تأمــلات فـي واقــع الأمــة: صنــاعـة الوعـــي (3)

يأتي هذا التأمل استجابة لحالة نفسية أحس بها كلما زاد عمق الـتأمل في واقع الأمة، فعندما أفكر في هذه الثلاثية ( التعليم، الصحة، العدل) أخلص إلى فكرة أساسية وهي: الوعي لا يصنع إلا بهذه الثلاثية الفكرية، وتفصيل ذلك سوف يأتي في ثنايا الموضوع بشكل دقيق ومختصر، لأن الموضوع لا يمكن أن نختزله في مقال صغير كهذا، وأود أن أذكر القارئ(ة) أن نقاش هذا الموضوع الوعي لن يكون من الناحية الفلسفية، حتى لا أكون متطفلا على التخصص فتأملي هذا سأمزج فيه معارفي الفكرية وقناعاتي مستعينا بما أراه منسجما مع خطتي في الكتابة.

مـــع العنــوان: صناعة الوعي
يعود مصطلح (صناعة الوعي) للمؤلف Hans Magnus Enzensberger صاحب النظريات، ويحدد الآليات التي يتم من خلالها استنساخ العقل البشري كمنتج اجتماعي، ومن أهم هذه الآليات وسائل مؤسسة التعليم والإعلام ، وذهب إلى القول بأن صناعة الوعي تنطبق على الفنون في نظام أكبر من الإنتاج والتوزيع والاستهلاك، ومقصد هذا تحديدا المتاحف كمصانع للإدراك الجمالي الذي يفشل في الاعتراف وتقبل السلطة الأخلاقية، والفكرية، والسياسية، وبدلا من تبني الوعي الفكري والنقدي، فإن المتاحف تميل لتبني عملية الإشباع. (أنظر ويكيبيديا الموسوعة الحرة).

الوعــــــــي هو تعبير عن حالة عقلية ونفسية يكون فيها الإنسان مدركا لذاته ومحيطه الخارجي، ويتعلق الأمر بكل ما يروج في واقعه المعاصر بالمعايشة، وبماضيه بفعل التذكر، وكذلك العوامل الأخرى المؤثرة التي ترسم للإنسان خريطة اجتماعية، أو سياسية، أو اقتصادية في حياته.
إذن الوعي معرفة يكتسبها الفرد من مجتمعه، ومن تفاعله معه، وتترسخ هذه المعرفة في العقل والوجدان عند الإنسان، لهذا لابد من الحرص على تقديم الثقافة الايجابية داخل المجتمع.

التأمل الأول: حتى يغيروا ما بأنفسهم
استوحيت عنوان هذا التأمل انطلاقا من الآية الكريمة (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)، وللإشارة فقد انطلق منها جودت سعيد فكتب كتابا فريدا في هذا الباب، وحاول أن يوضح أن أساس مشكلة تخلف الأمة الإسلامية هو جهلهم أن مشكلتهم تخضع لقوانين يمكن كشفها وتسخيرها وبالتالي أصبحت الأمة ألعوبة في يد الغرب يحركها كيف شاء، وكتب أيضا الدكتور علي شريعتي كتابا قيما سماه (العودة إلى الذات)، لكن في هذا التأمل أود أن أذكر القارئ(ة) أن تأملي هذا نابع من وحي الغربة وما عيشته من أحاسيس اتجاه قضايا الأمة.

لهذا فإني أركز على أهمية صلاح الذات في إصلاح الأمة، فلا يعقل أن يكون الفرد المكون لهذه الأمة مريضا ونرجو معه التقدم والازدهار، فصلاح الأمة في صلاح حال أفرادها، وهذا هو المنطق القرآني الذي يتمثل في الآية السالفة الذكر، إن ما توضحه هذه الآية الكريمة أن واقع أي مجتمع إنساني هو تحصيل لما في نفوس أفراده، فإن كانت النفوس قوية وسليمة كان المجتمع معافى وقويا متحدا، وإذا كانت النفوس مريضة فلاشك أن واقع المجتمع سيكون مريضا.

التأمل الثاني: أسس صناعة الوعي في وجدان الأمة:

إن الأمة اليوم في أمس الحاجة إلى يقظة تامة لفهم كل ما يدور حولها من مؤامرة يشترك فيها عدوها الداخلي والخارجي، والوعي في هذه الحالة يجب أن يوجه حول الدور الذي يجب أن يقوم به كل واحد من أفراد الأمة لتغيير الواقع، ونعلم أن شعوب الأمة غيّب عقولها الاستبداد، والفقر، والبطالة، ولعب هذا الثلاثي دوارا كبيرا في تزييف الواقع، فعندما يعم الاستبداد في الأمة ينتشر الخوف وتنعدم الإرادة عند المواطن ولا يقدر الفرد على التعبير بالتالي يفقد القدرة على التغيير، وبالفقر يختل التوازن الاجتماعي للأمة، فقديما قيل (كاد الفقر أن يكون كفرا)، فكيف يمكن أن نتكلم عن الوعي داخل مجتمع ينخر أركانه الفقر في كل طبقاته الاجتماعية، والثروة تتمركز في يد فئة قليلة؟ فالعدل في توزيع الثروة من الأسس التي تصنع وعي الأمة، وأما الفقر والبطالة فهما اللذان جعل الشباب يعيش حالة التيه والشرود والخوف من المجهول.

فحتى تنهض الأمة لابد من النظر الدقيق في أسباب النهوض، سياسيا، واقتصاديا، واجتماعيا، وثقافيا، فالغرب تقدم بفعل صناعة الوعي الحضاري عند شعوبه، وغرس قيم المواطنة عند مواطنيه، واحترام كرامة الإنسان داخل المجتمع.

فمن أسس صناعة الوعي عند الأمة ما يلي:
التغيير الشامل والمستدام، وغايته نهضة الشعب والوطن، ولن يكون إلا بشكل تراكمي ومتواصل في شتى المجالات ومن أهمها:
1 ـ المجال الشخصي والأسري: فمن أراد أن يساهم في النهوض بوطنه وشعبه عليه أن يبدأ بإصلاح نفسه والارتقاء بها، فتغيير الأوضاع يبدأ بتغيير النفوس والعقول التي أصابها الشلل والتكلس بالكثير من التشوّهات الفكرية والنفسية، وإعداد الفرد لبناء أسرة تكون محضناً تربوياً وكياناً فاعلاً في المجتمع، ولا تكتفي بتلبية الحاجات المعيشية على حساب الروح والفكر.

2 ـ المجال التعليمي: فلاشك أن التعليم بالعالم العربي والإسلامي يعاني من أزمة خطيرة، حتى ظن البعض أن الأزمة مستعصية على العلاج، وذلك لتعدد الأسباب وتداخلها وتعقدها.
فمن مهمتنا الأساسية هي إصلاح العقول وصناعة الوعي للمواطن داخل المجتمع، وأن نعيد صياغة تشكيل شخصية الإنسان المسلم، حتى ينهض على أسس دينية حضارية حقيقية وقوية، ولن يتم هذا إلا بإصلاح مجال التربية والتعليم، إصلاحا ينبع من حجم متطلبات الأمة الحقيقية، ويراعي إستراتيجية التغيير الشمولي في الأسس الفكرية والتربوية لقطاع التربية والتعليم، فهذا القطاع يؤثر في مستقبل الأمم تأثيرا محوريا، فإما أن يقفز بها إلى الأمام أو يعود بها إلى الوراء، فلنلاحظ تجربة اليابان، وكوريا، والصين، وماليزيا … فهذه الدول تمثل نموذجا يحتذى به في التنمية الشاملة، وفي صناعة الوعي الحضاري لدي مواطنيها.

3 ـ جمعيات المجتمع المدني: إن من واجب جمعيات المجتمع المدني، أن يعملوا على إمداد الوعي الجمعي بما يملكونه من إمكانات ومواهب، إذ أن صناعة الوعي لا تتأتى إلا بالاستفادة الكاملة من جميع الطاقات والكفاءات والبحث عنها، واستثمارها في جذب الناس إلى الفكر الأصيل والثقافة الواعية الهادفة، من هنا يبرز دور الرجوع إلى أصولنا وقواعدنا الكبرى وشخصياتنا التاريخية المؤثرة، كي نعود معها إلى النبع الصافي والمنهل الخالد لإمدادنا بكل مقومات النهوض والرفع من مستوى وعينا الأصيل، مع الأخذ بوسائل العصر والتطور في جميع المجالات (موسيقيا، ومسرحيا، وترفيهيا …).

وجهة نظر:
الأمة الإسلامية الآن، أحوج ما تكون إلى صُنع وبناء وعي أصيل يعيد لها الريادة بين الأمم الأخرى، ويردّ لها نصاعة تقدُّمها وسبقها في المجالات التي استفادت منها أوروبا في فترات سابقة، حينما كانت تنهل من معين الحضارة الإسلامية، ولا شك في أن طرق تحصين وعينا من الموجات القوية التي تحارب هويتنا وثقافتنا موجودة وحاضرة في أذهان القلة القليلة من نخبنا ومثقفينا باختلاف مشاربهم وألوانهم، أبرزها عدم تجاهل أي فكر وعدم إقصائه بدعوى عدم ملاءمته لخصوصية أمتنا، بل يجب أن يُدرس ويُفهم ويُناقش بعيداً عن أي إقصاء أو تجاهل، من هنا يبرز دور المثقفين في تطوير وعي الأمة بشتى اتجاهاته ومساراته.

صفوة الكلام:
فحتى نصنع الوعي نحتاج إلى عملية تذكير ليلا ونهارا، والتذكير هنا يشمل كل مقومات النهوض الحضاري لهذه الأمة، نذكر التاريخ ليس من أجل البكاء، أو من أجل أخذ النشوة بانتصارات الذين سبقونا، ولكن نذكر تاريخنا حتى نقف عند سنن الله في الكون، ونصع الوعي بقضايا الأمة من أجل تحقيق الانتصار لها.
فهذه المسؤولية هي على عاتقنا جميعا كل من موقعه، وكل واحد يصنع فيها من الخير أو الشر بحسب اجتهاده فلينظر كل منا صناعته …
والله تعالى أسأل التوفيق والسداد وأن يكون هذا المقال سببا في صناعة الوعي لهذه الأمة.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك