المواطنة بديلا عن الدين

 

 

ذكر أحدهم في مقال له نشره بجريدة هسبريس، أن الدين صبغ حياة البشرية بلون الدم وهي من أكبر عوامل شقاء البشر، وأن المؤمن يعتقد أن الذين لا يعتقدون بدينه يمثلون إهانة لدينه، وأن علاقته بغيره لا بدّ أن تكتسي طابعا مأساويا بل قد تصير جحيما حقيقيا عوض أن يطبعها التعايش السلمي القائم على المحبة والإخاء الإنساني والتضامن، كما ختم كلامه بأن المواطنة هي البديل الوحيد عن الدين والتي من شأنها أن توقف التناحر الطائفي.

لعلنا سنعتبر جزءا كبيرا من هذا الكلام كلاما صحيحا إذا تعلق الأمر بغير دين الإسلام الذي يعتبر الدين الوحيد الذي لم يعتريه تحريف ولا تزييف، وقد وعد الله بحفظه دون غيره من الأديان.

كما توجد العديد من المؤشرات والحقائق التي تناقض كلام صاحب المقال بإدراجه للإسلام ضمن خانة الأديان الدموية الإقصائية والتي تكن العداء للآخر عندما لا يؤمن به، مما يدل دلالة واضحة على أنه لا يعرف شيئا عن الإسلام، ولو كان يعرف عنه شيئا، لما اتهمه هو الآخر بسفك الدماء وصبغ حياة البشرية بلون الدم، لأن حروبا طاحنة كانت قبل الإسلام دامت لمئات السنوات، وقد أريقت فيها شلالات من الدماء كحرب داحس والغبراء وحرب البسوس، وطسم وجديس، ويوم حليمة التي قتل فيها الملك المنذر وحرب سمير وبعاث اللتين دارتا بين الأوس والخزرج فحولهما الإسلام إلى كفة واحدة “أنصار”، فضلا عن الدماء التي سالت بسبب الثأر الذي قد اعتبر تسلسلا تاريخيا لإراقة الدماء، والذي لم يوقفه سوى الإسلام بحكمه وعدله وذلك بالقصاص أي بقتل القاتل في المقتول عوض أن تباد القبيلة تلو الأخرى، وقد سماه الله تعالى (حياة) (لكم في القصاص حياة يا أولي الألباب) ومعناه التناهي عن القتل حتى إذا سمعه الظالم المعتدي كف عن إراقة الدماء وترك الناس تعيش وتحيى.

ولست أدري إن كان صاحبنا قد سبق له أن قرأ قول الله تعالى: (من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا، ومن أحياها فكأنما أحيى الناس جميعا) ومن الواضح للعيان أن الله تعالى لم يقل: من قتل نفسا مؤمنة أو مسلمة، بل تحدث عن أي نفس دون تحديد لهويتها أو دينها أو طائفتها، وليتأمل. كما أن الله تعالى بحكمته جعل أول ما يقضي فيه يوم القيامة الدماء.

وأما قوله إن المؤمن يعتقد أن الذين لا يعتقدون في دينه يعتبرون إهانة لدينه، فهذا خبل وضرب من الجهل المركب، لأن العزة لله ولرسوله وللمومنين، والكافر لا يضر الله بكفره شيئا ولو شاء الله لجعل الناس أمة واحدة، وما كان لأحد أن يكره أحدا على اعتناق الإسلام أمرا من الله وزجرا من رسوله. فالكافر في الدولة الإسلامية يعتبر مواطنا له جميع الحقوق وله أن يختار من الديانات ما يشاء، وأن يعبد إلاهه بالشكل الذي يريد وأن تكون له كنائس أو دير لا يعتدي عليها مسلم، ولا يروع أو يظلم أو يؤذى أو يمس بسوء… فالمصريون مثلا على عهد الرومان عانوا الويلات حتى أن أحدهم لم يكن يستطيع أن يرفع رأسه رقا واستعبادا وذلا وهوانا، فنكل بهم الرومان واسترهبوهم واستعبدوهم، وسلبوا نساءهم وأموالهم، ولم يشعروا بكرامتهم وكينونتهم وحريتهم إلا في كنف الإسلام الذي أنصفهم واحترم إنسانيتهم وفي حالات، حكم القضاء الإسلامي لهم حتى ولو كان الخصم ابن قائد القوات المسلحة بل حتى ولو كان الخصم الحاكم الإسلامي نفسه.

وسنعذر جهل صاحب المقال، وتجاوزا، سنخبره عن حق المواطن في الإسلام حتى ولو كان كافرا، وذلك في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” ألا من ظلم معاهدا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة” ومن من المسلمين يقبل على أن يكون حجيجه وخصمه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة؟

إن هذا المثال يبين بما لا يترك مجالا للشك من أن المواطنة نفسها تعتبر أحد المباحث التي لها أحكام في الإسلام وقد فصل فيها الفقهاء والعلماء تفصيلا، ولا داعي بعد ذلك للحديث عن إشكالية الطائفية والاثنية والكفار، لأن الإسلام وحده من جمع في بوثقة واحدة بين بلال الحبشي وسنان الرومي وأبي بكر القرشي، وسلمان الفارسي، بل وجعل هذا الأخير من أهل البيت وهي رسالة واضحة إلى ما يمكن أن يصل إليه أحدهم من الشرف حتى ولو يكن من أصول عربية. كما أن حقوق الكفار الذين يعيشون في الدولة الإسلامية واضحة لأن الدولة تتكفل بحمايتهم من الاعتداء الخارجي والظلم الداخلي، فلهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، بل ولو استأجر المسلم يهوديا فإن يوم السبت مستثنى من عمل الإجازة، وليس لحاكم أن يحضر يهوديا يوم السبت إلى مجلس القضاء اعتبارا لما يعتقدونه من ترك العمل في هذا اليوم.

ولو كانت العلاقة تصبح مأساوية بسبب الاختلاف في الدين، كما ادعى صاحب المقال، لما اختار رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد الدعاء بالمغفرة لقومه وهم كفار، أي لدعا عليهم بالويل والثبور والموت والهلاك عوض أن يقول: “رب اغفر لقومي فإن قومي لا يعلمون” ويخلق لهم العذر رحمة بهم ورأفة. انظر يا هذا لرحمة هذا الدين.

ولتعطش ليرى أهل الطائف وهم يُطمرون تحت الأرض جزاء ما فعلوا بنبيهم، ولكنه عفا وأصفح ودعا لعل الله يخرج من أصلابهم من يوحد الله، وها هم أهل الطائف اليوم مسلمون مؤمنون ولا يزالون يرددون: “نحن من أدركتنا دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم” ولما عفا عن كفار قريش يوم فتح مكة وهم أذلة ضعفاء، ولما قال: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل داره فهو آمن، ولا يوجد حاكم في كل تاريخ البشرية دخل منتصرا وترك على الأرض عدوا له يتنفس الهواء. ولكنه الإسلام الدين الذي يختلف عن كل الديانات.

بل إن الله تعالى يخاطب نبيه منبها لشيء عجيب يوجد في علاقة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكفار، وهو حزنه وألمه خوفا عليهم من عذاب الله، حيث قال: (فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا) أي لعلك قاتل نفسك هما وحزنا وأسفا عليهم لأنك تريد لهم الجنة ولا تريد لهم العذاب، تريد لهم الخير ولا تريد لهم الشر. فهل من يحزن عليهم خوفا عليهم يمكن أن يسيل دماءهم حتى ينالوا عذاب الله؟ وإلا لماذا دخل مكة فاتحا وهو يملك القوة الساحقة الماحقة التي لا تبقي ولا تذر.

فهل يوجد مثل هذا في دين من الأديان غير الإسلام؟ وهل سبق لصاحب المقال أن اطلع على ما عند اليهود والمسيحيين من نصوص؟ حتى يقارن بينها وبين القرآن الكريم؟ وهل درس تاريخهم وتاريخ زعمائهم؟ وليست لا فلسطين (التي تمثل النموذج اليهودي) ولا العراق (التي تمثل النموذج المسيحي) عنا ببعيد.

يبدو أن صاحبنا يجهل الكثير، غفر الله له وهداه إلى البحث ودراسة الإسلام، ولو عرف الإسلام لما جمع بينه وبين اليهودية والمسيحية في سلة واحدة.

 

 

 

 

 

 

 

 

تعليقات الزوّار (0)