مستعد يكتب: اليمن السعيد – اليمن الجريح

مقتل الرئيس اليمني علي عبد الله صالح نقطة تحول كبرى في مسار تحولات “الربيع العربي” في بلد كان يسمى “اليمن السعيد” – بلاد الخضرة والجمال والسحر – فأضحى اليوم مختبرا للحرب الطاحنة الأهلية وبالوكالة وللمرض والخراب. آخر ضحايا الحرب هو رئيس البلاد الذي أبعد في 2011 عن السلطة إثر الانتفاضات العربية لكنه عاد مثل طائر الفينيق ليناور ويجدد تحالفاته كأي حيوان سياسي يبحث بشكل غريزي عن السلطة. السياسة بالنسبة إليه، كما كان يقول، في لحظة صفاء وصراحة بريئة، كانت بمثابة موعد يومي “للرقص مع الثعابين”. لكن أي سر هذا الذي جعل صالح يحب هذا الرقص ولا يخاف منه طيلة 40 سنة وهي المدة القياسية التي حكم فيها البلاد؟ اليوم جاءت “الرقصة الأخيرة” كما كتبت إحدى الصحف العربية.

إن مقتل الرئيس اليمني هو نتيجة طبيعية لبيئة يمنية مطبوعة بالصراع القبلي والديني وهو نهاية مأساوية لرموز الاستبداد التي حكمت لسنوات طويلة الدول العربية. علي عبد الله صالح هو أكثر زعيم قام بتوظيف الدين في السياسة على صعيد منطقة الشرق الأوسط وشبه الجزيرة العربية بكاملها بل إنه خلق وطور “مهرجانا لا مثيل له” في هذا الباب حسب عالم السياسة الفرنسي فرانسوا بورغا الذي قضى سنوات طويلة من البحث في اليمن. كما أن نهاية صالح تشكل ضربة قوية للتحالف السعودي.

ترى “نيويورك تايمز” الجريدة الأمريكية الواسعة التأثير أن “اليمن في حاجة ماسة إلى استراحة” وأن الحل يمر عبر وقف الحملة العسكرية التي تقودها قوات التحالف العربي بقيادة السعودية وعبر إطلاق حوار وطني. وتعتبر الجريدة أن “غياب صالح يمكن أن يجعل هذه الحلول سهلة التطبيق”. لكن الجريدة البريطانية “الغارديان” لها وجهة نظر أخرى، علما أن البريطانيين هم أكثر دراية ومعرفة تاريخيا بمنطقة الشرق الأوسط وإن كانوا الأكثر عجزا عن التأثير في بدايات هذا القرن المصيري بالنسبة للعالم العربي. بحيث تقول إن “مصير البلاد اليوم هو الغموض بعد وفاة صالح”. ونفس القراءة قدمتها جريدة “الإيكونوميست”.

كيف ستتعامل القوة الأمريكية مع هذا التحول في اليمن بعد أن كانت واشنطن ولمدة طويلة حليفة رئيسية لصالح خاصة خلال مرحلة محاربة القاعدة؟ في الظروف الحالية، يبدو دور أمريكا محدودا نتيجة السياسة الخارجية التي ينهجها الرئيس دونالد ترامب وهي سياسة تبعث على الفوضى والأزمات في مختلف بقاع العالم أكثر مما تثمر الحلول والتسويات. كما أن إستراتيجية الرئيس الأمريكي الحالي تنبني على عقيدة وشعار “أمريكا أولا” الذي يعطي الأولوية للشأن الداخلي الأمريكي رغم أن ارتباط وتشابك ما هو داخل بما هو خارج أصبح اليوم قويا ومعقدا.

الحل إذن ينبغي أن يأتي أساسا من الداخل ومن الجوار. داخليا، قد يقوم تنظيم الحوثي الشيعي المتعاظمة قوته والمسئول عن قتل الرئيس بحل مجلس النواب اليمني الذي كان تابعا لصالح رغم أن التنظيم قال رسميا إنه لن يمس بأسس الجمهورية كنظام للحكم في البلاد، وبالتالي لن يقوم بإحياء نظام الإمامة الذي حكم البلاد على أساس ديني خلال سنوات طويلة بعد الحرب العالمية الأولى قبل أن ينهار عقب حرب أهلية طويلة تدخلت فيها قوى عربية كبرى هي مصر والسعودية. قد تتجه الأمور إلى خلق برلمانين وحكومتين متوازيين ومتصارعين كما هو الحال في ليبيا التي تعرف أيضا بنية مجتمعية قبلية تؤشر على التسوية السياسية. فهناك نقط تشابه كبيرة بين هذين البلدين ونهاية صالح تذكر إلى حد ما بالنهاية الدموية للرئيس الليبي معمر القذافي. إلا أن ليبيا لا تعرف تعددا دينيا وصراعا سنيا شيعيا كما هو الحال في اليمن.

إن واقع اليمن الجريح الذي كان يقصده الشعراء “بنعال من ريح” بحثا عن الحلم والمغامرة والإبداع، أو بحثا عن معاني حديث ينسب إلى الرسول يقول فيه: “الإيمان يمن والحكمة يمنية” وصار اليوم مقبرة السياح الأجانب. هذا الواقع – وعكس ما يعتقد بعض الحالمين الغير جيوسراتيجيين – يؤكد ارتباط مصائر المشرق بالمغرب. كل العالم العربي بمختلف مكوناته وخصوصياته المتجددة وغير الجامدة معني بما يجري هناك في أقصى جناح للعالم العربي الكسير. العنف لا يولد سوى العنف، لكنه قد يكون ضروريا أحيانا ليثمر في النهاية الاقتناع بجدوى الديمقراطية – كلمة يقال إن قادة قبائل اليمن كانوا يعتقدون أنها اسم زوجة الرئيس المصري جمال عبد الناصر – وبحداثة الصراع السلمي حول السلطة.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك