https://al3omk.com/187158.html

العلام يكتب: من يريد أن يحول بلاده إلى سوريا وليبيا؟

أصبح واضحا في الآونة الأخيرة، أن الأنظمة السياسية بدأت تواجه الاحتجاجات الشعبية التي تجترحها الشعوب، بسؤال جاهز: “هل تريدون دفع البلاد إلى الوضع التي آلت إليه سوريا واليمن وليبيا…؟”. الأمر الذي يحتم على المواطن الاختيار بين أن يحافظ على وضعه الحالي أو يقترف “جريمة” الاحتجاج التي تؤدي إلى جعل الدول فاشلة. لكن ألا ينبغي طرح السؤال الآخر: من تسبب في تدمير سوريا وليبيا واليمن.. الاحتجاج الشعبي أم تعنت الأنظمة السياسية؟

فالواقع يثبت أنه لا أحد يتمنى أن تصل بلده إلى ما وصلت إليه سوريا وليبيا (هذا إذا سلمنا بأن ما يحدث في هذين البلدين لن ينتهي بنقلهما إلى مصاف الدول المتطورة مستقبلا، وذلك استصحابا لتاريخ الثورات العالمية من قبيل الثورة الفرنسية التي دامت قرابة 100 سنة)، لكن أيضا لا أحد يريد الظروف التي جعلت سوريا وليبيا تتحولان إلى بلدين فاشلين.

أليس نظام بشار الأسد هو من أوصل بلاده إلى وضعها الحالي، وذلك عندما قسّم البلاد على أعضاء حزب البعث، وجعل الثروة بين الأغنياء، وأحصى أنفاس المواطنين، وفتح السجون، وحول البلاد إلا إقطاعية أسدية، لا تصادف فيها غير صور الأسد، ولا تجد فيها مسميات المؤسسات والشوارع والأزقة إلا الأسماء الأسدية. عندما جعل له أتباعا ومناصرين يهتفون باسمه صباح مساء ويحتقرون غيرهم، ويصفونهم بالخونة والعملاء. وكذلك لمّا قمع المتظاهرين الذين خرجوا في “درعة” ينشدون الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، وسلّط عليهم “شبيحته” (البلطجية أو ما يسمى المجتمع المدني/الهمجي)، يضربونهم ويتخطّفونهم ويخوّنونهم، أو عندما رفض التجاوب مع مطالب المظاهرات السلمية، وانتهج الحلول الأمنية، وهمّش الأصوات الناصحة، وقرّب إليه كل متملقّ ومدّاح مزين للأعمال.

لقد دُمّرت ليبيا إن عندما منع القذافي العمل الحزبي، وفرض الكتاب الأخضر، وقمع المعارضة، وسجن كل صوت منتقد، وطرد الآلاف من خيرة أبناء ليبيا خارج الوطن الذي ولدوا فيه. وقد أصبحت ليبيا فاشلة لمّا عيّن القذافي نفسه ملك ملوك إفريقيا، ووجّه عائدات نفط ليبيا للاستثمار في البلدان الافريقية، وترك شعبه يئن في الفقر والأمية، وعندما أطلق على ليبيا وصف “دولة القذافي”، ورفض فكرة المواطنة الليبية، وحول الليبيين إلى “رعايا”، منهم “الأوفياء”، ومنهم “الخونة”، منهم “الشرفاء” ومنهم “العملاء”.
لقد خرّب نظام القذافي البلاد عندما رفض مطالب المتظاهرين السلميين في مدينة بنغازي، التي تجلّت في إقامة دستور ديمقراطي، ينقل ليبيا إلى مصاف الدول الدستورية، ويسمح للليبيين بممارسة السياسة خارج مسمى “اللجان الشعبية القذافية”، وعندما استجلَب المرتزقة من كل بلدان العالم بهدف قمع مواطنيه الذين حملوا اللافتات وتمسّكوا بالسلمية، ثم ذهب بعد ذلك إلى أسلوب الاعتقالات والحلول الأمنية والقمع والتضييق، بدل الحوار والاستجابة للمطالب.

على أنظمة الوضع الراهن أن يعوا جيدا أنه ليست الاحتجاجات من تُدمر الأوطان، بل الطريقة التي تتعامل بها السلطات مع الاحتجاجات هي من تؤدي إلى ذلك. أما الانتفاضات فوظيفتها تنبيه الحاكم إلى أخطاء الحُكم، وتوعية المواطن بضرورة النضال من أجل رفع الظلم، وتكريس قيم الحرية والعدالة الاجتماعية. نعم، إن الشعوب لا تسعى لتدمير نفسه بنفسها، أو تشتهي أوضاعا شبيهة بما يحدث في سوريا وليبيا والعراق واليمن، لكن بالتبع لا تريد ظروفا مشابهة للظروف التي جعلت السوريين والليبيين واليمنيين يخرجون عن طوعهم ويفضلون الارتماء نحو المجهول –الذي قد يكون إيجابيا أو سلبيا – بدل الارتكان إلى الواقع المعلوم الذي يُميتهم أكثر من مرة في اليوم الواحد رغم أنهم أحياء.

لا تريد الشعوب لأوطانها أن تتحول إلى بلدان فاشلة، كما لا تريد لأنظمتها السياسية أن تنهج نفس الأسلوب الذي تعامل به القذافي وبشار وصالح مع المحتجين والمتظاهرين السلميين، وتحريف الاحتجاج عن مساره: فالليبيون لم يخرجوا من أجل إسقاط القذافي بل من أجل دستور ديمقراطي، والسوريون لم يخرجوا إلا من أجل فتح المجال السياسي الذي أغلقه حزب البعث واحتكَره، والمصريون لم يخرجوا إلا من أجل رفض توريث مبارك الحكم لابنه جمال، والتوانسة لم يخرجوا إلا من أجل “الخبز والكرامة والحرية”…..فلو استجاب الطغاة لمطالب الشعوب المشروعة لما وصلت بلدانهم إلى ما وصلت إليه. الأمر الذي يفيد بأن الديكتاتورية هي من تدمر الأوطان، أما الذين يشهرون ألسنتهم من أجل رفع الظلم فهم مكرَهون لا أبطال.

أما إذا أردنا أن نختم بالوضع المغربي، وخاصة مع ما أصبح يطلق عليه بـ “الحراك الريفي”، فإن على القائمين على شؤون الأمر، أن يعوا جيدا أن هناك أزمة ثقة حقيقية بين المواطنين والمسؤولين، فالوعود الشفوية لم تعد تستطيع إيقاف الاحتجاجات، ولا في مقدورها أن تجسّر الفجوة بين المتظاهرين والسلطة، فإذا أرادت الدولة أن تحد من استفحال الأزمة، فما عليها إلا أن توقف حملة التشهير بالمحتجين واتهامهم بمحاولة “زرع الفتنة” أو “الانفصال” أو “تحويل الدولة إلى سوريا أخرى”، وفي المقابل تعمل على إطلاق سراح المعتقلين، وتسمح للناس بالاحتجاج السلمي في الوقت الذي يشتهون والمدة التي يقدرون عليها، ثم يجتمع المجلس الوزاري ويخرج بقرارات اقتصادية واجتماعية وسياسية، تباشر على إثرها الجرّافات والعمال الأشغال، ويتم توظيف وتشغيل آلاف المعطلين وتوفير التمويل والدعم لمن يريدون فتح مقاولات، وتبسيط المساطر، وشن حملة لا هوادة فيها ضد المفسدين والمرتشين والمستحوذين في مختلف بقاع المغرب، وتخفيض الضرائب والأسعار، والزيادة في الأجور، والحد من التفاوت الطبقي، والقطع مع الريع……آنذاك سيقتنع الناس بأن الدولة جادة في سبيلها لرفع التهميش، ولن يبقى في الشارع محتج إلا من يهوى الاحتجاج – وذلك حقه أيضا – لأن العبرة بالأفعال لا الأقوال والوعود المخدّرة.

يجب أن يعرف صناع القرار في المغرب أن الأزمة هي أزمة ثقة وأن أسوأ شيء يمكن أن يحدث في أي دولة هو أن يفقد الناس الثقة في مؤسساتها وأحزابها ومجتمعها المدني، وهو ما يحدث اليوم: الناس لم تعد تثق في الوعود، بل أصبحت تخشى من الانتقام، لم تعد ترغب في المسكنات، بل تريد السكن والشغل والتطبيب والمدارس، والجامعات، وباقي البنيات التحتية…

تعليقات الزوّار (2)