أوقفوا العبث .. هكذا نطقت السيدة منيب

أوقفوا العبث .هكذا عبرت الأمينة العامة للحزب الإشتراكي الموحد السيد نبيلة منيب عن شعورها، حينما حضرت قبل أيام إحدى جلسات قضية حراك الريف،لتصنع الحدث ،ليس لجرأتها و إنما لعمق و دقة وصفها لما يجري.

هدا التعبير ربما يعتبر جامعا شاملا لما يحدث في المغرب ،و هو الوصف الذي لقى استحسانا من لدن جميع المغاربة تقريبا ،لكنه لم يعجب البعض . و من داك البعض نجد الودادية الحسنية للقضاء التي ربما لسوء فهم ،تسرعت قليلا حينما نددت بما جاء على لسان السيدة منيب ،وتوعدتها بمقاضاتها،معتبرة دلك إساءة للقضاء وحشو كلامي فيه الكثير من الظن.

ربما أنها الصدفة أو الأقدار هي التي رتبت أن تحضر السيدة نبيلة منيب إلى جلسة المحاكمة و أن يصدر عنها مثل دلك الكلام و هي المرأة الوحيدة من نوعها التي ترأس حزبا مغربيا ،على الرغم من وجود العديد من “الرجال ” على رؤوس باقي الأحزاب المغربية التي على كثرتها. لكن لا أحد منهم كانت لديه الجرأة و الشجاعة لأن يذهب إلى ما ذهبت إليه و لو على سبيل المزاح،اللهم إدا قلنا العكس . و هده الصدف أو الأقدار أو الحتمية المطلقة نجد لها جوابا في داك الشعار العالمي الخاص بالقضاء و بالعدالة ،والمتجسد في صورة لآمرأة على عينيها حجاب و في يدها سيف إضافة إلى قسطاس أمامها.

فالكثير لا يعرف ما معنى دلك الرمز ،و لما الصورة هي لآمرأة و ليست لرجل ،ثم لما هي هاته المرأة مغمضة العينين ؟

و بالبحث في دلك نجد أن أحد عمالقة القانون سئل ذات يوم عن القضاء .و ما معنى القضاء ؟ فقال قولته الشهيرة : القضاء مثل امرأة مغمضة العينين ، بيدها سيف و أمامها قسطاس ،وكلما أحست و شعرت بخفة أحد كفتيه ،ضربت بحد سيفها من دون أن ترى من تضرب . و أما السبب في كونها آمرأة و ليست رجل فقال : أن العدالة و على الرغم من قسوتها فهي رحيمة كالأم .

فقول السيدة نبيلة منيب ليس نابعا من كونها سياسية أو حقوقية و إنما دلك نابع من كونها أم قبل كل شيء ، و هو ذات السبب الذي جعل كل المغاربة يتعاطفون معها ،لتقاسمهم معها نفس الإحساس فضلا على أن ما قالته هو حال لسانهم .

و ربما هو السبب الذي جعل الودادية الحسنية للقضاء تتراجع عن وعيدها و لو بشكل ضمني .لأن قولها لم يكن عبثا و لم يكن يشكل أي مساس بهيبة القضاء أو إساءة للقضاة .بل هو استجداء القضاء بعدما أصبح سلطة مستقلة .

فالقضاء و أي قضاء ،من المفروض فيه أن يكون يبصر و لا يسمع .و أن يكون بيته غير شفاف و ضد كل الإهتزازات التي من شأنها أن تؤثر فيه . و هدا ما جعل الدول المتقدمة و من أجل بلوغ هدا المرمى تعمل على تحصين قضاءها من كل ما من شأنه أن يؤثر فيه سلبا أو يميل إلى جهة على حساب جهة أخرى . فعلى سبيل المثال لا الحصر فالقاضي يتم إعطاءه شيك على بياض حتى يغنيه دلك عن كل الإغراءات المادية .

حينما تحضر إلى المحكمة لمتابعة جلسة ما ،و يكون دلك أول عهد لك بالمحاكم ،فإن أول انطباع تخرج به ،خاصة إن كانت القضية ثم تفخيمها- “و للإشارة فكل تفخيم في قضية ما إلا و كانت فيها رائحة من السياسة ” -،هو أن تقول كما قالت الأمينة العامة للاشتراكي الموحد .فطول الإجراءات و تعقيدها ، و امتلاء القاعة عن آخرها ،ووجود أمهات و زوجات و أطفال المتهمين ، و كل تلك الحراسة المشددة ،تجعلك تخرج بنفس الانطباع ما عدا المختصين أي الدين تعودوا على هدا الروتين كالمحامين و القضاة و ..

الكل يعرف على أن مثل هاته القضايا كقضية حراك الريف و قضية جرادة و قضية توفيق بوعشرين هي قضايا سياسية بالدرجة الأولى ، فإن لم يكن كلها فعلى الأقل هناك خلط بين ما هو سياسي و غيره . و قضايا مثل هاته، أصحابها و المتابعين فيها يجب أن تكون محاكمتهم ذات طابع خاص ،و ليس أن تتم معاملتهم كمجرمين ، و مبدئيا أن يتم متابعتهم في حالة سراح .لأن هدا من شانه أن يغني عن القيل و القال.و يغني عن كل تلك الإجراءات المعقدة التي تعطي الإحساس بالإنزعاج.و يغني حتى عن داك التعبير الذي صدر عن السيدة منيب.

فمن دروس التاريخ العبرة ،وتاريخ المغرب مليء بقضايا عديدة مشابهة لما نراه اليوم .و مع تعددها و كثرتها ثم الإستقرار على إنشاء محكمة خاصة . لكن هده التجربة لم يكتب لها الإستمرار لأسباب ما .لكن الدين ثمت محاكمتهم سياسيا آنذاك سواء في المحكمة الخاصة أو غيرها ،و بعد مرور الزمن و دخول المغرب العهد الجديد ، تبين على أن الأحكام الذي صدرت ضدهم لم تكن صحيحة ،ليطلق المغرب ما يسمى هيئة الإنصاف و المصالحة .لكن دلك أتى متأخرا بعدما تضررت مصالح البلد والضحايا .وما نراه اليوم ما هو إلا تكرار لنفس الخطأ و نسيان للتاريخ و عدم الإعتباربه . لكن سيأتي وقت ما و سنكرر نفس تجربة “الإنصاف و المصالحة”.

إن ما أقوله أو ما يقوله جميع المغاربة أو ما قالته السيدة منيب ،ليس فيه تأثير على القضاء أو إساءة إليه ، و لكنها الحقيقة المطلقة ،فالعدالة هي ما نحسه و ما نشعره به في كنهنا و في دواخلنا و ليس ما نحكم به من خلال الفصول و التشريعات القانونية . فأن نحاكم شخص فقط لأنه يعبر عن رأيه ، أو لأنه يستنكر الظلم و الإحتقار الذي طاله و طال أمة بأسرها فداك يدخل في باب العبث .

وها نحن نرى اليوم المغاربة قاطبة، ينددون و ينتفضون ضد ما انتفض ضده معتقلي حراك الريف و جرادة و بوعشرين و غيرهم ،ليخرج علينا الناطق الرسمي للحكومة ملوحا بسيفه في كل الاتجاهات متوعدا إيانا بالمتابعات و الاعتقالات ،ليصدق فينا قول القائل : “أن المغاربة هم في حالة سراح فقط”.فهل من العدل و الحق أن نقوم باعتقال أشخاص فقط لانهم عبروا عن رأيهم ؟

*محام بهيئة القنيطرة

loading...

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك