطر بها على الأفئدة، فمن يدرس سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم يجد فيها المعين الذي لا ينضب، والكنوز التي لا تنتهي، فقد لقب صلى الله عليه وسلم بالأمين في وسط المخالفين له عقيدة ومذهبا، وكان مستودع آماناتهم ومحط ثقتهم، فكيف بك أيها المغترب ألاّ تحدو حدوه وتتبع طريقه وتنهج نهجه، وفي ذلك دعوة وأجر وعزة وكرامة، وكما كان صلى الله عليه وسلم صاحب الأخلاق الرفيعة، فقد وصفت أمنا عائشة رضي الله عنها خلقه فقالت: كان خلقه القرآن، ولقد زكى ذلك الله تعالى حيث قال: (وإنك لعلى خلق عظيم) الآية.

فأمام هذا النموذج الفريد في التربية الدعوية، يتعين على كل من سنحت له فرصة الهجرة خارج الوطن أن يكون رسولا، وأن يبلغ ما استطاع إليه سبيلا.

فاللهم تقبل كل أعمالنا وأقوالنا واجعلها خالصة لك يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم -أمين- وعلى أمل أن ألتقي بكم في مذكرة من يوميات المغترب بالعم سام، تقبلوا منى فائق الاحترام والتقدير، قرائنا الأعزاء، ودامت لكم الأفراح والمسرّات وأتمنى لكم قراءة ماتعة ممتعة.
هشام البشري

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.