ماذا لو استبدلت حكومةُ وسط – يسار في إسرائيل حكومةَ نتنياهو ؟

من أكثر الاعراض الصادمة لظاهرة الانحطاط الوطني والسياسي للحالة العربية على المستويين الرسمي والشعبي، مراهنتها الدائمة في حل مشاكلها الداخلية والخارجية على التغيرات السياسية عند الدول التي تملك مفاتيح الحل لهذه المشاكل. فوق ما في هذا الانحطاط من تخلٍّ عن السيادة والكرامة الوطنيتين الا في مواجهة الشعوب او الجيران العرب والمسلمين، فإنها دليل قاطع على فقدان النظام العربي الرسمي القدرة على ان يكون “فاعلا”، ورضاه طائعا غير مكره ان يكون “المفعول به” دائما.

انتظار الحل للازمات العربية والإسلامية من “سادة” العالم “وكبرائه” عبر ما يتمتع به هؤلاء من نظام ديموقراطي حقيقي يجعل من دوله حيوية إلى أبعد حد بعكس النظام العربي في اغلبه الساحق الذي غاص في وحل الاستبداد والدكتاتورية والفساد إلى قمة الرأس، مر في مراحل عدة وصل ذروتها في الفترة الأخيرة التي لم يعد فيها فارق عند هذا النظام العربي بين يمين إسرائيلي متطرف يسعى الى اغتيال الحلم العربي والفلسطيني، وبين وسط ويسار صهيوني يسعى بطريقته المضللة إلى ذات الغرض ولكن تحت غطاء كثيف من ضباب التصريحات واللقاءات الحميمية التي تسعى إلى تعزيز المصالح الصهيونية وتُسَهلُ ابتلاع القضايا العربية واغتيال أشواق الامة في تحرير الوعي والأرض والانسان والمقدسات.

أصبح “الصهيوني” اليوم بغض النظر عن ايديولوجيته ووحشية سياساته، مقدَّما عند كثير من الأنظمة العربية وعكاكيزها، لأن هذه الأنظمة ببساطة لم تعد تكترث بقضاياها الوطنية الكبرى كقضية فلسطين مثلا، ولا بقضاياها الداخلية كتطوير نظام الحكم ومنظومة الحريات والديموقراطية، وتعزيز التنمية بكل صورها. أصبح الاهتمام الأكبر والوحيد لمسألة استمرار حكمها وسيطرتها ولو أدى ذلك إلى بيع الأوطان والمصالح الوطنية في المزاد العلني. ما نرصده ونتابعه اليوم من هرولة عربية (مصر والسعودية والامارات والبحرين وغيرها كنموذج) في اتجاه إسرائيل وحكومة نتنياهو التي تعتبر الأكثر تطرفا في تاريخ الدولة العبرية، أكبر دليل وأصدق شاهد على هذا الانهيار العربي غير المسبوق!

منذ اتفاق أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، باتت القضية الفلسطينية المؤشر الأكثر بروزا لهذه الظاهرة، أعني المراهنة على تغيير الحكومات بين يمين ووسط – يسار في إسرائيل من اجل انقاذ فلسطين ومستقبلها! بدأت القصة في العام 1992 عندما وصل حزب العمل بزعامة (يتسحاق رابين) الى الحكم في إسرائيل والذي أعلن منذ البداية عن نيته تغيير ما أسماه “الأولويات الوطنية” موجها جل اهتمامه الى الشأن الداخلي تطويرا وتنمية والذي شمل في ذات الوقت تقليص الانفاق على الاستيطان في الضفة الغربية وقطاع غزة ما عدا القدس من جهة، والبحث عن فرص لاختراق حالة الصراع العربي – الإسرائيلي عموما والإسرائيلي – الفلسطيني خصوصا من الجهة الأخرى. وصلت نهاية المشوار في هذا الصدد باغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي في حينه (رابين) على يد متطرف يهودي استفاد من حالة التحريض والاحتقان في المجتمع الإسرائيلي الذي قاده اليمين بزعامة المعارض (نتنياهو) في ذلك الوقت.

وضعت القيادة الفلسطينية ومن ورائها كل الأنظمة العربية الداعمة سرا وعلنا، كل “بيضاتها” في “سلة” أوسلو منذ توقيع الاتفاق في العام 1993، ولذلك أحدث اغتيال (رابين) زلزالا نفسيا قبل ان يكون سياسيا في اوساط القيادة الفلسطينية والعربية الداعمة، بسبب ما اعتبروه تهديدا حقيقيا لعملية السلام التي رأوا انها لن تتحقق إلا مع رابين وحلفائه من أحزاب وسط اليسار الصهيوني. وضعت القيادة الفلسطينية والعربية أيديها على قلوبها خوفا مما يمكن ان تأتي به الانتخابات التي جرت في العام 1996 بعد مدة قصيرة من اغتيال رئيس الوزراء رابين..

راهن الفلسطينيون والعرب على (شمعون بيرس) الذي تسلم الحكم في إسرائيل لمدة قصيرة بعد اغتيال رابين بصفته قائما بأعمال رئيس الوزراء، بدأها بمجزرة (قانا) اللبنانية، وتأجيله المتعمد تسليم مناطق في الخليل كان من المفروض ان تسلم للسلطة الفلسطينية في ذلك الوقت، والتي لم تنقذه من موجة التحريض والاتهامات التي وجهتها له المعارضة اليمينية، مما سَمَّمَ الأجواء وأدى إلى انهيار سمعته إسرائيليا الامر الذي أنتهى بخسارته الانتخابات التي جرت في العام 1996 امام مرشح المعارضة (نتنياهو) الذي بدأ تنفيذ خططه لإنهاء اتفاق أوسلو منذ ذلك الوقت والى اليوم.

جاءت الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية في العام 1999 لتفتح باب المراهنان الفلسطينية والعربية من جديد على “الأصدقاء” من أحزاب وسط اليسار الصهيوني. نجح (ايهود باراك) زعيم حزب العمل في تشكيل الحكومة وتنفس الفلسطينيون والعرب الصعداء، ووضعوا أيدهم في “ماء بارد” منتظرين الفرج ليس من الله ولكن من (باراك) سليل عائلة “حزب العمل” صاحب مشروع النكبة الفلسطينية عبر مراحل تطوره منذ العام 1930 وحتى اليوم. انتهى هذا الرهان بفشل مفاوضات كامب ديفيد برعاية الرئيس الأمريكي السابق (كلينتون) وانفجار الانتفاضة الثانية بتاريخ 28 أيلول 2000 وتوقفت فعلياً في 8 شباط 2005 بعد اتفاق الهدنة الذي عقد في قمة شرم الشيخ والذي جمع الرئيس الفلسطيني المنتخب حديثاً محمود عباس ورئيس الوزراء الإسرائيلي أرئيل شارون الذي فاز هو أيضا في الانتخابات الإسرائيلية في العام 2003.

عاد (باراك) زعيم حزب العمل من كامب ديفيد متهما القيادة الفلسطينية بكل وقاحة بإفشال المفاوضات، وبأنه لم يعد هنالك شريك فلسطيني “يُوثق” فيه في عملية السلام. شارك (كلينتون) الديموقراطي في حفلة الرقص والتحريض ضد القيادة الفلسطينية محملا إياها مسؤولية فشل المفاوضات. استغل (شارون) رئيس حزب الليكود المنتخب حديثا خلفا لنتنياهو الوضع الجديد، وبدا حملته الانتخابية بطلب من رئيس الوزراء (باراك) السماح له بدخول الأقصى المبارك في وقت حساس كانت فيه القدس وفلسطين تغلي بسبب انسداد الأفق السياسي وفقدان الامل في حل عادل للقضية الفلسطينية.

استجاب (باراك) لطلب (شارون) بدخول الأقصى لتبدأ مرحلة جديدة من التدهور على امتداد فترة حكم شارون من العام 2003 وحتى العام 2006 والتي شملت حرب (الدرع الواقي) وهي من الحروب الأكثر وحشية التي شنتها إسرائيل ضد الفلسطينيين في إطار محاولة القضاء على الانتفاضة الفلسطينية الثانية. بدأت إسرائيل العملية في 29 آذار من العام 2002 وانتهت في تموز 2002، فرض الجيش الإسرائيلي خلالها حصارا مشددا ومدمرا على مقر الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات المعروف ب-“المقاطعة”، حيث بقي محاصرا فيها حتى اخر ايام حياته، ولم يسمح له بالخروج الا للسفر لتلقي العلاج بعد أن تم تسميمه كما تقول الكثير من الروايات، ومن ثم وفاته في عام 2004. كانت ملحمة معركة مخيم جنين، وعملية البلدة القديمة في نابلس، من أكثر المشاهد دموية من جهة، ومن اكثرها دلالة على بسالة الشعب الفلسطيني وإصراره على التمسك بترابه الوطني مهما كلفه ذلك من تضحيات من الجهة الأخرى.

دخلت القيادة الفلسطينية ومعها العربية الداعمة حالة من الاكتئاب ووضعية الانتظار بسبب التدهور الذي تسببت به سياسات شارون، الا ان ملامح مرحلة جديدة اعادت للقيادة الفلسطينية بعض الامل في حلحلة الوضع المتأزم وحالة الموت السريري الذي دخلت فيه القضية الفلسطينية طوال هذه الفترة. كان قرار شارون الانسحاب من قطاع غزة وتفكيك الاستيطان بدون أي اتفاق الضوء في طرف النفق او القشة التي تعلقت بها القيادة الفلسطينية خوفا من الغرق. أدى قرار شارون فك الارتباط وإخلاء المستوطنات في قطاع غزة إلى انشقاقه عن حزب الليكود وإعلانه إقامة حزب (كاديما).

بدأت هذه المرحلة بظهور لاعبَيْنِ جديدين سيكون لهما دور فيما بعد في الاستمرار بمسرحية التضليل والضحك على ذقون الفلسطينيين الذي ما زلوا يراهنون على الإسرائيليين في تقديم الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس وعودة اللاجئين على طبق من ذهب. أعني بأولئك اللاعبين الجدد (ايهود أولمرت) و (عمير بيرتس). اما اولمرت فقد أسس مع أرئيل شارون حزب كاديما عام 2005 بعد انشقاقهما عن حزب الليكود بسبب خطة فك الارتباط كما قلت سابقا. عُين أولمرت عام 2003 وزيراً للتجارة والصناعة ونائباً لرئيس الحكومة أرئيل شارون آنذاك. بعد إصابة شارون بجلطة دماغية عام 2006، عُين أولمرت رئيساً للحكومة الإسرائيلية بالوكالة في 4 كانون ثاني 2006. وأدى اليمين رئيسا للحكومة وذلك في 4 أيار 2006 بعد الانتخابات البرلمانية التي جرت في آذار 2006.

من جهة أخرى ظهر (عمير بيرتس) كزعيم جديد لحزب العمل بعد ان هزم زعيم الحزب المخضرم (شمعون بيرس) في انتخابات الحزب في خريف 2005. شارك حزب العمل بزعامة (عمير) في حكومة (أولمرت) بعد انتخابات 2006، حيث شغل منصب وزير الدفاع. ظن الفلسطينيون ان “طاقة السعد” قد انفتحت امامهم من خلال هذين الزعيمين “المعتدلين” اولمرت وبيرتس، إلا ان الحقيقة المرة صفعت وجوه القيادة الفلسطينية مرة أخرى لتضعهم من جديد في مواجهة الحقيقة التي لطالما تجاهلوها متعمدين ركضا وراء سراب خادع اسمه سلام مع إسرائيل. منذ الأيام الأولى لتولي مهامه كوزير للدفاع ظهر الزعيم العمالي “المعتدل” بيرتس أسيرا بيد الجهاز العسكري، ينفذ أوامره دون اعتراض بسبب انعدام خبرته العسكرية، فهو لم يوقف القصف المتواصل على قطاع غزة، وشن نهاية شهر حزيران 2006 حربا واسعة النطاق على القطاع، بحجة أسر جندي احتلال، وبعد ثلاثة أسابيع شن حربا مدمرة على لبنان بحجة أسر جنديين. قدم بيرتس استقالته من منصب وزير الدفاع على إثر تقديم (لجنة فينوغراد) التي أقامتها الحكومة للتحقيق بشأن حرب لبنان، تقريرها الأولي عن اخفاقات الجيش الإسرائيلي في هذه الحرب. شَكَّلَ الزعيم العمالي اليساري الشرقي (عمير بيرتس) بالنسبة للقيادة الفلسطينية خيبة امل كبيرة، فما زالوا يعيشون وهما يسمى أحزاب وسط اليسار الإسرائيلي كمنقذ لا بديل عنه!

أدت الاحداث الدامية في غزة 2006 و2008/2009 (حرب الرصاص المصبوب)، ولبنان 2006، والفشل الإداري وتهم الفساد التي لاحقت حكومة كاديما – العمل، إضافة إلى فشل (تسيبي ليفني) وزيرة الخارجية في هذه الحكومة والتي أصبحت بعد عهد أولمرت زعيمة حزب ( كاديما ) الصهيوني المعارض، إذ تبنت في حينه سياسة لا تقل سوءا من (نتنياهو)، وكانت تقف بالمرصاد في وجه أي تقدم مهما كان بسيطا في المفاوضات التي جرت مع (اولمرت)، وهي التي أحبطت كثيرا من محاولات التقدم في عدد من القضايا، وأنها من القيادات التي تلطخت أيديها بدماء آلاف الأبرياء من الفلسطينيين واللبنانيين أثناء حربين شنتهما حكومتها خلال ثلاث سنوات من حكمها، الأولى ضد لبنان في العام 2006، والثانية ضد غزة في الأعوام 2008/2009، وما تزال تحمل حسب تقرير (غولدستون) اتهاما بارتكاب جرائم حرب، وأنها نجحت بخبث في تجنيد العالم وتعاطفه مع إسرائيل في الوقت التي كانت تطحن الفلسطينيين بجنازير دباباتها وتمزقهم بصواريخ طائراتها وقذائف مدرعاتها، وإعلانها الحرب على قطاع غزة من قلب القاهرة أثناء مؤتمر صحفي مع وزير خارجية النظام البائد في مصر (أحمد أبو الغيط)، أدى كل ذلك إلى استقالة قطبي الحكومة اولمرت وبيرتس ودخول إسرائيل في معمعة انتخابات برلمانية جديدة في العام 2009 اعادت (نتنياهو) إلى مقر رئيس الوراء الإسرائيلي حتى اليوم.

لم يساهم حزب العمل الإسرائيلي بشيء يذكر في الدفع بعملية السلام كما يتمنى الفلسطينيون في فترة ما بعد حكومة كاديما – العمل (أولمرت – بيرتس)، حيث شارك (باراك) الذي فاز برئاسة حزب العمل بعد ان هزم بيرتس في الانتخابات الداخلية في العام 2007، وشغل منصب وزير الدفاع نهاية فترة حكومة أولمرت، ليعود مرة أخرى الى ذات المنصب في حكومة نتنياهو التي شكلها بعد انتخابات 2009. كما ان تسيفي ليفني لم تقدم شيئا من جهتها للدفع بمفاوضات السلام رغم تسلمها كزعيمة لحزب (الحركة) الجديد الذي أقامته بعد انفصالها عن حزب كاديما عام 2012، كوزيرة للخارجية وكمسؤولة عن ملف المفاوضات مع الفلسطينيين في حكومة نتنياهو بعد انتخابات 2013.

في عهدي (شيلي يحيموفيتس – 2011-2013) و (يستحاق هرتوسغ – 2013-2017) كزعيمين لحزب العمل، لم يقدما هما أيضا ما يمكن الإشارة اليه او الإشادة به فيما له علاقة بالحقوق الفلسطينية، بل على العكس تماما فقد جاءت تصريحاتهما – بتفاوت ما – كزعيمين معارضين أكثر تطرفا في بعض الأحيان من تصريحات نتنياهو طمعا في كسب بعض الأصوات وتحقيق بعض التحسن في فرص نجاح حزب العمل الذي ظل في هبوط واضح في استطلاعات الرأي العام اضطره الى التحالف مع حزب (الحركة) بزعامة ليفني ليشكلا معا (المعسكر الصهيوني) زعيم المعارضة حاليا..

يقف الفلسطينيون امام هذه التطورات السياسية في إسرائيل في ذهول تام خصوصا بعد وصول ترامب الى البيت الأبيض واعلانه الانحياز الكامل لنتنياهو وحكومته، واهماله الكامل للشعب الفلسطيني وحقوقه، وفي ظل التدهور الخطير في الحالة العربية الذي أفقد العالم العربي أية قدرة على التأثير على متخذي القرار في امريكا وإسرائيل، الامر الذي وضع القضية الفلسطينية برمتها في مهب الريح مجددا.

وسط هذه الفوضى يظهر لاعب جديد لحزب العمل ينجح في استلال رئاسة الحزب من بين انياب قيادتيه القويين (بيرتس وهرتسوغ) في انتخابات داخلية جرت صيف العام المنصرم 2017. أنه (آفي غباي) الذي لا يعرف الفلسطينيون حتى الان كيف “يبتلعونه”، ففي كل بيان او تصريح يصدر عنه يزيد الفلسطينيين غصة بعد غصة وكربا فوق كرب.

هنا علينا ان نسأل السؤال: ماذا لو وقع المستحيل ونجح (غباي) زعيم حزب العمل/المعسكر الصهيوني في تشكيل الحكومة الإسرائيلية في حال جرت الانتخابات في الفترة القادمة، استبدلت حكومة نتنياهو الحالية؟! هل ستنفتح “طاقة السعد” على الشعب الفلسطيني فعلا؟!

لنبدأ بتصريحات (غباي) منذ تسلمه قيادة حزب العمل (اليساري!) والى الان.

أولا، تأتي تصريحاته بشأن مدينة القدس بعد اعلان ترامب المدينة عاصمة موحدة وابدية لإسرائيل أصدق شاهد على انه لا يختلف عن نتنياهو وأحزاب اليمين المتطرفة في شيء، فقد أكد في أكثر من مناسبة انه لن يتنازل عن شبر من القدس الموحدة كعاصمة ابدية لإسرائيل حتى لو أدى ذلك الى استمرار حالة اللاسلم مع الفلسطينيين الى الابد. قل مثل ذلك في رفض عودة اللاجئين والانسحاب الى حدود الرابع من حزيران 1967، والانسحاب من غور الأردن، وتفكيك المستوطنات.

ثانيا، دعوته الرئيس الفلسطيني محمود عباس خلال مكالمة هنأه فيها بانتخابه إلى اللقاء مع نتنياهو وجها لوجه وبدون شروط مسبقة لمناقشة القضايا العالقة بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية، والبدء ببناء الثقة المتبادلة، مطالبا بإلغاء كتب التعليم التي تتضمن مضامين محرضة وأمورا أخرى، والتقدم مع الوقت نحو المحادثات حول القضايا الجوهرية، مضيفا ان السلام لا يتم في اللقاءات الدولية او المؤتمرات الإقليمية، وإنما عبر إيجاد الثقة والتقارب الشخصي بين الجانبين! من اللافت ان (غباي) لم يطالب نتنياهو في المقابل بأية خطوات لبناء الثقة بين الجانبين، مما يدل على انحيازه الكامل لمواقف الحكومة الإسرائيلية.

ثالثا، ترديده كالببغاء كلاما ك – “اليسار نسي أن يكون يهودا”، وهي كلمات همس بها نتنياهو في أذن الحاخام كدوري قبل عشرين سنة، بهدف الإساءة إلى معسكر “اليسار” في حينه. وجاء غباي ليؤكدها اليوم، إرضاء للتوجهات اليمينية التي تكتسح الشارع الإسرائيلي، وطمعا في الحصول على المزيد من أصوات اليمين.

رابعا، استعداده كما صرح بذلك في اجتماع لشبيبة حزبه في جامعة بئر السبع ان يكون في المكان الثاني في حكومة يشكلها حزب (يش عتيد)، برئاسة يئير لبيد اليميني في حال حصل حزبه على مقاعد أكثر من (المعسكر الصهيوني)، مما يدلل على مدى حرصه على السلطة واستعداده لتنازلات بعيدة المدى في سبيل ذلك على المستوين الداخلي والخارجي.

خامسا، رفضه الجلوس مع القائمة المشتركة في حكومة واحدة (الامر الذي لم ولن تطلبه المشتركة ابدا)، مشيرا إلى عدم وجود أي قاسم مشترك معها، وهي تصريحات تتناقض مع التصريحات التي أدلى بها لكسب أصوات أعضاء حزب العمل عشية الانتخابات الداخلية بحزبه. هذا التصريح يتجاوز مسألة المشاركة في الحكومة والتي يعرف جيدا ان المشتركة ترفضها، إلى تبنيه فكرا إقصائيا لا يعترف بالعرب ولا بحقوقهم، واستمرارا في سياسات اليمين في النظر الى العرب نظرة عداء تستدعي التضييق والملاحقة.

من المفارقات المؤلمة التي نعيشها كشعب فلسطيني في الداخل وفي كل مكان، والتي تعيشها امتنا العربية والاسلامية، ان ننتظر (الفرج !!!) من الذين اقاموا كيانهم على أنقاض شعبنا منذ انطلق قطار الصهيونية مرورا بإقامة اسرائيل على أنقاض فلسطين وشعبنا الفلسطيني، وانتهاء بما ارتكبته وما زالت ترتكبه حكومات اسرائيل المتعاقبة من يمين ووسط ويسار، أو من مزيج بينها، من جرائم بحق شعبنا ومقدساته ومقدراته وحقوقه المشروعة.

صحيح ان حكومة (نتنياهو) تعتبر من أسوا الحكومات، إلا اننا في ذات الوقت يجب ان ألا نقع في شرك التفاؤل المفرط، وكأن حكومة برئاسة (غباي – لبيد – ليفني) وبشراكة ربما مع المتدينين و(ليبرمان) وحزب (كلنا) وحزب (ميرتس)، هذا ان نجحت في كسر هيمنة اليمين، يمكن ان تكون المنقذ للشعب الفلسطيني والمبشرة بقيام الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس الشريف، وتحرير الأسرى وازالة الاستيطان وعودة اللاجئين، الخ. العكس هو الصحيح، لكن الخيارات أمامنا في ظل الوضع العربي الرديء محدودة جدا وخطيرة جدا، تدعونا الى حساب خطواتنا بمنتهى الدقة والحذر بعيدا عن الأوهام والسراب الخادع.

* الرئيس السابق للحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.

loading...

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك