https://al3omk.com/144520.html

بين تعليم نريده وتعليم يراد لنا !

تولي الأمم والشعوب أهمية كبرى للتعليم، وذلك لمركزيته في تقدم الشعوب أوتخلفها، إذ هو ركيزة التقدم و قاطرة التنمية وأساس بناء المجتمع المتحضر المنتج، وهو الذي يكفل لأي مجتمع المؤهلات الضرورية التي تمكنه من المساهمة بفعالية وإبداعية وإنتاجية في بناء التطور الحضاري والنمو والازدهار الاجتماعي، فكل الدول التي خطت خطوات كبرى في مجال التقدم والريادة لم تبني تقدمها هذا وريادتها هاته إلا حينما توسلت بالتعليم فأولته أهمية في سياساتها العامة، دعما وإصلاحا و تقويما و تمويلا وتطويرا. كما أن كل الدول التي تعيش في رداهات التخلف والجهل والضعف يعيش تعليمها عطبا كبيرا يحول دون أن يبث في جسدها روح التألق والانبعاث.

واليوم اذ نتابع بقلق الوضعية التي صار إليها التعليم المغربي ندق والمجتمع المغربي برمته ناقوس الخطر الذي يهدد كيان الدولة والمجتمع منذ خمس عقود من الزمن، التي عشنا فيها عشرات الخطوات المعطوبة في إصلاح إصلاحات التعليم لا إصلاح التعليم. فلم يعد من الضرورة بمكان أن يكون المرء متضلعا في نظم التربية والتعليم، أو خبيرا متمرسا بها، حتى يكون بمقدوره تكوين رأي خاص، أو استخلاص حقائق ثابتة حول ما صار إليه التعليم بالمغرب الذي أصبح حقل تجارب بامتياز ومجال مراهنة فاشلة على نماذج مستقاة من سياقات مختلفة عن السياق المغربي المتفرد بثقافته وهويته.

فالواقع أن مسار التعليم في المغرب منذ الاستقلال وإلى اللحظة لم يتوفق في استتباب منظومة تربوية تعليمية متكاملة الأضلع، متناسقة الصيرورة، مؤسسة في فلسفتها على مرجعية محددة، ومبنية على تصور منهجي خاضع لعمليات في التقييم بأفق الإصلاح و التقويم. فهو لم يتوفق إلا في تكرير نماذج مستوردة من تجارب تعيش فردانيتها الخاصة في النسق الأممي. وإنه ليظهر للمتتبع من خلال تمسك المغرب بهاته النماذج أنه يعيش أزمة بين تعليم يريده أو بالأحرى يحلم به وتعليم يراد له أو بالأحرى يفرض عليه. وبالتالي يصبح الحديث عن إصلاح التعليم بالمغرب حديث عن الاستقلال السياسي عن “حزب فرنسا” الضارب بجذوره في صميم بنى الدولة، والذي لازال يهيمن داخل المغرب بكوادر وأطر توجه المسار السياسي للمؤسسات. ولا شك أن هذا هو السبب الوحيد الذي يجعل المغرب متمسكا باللغة الفرنسية في تدريس العلوم الحقة، رغم أن لغة العلوم والإنتاجات العلمية والتقنية هي اللغة الإنجليزية.

إن ما راهن عليه المغرب من إصلاحات معطوبة سواء كان ذلك بحسن نية أو سوء نية لم يتوفق إلا في إعادة إنتاج الأمية والجهل في أعلى مراتبهما، ولم يتوفق إلا في إفراز الفشل المدرسي والجامعي بكل تفرعاته وأشكاله، ولم يتوفق إلا في دفع ألاف من أبناء هذا الوطن إلى سوق في البطالة واسع موسع.

وإن المناسبة هنا في الحديث عن هذا الوضع المزري الذي بلغه التعليم بالمغرب لا تستدعيها هنا رغبتنا في الصراخ والعويل على أطلال تعليم صار إلى القاع على حين غفلة من أهله، ولا رغبة في تشريح منظومة عاطلة هز أركانها سيل من الفساد والريع تأكد بالمعطيات والإحصاءات والوقائع المعاشة، وهي دامغة بكل المقاييس، ولا يمكن أن يغض الطرف عنها إلا مكابر أو جاهل أو متملق أو صاحب مصلحة ذاتية، كما الحال مع من لازال يخرج إلينا بتصريحاته المهترءة، بأنه بصدد التصدي والإصلاح وأننا على أبواب قطف النتائج.

المناسبة هنا إنما دعوة إلى كل أصحاب الغيرة على الوطن وعلى أبناء الوطن، أن نشد بعضنا بعضا ونهب جميعا من أجل انقاذ الوطن بإنقاذ التعليم، وأن ننشد التعليم الذي نريد بدل أن نردد نعي تعليم أريد لنا..

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك