https://al3omk.com/284075.html

مغاربة العالم: تجربة رائدة في تنزيل فطري لفقه الواقع ومناهج الحوار في المجتمعات الأوروبية

لست من المغالين إن سلمت مجازا أو اعترفت حقيقة في هذا الآن بالذات بأن مغاربة العالم يتوفرون على ماضٍ عريق نيَّف على نصف قرن، يتشكل من معاملات و تفاعل في مجالات حياتية متعددة مع الآخر المختلف، تحكمه بصيرة و تبصر و تفقه فطري لتفادي الاصطدامات التثاقفية و التقليل في أصعب الظروف من النشوز والبعد و التباعد بينهم وبين القيم الإنسانية الكونية.

لقد عرف نساء و رجال مغاربة العالم في سبعينات القرن الماضي ثقافيا و تفاعليا من ” أين تؤكل الكتف” في تواصلهم و ربط أواصر العلاقة مع الآخر دون هرج أو مرج و دون التفكير في تصور منهجي أكاديمي. تحضرني تعليلا لهذا حكايات كثيرة سمعتها من عدد من الإخوة هنا في ألمانيا بلغوا من العمر عتيا و منهم من قضى نحبه رحمة الله عليهم جميعا و منهم من ينتظر. و يؤلمني أن أعيش لحظة الاندثار لهذا التاريخ الشفاهي يذكرني بالحقبة الإسلامية الاولى عندما كان حفاظ القرآن الكريم يلقون الله، فارتأى المسلمون تدوين كلام الله و جمعه علما ان الله تكفل بحفظه من فوق سبع سموات.

هذا يدفعني الى إصدار نداء للجهات الوصية من أجل التكفل بهذا التاريخ الشفوي و تدوينهو جمعه و تصنيفه و تحقيقه كإرث حضاري إنساني و إعطائه قيمة كقاسم تاريخي مشترك.

سوف أحاول في مداخلتي هذه أن أسلك مسلك الباحثين و الملاحظين المتتبعين لإثبات هذه الفرضية، نهجي نهج مغاربة العالم في ملامسة واقعهم بشكل فطري كذلك لأنني أنتمي لهذه الأسرة الفاضلة من مغاربة العالم التي ما فتئت تتعايش بشكل أو بآخر، ضمانا لأقل تفاهم و تفهم و لأكثر انسجام اجتماعي، حفظا للكرامة و لمقومات و العيش الكريم.

إن تشييد و تأسيس الجمعيات و بناء المساجد من طرف مغاربة العالم من الجيل الاول و الذي كان مفتقدا في سبعينات القرن الماضي لميكانيزمات التواصل -الكتابي على الأقل- و يعاني من غياب الاعتراف المؤسساتي و الحنكة السياسية لَمعجزة من المعجزات في نظري لما يتطلب ذلك من مهارات و كفاءات لتجاوز التحديات الإدارية و القانونية التي تتطلبها تلك الملفات المطلبية لدى الإدارات المركبة و المتعددة الاختصاصات.

إن المعرفة الفطرية لمغاربة العالم بدواليب الفكر الاروربي و بنياته و إداراته جعله يستدرج هؤلاء الأوصياء الى حلبته ليفاوضوهم بطريقة مباشرة. فنالوا من الود و المحبة ما نالوا و اكتسبوا من الثقة النزر الكثير لانضباطهم و سلاسة معاملتهم و استثمارهم لعلاقاتهم مع أرباب عملهم الذين قدموا شهادات تاريخية في حقهم و “وقعوا على بياض” لضمان تفعيل ملفاتهم لدى الإدارات و المؤسسات و التي -أعني الملفات – لم تكن تهم أو تروم قضاء مصالح آنية أو مآرب شخصية.

كان ذلك اللبنة الاولى لهذه المساجد و المؤسسات التمثيلية التي شكلت خريطة طريق للجاليات الاخرى أو لجالية مسلمة أخرى أبت إلا أن تبقى لصيقة المساجد المغربية التي احتضنتها بقلب مفتوح عملا بمفهوم “الأمة” و “الأخوة”.

و في هذا السياق أسطر بخط قاتم على مشاركة و مساهمة المرأة المغربية في بناء هذا الصرح الحضاري حيث فضلت -هذه المرأة- أن تبقى مناصفة للرجل، لكن و بغريزة و فهم و تقسيم للأدوار بشكل هاديء مطبوع بالاحترام أن تبقى وراء الستار. و لن يتسع هذا المقال إلى تفصيل في هذه الوضعية، لكن أنادي بقراءة موضوعية و تاريخية مفصلة لدور و مشاركة المرأة المغربية في بناء الانسان الذي بنى المساجد و يشكل عدد كبير منهم شريحة الأساتذة الجامعيين و الاكادميين و العلماء و رجالات التربية ومديري و مديرات الابناك و غيرهم بالتذكير و التأنيث كثير.

أضيف الى تحليلي المتواضع لإثبات فرضيتي كذلك المساهمات المالية و العينية -رغم قلة اليد – و بسخاء حاتمي فاجأ الملاحظين في صرف اعتمادات و في صمت تعبدي تعدى الملايين كي تُبنى بيوت الله في وقت و رقعة زمنية أعتبرها شخصيا معجزة ثانية من معجزات الواحد الديان.

و من فضائل هذا الوجود المغربي سن مغاربة العالم منذ التحاقهم بالقارة العجوز لفقه فطري مرتبط بالواقع لتفادي موجات العنصرية العاتية و الرفض و الاقصاء و ملاءمة معيشهم لمحيطهم ضمانا لتموقع مجتمعي و مؤسساتي و ثقافي ضمانا لكرامتهم و تحقيقا لعيش كريم.

و لا تفوتني هنا الاشارة الى هذا الاغناء الثقافي و اللغوي الذي ساهم مغاربة العالم في تنزيله.
إن مغاربة العالم حاولوا بناء صرح أولي لاستراتيجية تعتمد على:
١- احترام وضعية و دورهم كضيوف و التي كان يروج (بضم الياء و فتح الراء)في الادبيات السياسية و البحثية ،
٢- اقتناعهم بتدبير شؤونهم العملية و الإدارية كيد عاملة جلبت لهم احترام رؤسائهم و جيرانهمفي اجتناب للتوتر،
٣- تبنيهم لمقاربة اندماجيةلم تكن مكلفة بل رابحة للمجتمع و المؤسسات الالمانية
٤- حفاظهم على ربط اواصر العلاقات مع الوطن لتجنب السقوط في براثن التطرّف و مستنقعات الاستيلاب الفكري و الثقافي ،
٥- الحفاظ على تربية مندمجة و متكاملة لأبنائهم و بناتهم في تقسيم صارم للأدوار بين أب/زوج يهتم و يعتني “بالخارجي” و أم /زوجة تعتني “بالداخلي”.
٦- تخصيص فضاءات بشكل فطري و عفوي لكنه واعي لتدبير الثقافي و الديني داخل جمعيات تحتوي على قاعات للصلاة و أقسام لتعليم اللغة العربية و تحفيظ القرآن الكريم على أيدي أئمة أجلاء أبلوا البلاء الحسن في حفظ هوية مغاربة العالم دون دراية بالاديولوجيات التربوية المسخرة أنذاك لتذويب هوية الأقليات .

للأسف لم تحتظ هذه الحقبة التاريخية بدراسة تاريخية موضوعية و معقمة نقدمها بشكل حضاري كدروس في الوطنية و كورقة ضغط فاعلة لتقوية وجودنا و مرجعيتنا و انتمائنا الإفريقي الاروربي : إلى المغرب و الى هذه البلدان الاروبية.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك