في الحاجة إلى نقد جذري لما نحن متورطون فيه
https://al3omk.com/247690.html

في الحاجة إلى نقد جذري لما نحن متورطون فيه

لقد بات ما يعج به الفضاء العام من أحداث متسارعة تشكل صدمات متوالية للمتابعين و عموم المواطنين، أمر يقتضي الافلات من أسر (اليومي) والتموقع خارجه قصد التأمل بعين فاحصة، ناقدة وبصيرة في مختلف هذه التحولات الجذرية الطارئة على مجتمعاتنا و التي لا يمكن ان نشبهها الا بالرمال الصحراوية التي تتحرك من تحث اقدامنا من دون ان نلقي لها بالا لتشكل مشاهد و كتبان جديدة ليس لدينا ادنى صورة عن التيه الذي ستخلفه في استيعابنا لمجتمعنا و الاكيد انها ستجعلنا نضيع الطريق كما يضيعها أعرف العارفين الدهماء بالصحراء كلما تحول شكل الرمال. اننا ازاء بساط ينسحب من تحت اقدامنا في غمرة انشغالنا بالحياتي وانغماسنا  باللحظي.

ان مختلف هذه التحولات ليست حتما وليدة اليوم بل هي نتيجة لتراكمات متواصلة، جعلتنا نصل الى هذه المرحلة من الانفجارات والانفلاتات المتتابعة و المطردة. قد نختلف في تشخيص اسبابها او تمييز الرئيسة من الثانوية منها. لكن ليس تمت اجماعا الا على مسألة واحدة : كوننا جميعا نسير نحو الهاوية. الارتطام بالحائط وشيك.

لعل من ابز التحولات المخيفة التي نعيشها من حولنا، ربما القينا لها بالا و لكن في اطار سريع خفيف دونما وقفة جادة و صرخة تكون مسموعة.لأن نمط الحياة المعاصرة و التسارع المستمر للأحداث و انكباب الجميع على  فضاءات التواصل الاجتماعي التي تعطي جرعات افتراضية مخدرة تجعل الانسان منفك عن الارتباط العضوي بمشاكله و تحجبه عن التفكير القلق في ما يجري من حوله .

من منا لم يلاحظ الالاف من الشباب الذين يدخلون في موجات من العنف و الصراع القاتل في  مدرجات الملاعب و التي ما فتئت تخلف ضحايا و تسقط ارواحا فتية لشباب يافعين، هل بالامكان اخفاء حجم الانفلات الذي يقع مع كل مناسبة رياضية و حجم الكلام النابي الذي يتكرر اسبوعيا في مختلف المدرجات، حجم الضغينة و العنف اللفظي و الحمولة العنيفة لكل الشعارات التي ترددها كل تالك الحناجر، انفجار عنيف من اليافعين لا تؤطرهماي مرجعية اخلاقية . انها قنبلة موقتة ستنفجر في وجه الجميع و قد بدأت بعض شرارتها تظهر بين الفينة و الاخرى . ثم ماذا عن العنف المدرسي، نفس الشريحة لكن الطارئ و التحول المخيف هو استباحة حجرات الدرس التي لها من القداسة في مما مضى ما يجعل المهابة تنتاب من يرتادها. انه نتيجة مباشرة لسياسيات متواصلة من الاحتقار لهيئة التدريس و القتل الرمزي للمكانة الاعتبارية للمدرسة ، الاعدادية و الثانوية في الوعي الجمعي للمجتمع.

ماذا عن نسب تعاطي المخدرات بكل انواعها  في صفوف الشباب و نسب الانتحار، الهجرة السرية و تفضيل ركوب قوارب الموت على البقاء في هذا البلد البائس في نظرهم،  العنف الاسري بين الازواج و اثاره العميقة في نفسيات الابناء . في مقابل عزوف تام عن التعاطي مع الشأن العام و التصويت في الانتخابات الذي قد نعتبره ردة فعل تجاه سياسة الدولة التحقيرية تجاههم، الهجرة الجماعية لفضاءات التواصل الاجتماعي هروبا من الواقع، الانحدار المستمر لنسب القراءة و الاهتمام بالإنتاج العلمي، الهدر المدرسي و الامية، تكاثر برامج البوح و الافضاء النفسي و الاعتراف في الاذاعات الخاصة على النمط الكنسي، و حتى الفئة التي ربما قد تكون في وضع افضل نسبيا فغالبا ما يطغى لديها الفهم السطحي للقضايا الفكرية العميقة، و التعاطي الطقوسي مع الدين دونما صبر لأغواره و استحضار لمقاصده  الكبرى في عملية التدين .

عندما تكثر الشهادات من الأجازة الى ما فوقو تنكشف عورة « المثقفين » .لا تكوين و لا بحث و لا عمق و لا تنظيروحده الشيخ ” غوغل ” و اعتماد مقولة ( من نقل انتقل .. ) تكون أداة للحصول على الاعتراف.. هنا الامية الوظيفية تؤثت المشهد و لا يصح بعدها الا ” البروطوكول ” و ” التسنطيحة ” !! لتجاوز عقدة العار !! و للتموقع في خريطة  النخبة.!!

عندما تكون الجامعات مأوى للسيوف و الرماح و مختلف فنون العنف و الإضطهاد ..و لا تكون رحابا للمقارعة الفكرية و للخطابة و للتكوين !! و عندما تعجز النخب عن تدبير الاختلاف بالعقل و بالمنطق . و تكون الايديولوجيا عقيدة ؛ و يصبح الحرام الجامعي كنيسة للأرثوذوكسيا في أبشع انماط الانغلاق !! و مهما كانت التقدمية و الانوار شكلا فإن العمق ظلام و ارتكاسية و نكوصية مغلفة بالحداثة و العصر !! و جميع الاطياف معنية بهكذا فهم .

اننا امام تيار كبير ليس يعادله اي تيار شبابي اخر في المجتمع خاصيته الاساسية اللامعنى. اذ ماذا نسمي كل هذه الشرائح من الشباب التي ليس لديها ادنى وعي بأدوارها المجتمعية و الحضارية و لم تطرح بعض الاسئلة البسيطة و العميقة حول نفسها ، الاسئلة التي ينبغي ان لا تغيب عن ادهان أي شباب و أي شابة .. سؤال القصدية و الهدفية من الحياة ، سؤال بسيط لكنه محدد في حياة اي انسان. لماذا أعيش و بأي مرجعية و لأي هدفية !

ان مختلف هذه التحولات المخيفة التي ذكرنا بعض الامثلة عن فداحتها لأعراض واضحة و مؤشرات صادمة عن تصدع في الوعي الجمعي و عن خراب رمزي و معنوي يسري في منظومتنا و دليل لا يحتاج الى برهان عن اعطاب مجتمعية يجعلنا ازاء مجتمع يسير نحو الهاوية بدون أي رؤية ناظمة لطريقه في ظل غياب أي رؤية و أي مشروع مجتمعي واضح المعالم.

عندما تصنع النكت للنيل من المعلمين !! و نقدر ثقافة السلطة اكثر من سلطة الثقافة . و يعيش الطبيب على القروض و على الكفاف و العفاف في احسن الاحوال !! و تكون المستشفيات مفتوحة امام المنحرفين و ” البلطجية ” للنيل من سلامة ملائكة الرحمان ..

عندما نحتقر علوم ” الانسان و المجتمع ” الثي انهت عمر العظيم ” محمد اركون “!! ؛ و الثي تتخذها القوى العظمى اداة لاستعمار العالم !! فيخرج علينا معالي الوزير ” المنافق الغبي ” مصرحا بأن تدريس التاريخ و الفلسفة مجرد هدر للوقت..!! تاكدت صدقا ان ” افلاطون ” كان على صواب عندما اكد ان شؤون المدينة من اختصاص الحكماء لا من اختصاص الغوغاء و ” الدوكسا ” اعداء الفهم و التحليل !!

عندما يرفض « مثقف » ان يجالس مثقفا اخر لأنه يختلف عنه في “الإيديولوجيا ” . و في الوقت عينه يرافع في الديموقراطية !! فيغرد الاول ايديولوجيا ل ” دمشق” او ” بغداد ” !! و يغني الثاني ، بحماس ، ل ” باريس ” او ” الفاتيكان ” و يمارس الثالت شطحاته تاثرا بالدوحة او الرياض. و ما يزالون منذ صدور ” الايديولوجيا العربية المعاصرة ” للكبير ” العروي ” إلى الان يرقصون و كل يغني ل ” ليلاه “..

عندما تصبح الاشاعة اداة ..و الافتراء وسيلة..و الحقدخصلة..و الغل ممارسة ..و التربص و المؤامرات و الدسائس خططا..و القذف و السب و النيل من الرجال حرفة…و المكر و الكيد طريقة…و العزل اسلوبا…و المحاصرة تكتيكا…

عند كل هذا و ذاك تأكدت فعلا اننا نعيش الافلاس الحضاري و انسدادا كاملا في الافق و استئساد الرداءة و موتا اكلينيكيا للمجتمع !!اننا نعيش الورطة .

اننا نحتاج و بكل وضوح الى نقد صارم لما نتورط فيه من أزمة فادحة تظهر عند المتدينين في الطقوسية و الشعائرية في ظل غياب الروحانية و المقاصدية ، و انفصال تام للسلوكات اليومية عن مكارم الاخلاق اما عولة الشره و الجشع و اخلاق التغلب و الصراع و و الصدام و هو ما يفسر بشكل من الاشكال العنف المتفاقم الذي بدى واضحا حتى في اماكن كان لها الى عهد قريب حرمة و قداسة : حجرة الدرس.

ليس الحل هو الاكتفاء بالرصد و التباكي على هذه التحولات المخيفة. بل لابد من محاولة جادة للحفر عموديا في الاسباب الجذرية التي قد تكون ورائها . ان التأمل في الاسوات التي تقدم و تصنع في الاعلام باعتبارها وحدات قياس في انتاج المعنى في المجتمع من مثقفين، فنانين، رياضين، ابطالا و علماء  لتكشف طغيان الهشاشة و التسطيح  من جراء قصف اعلامي متواصل لعقول المواطنين بنماذج تافهة و فارغة .

اننا نعيش مرحلة عدم ظهور إيديولوجيات بديلة عن تلك التي كانت الى وقت قريب تؤطر ( القومية، الاشتراكية ، الاسلامية…)  و توجه و ينضوي تحت يافطتها عدد كبير من المؤمنين بها  بغض النظر عن صوابيه طرحها و تفسيراتها و الاجوبة التي تقدمها لكنها على الاقل شكلت نماذج احتوت طموحات شرائح كبيرة من الشباب بعكس الوضع البائس الذي اصبح طاغيا ، لقدايدولوجيةاللامعنى هي السائدة تحت غطاء الرأسمالية الجشعة التي كرست نموذجا ماديا سائلامطبعا مع أنظمة مستبدة تتاجر في مصير شعوبها من خلال تغذية الخوف من اجل استدامة المكاسب و الحفاظ على الوضع كما هو عليه و الاكتفاء بإنتاج اجيال من الضباع بلا لون و لا رائحة، اجيال مستقيلة تماما من مسؤوليتها الوطنية، التاريخية والحضارية  لا تحمل لا  هم التغيير و  لا هم الاصلاح غير مساهمة في الانعتاق من غياهب، الامية، الجهل الاستبداد .

اننا نشهد بشكل عام في الحياة المعاصرة سقوطا اخلاقيا مدويا و انحدارا في مستوى الانسانية. اذ ان هذا الوضع المتأزم ليس منحصرا فقط في بقعة جغرافية محددة بل هو حالة عامة في عالم معولم  بلا حدود. اننا  في نعيش بكل أسف خيانة كبرى لكل الارث الحضاري و الفلسفي البشري الذي سعى دائما لتمثل فكرة العيش الكريم للإنسان بنوع من التعالي و التسامي كما تجسد دالك في محطات عديدة في التاريخ الانساني الى حدود مرحلة الانوار كتراكم لقلق انساني مستمر و سعي لتحقيق افضل النماذج التي تستوعب كل القيم الاخلاقية التي بها يحقق بها الانسان انسانيته ووجوده ككائن اخلاقي مكرم متعالي. ان هذا الاضمحلال الذي تتجه فيه البشرية يمثل خيانة لعقل الانوار بحيث ثم تقديس الانا من خلال ظهور إيديولوجيات غير انسية شرعنة التسلط و رعت دكتاتوريات شمولية  تقهر الانسان و نزعات استعمارية امبريالية اخرجت اسوء ما في الانسان تجاه اخيه الانسان.

ان ما نعيشه في العمق هو نتيجة غير مباشرة للإخفاقات المتواصلة للحداثة في تحقيق وعودها الطوباوية التي اسست بها لفعلها الفكري و التاريخي للخروج من العقل الديني الميتافيزيقي اللاهوتي ، حيث يثبت الواقع النهاية  المتواصلة لأساطيرها الثلاثة حسب الشاعر و الفيلسوف الفرنسي ادغار موران اطال الله عمره : نهاية اسطورة التحكم في الكون،  نهاية اسطورة التقدم والضرورة التاريخية ، نهاية اسطورة تحقيق السعادة حيث لا يعيش الانسان المعاصر الا الضنك و الشقاء.

يبقى السؤال الاساسي و الجوهري هو كيف السبيل الا المزج بين الحداثة بكل مزاياها مع استحضار التفسير الديني الغيبي الذي ربما قد يقدم اجوبة و تفسيرات من شأتها ان تساعد في اعطاء اجوبة صلبة كفيلة بتنفيس ضنك و شقاء الانسان بإعادة الاعتبار للقيم الاخلاقية السامية لمالحمولتها القيمية الصلبة  في تقويم كل الاختلالات التي تعيشها المجتمعات المعاصرة.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.