https://al3omk.com/302502.html

مذكرة حزب الاستقلال ورجع الصدى…!

وجه فريقا حزب الاستقلال بغرفتي البرلمان مذكرة لرئيس الحكومة السيد سعد الدين العثماني، تستشعر حدة الوضعية الاقتصادية و تداعياتها الإجتماعية على بلادنا، التي أضحت تعيش على وقع توتر إجتماعي متصاعد لا تشكل الحركة المدنية و الحضارية المتمثلة في “المقاطعة” سوى ما يمثل رأس جبل الجليد منها، إذ تسجل كل التقارير الوطنية و الدولية، طابع الأزمة الذي يحكم واقع الاقتصاد الوطني و ما يتبع ذلك من بطالة و إرتفاع لتكاليف المعيشة و إنخفاض للقيمة الحقيقية للأجور، كل ذلك أمام واقع فشل الاختيارات التي دافعت عنها السلطة التنفيذية؛ سواء في عهد السيد عبد الإله بنكيران أو في عهد سلفه السيد سعد الدين العثماني، و هي اختيارات جاءت معزولة من الناحية الإيديولوجية و الفكرية، إذ أن الحكومة المغربية منذ الولاية السابقة تعمل على تنزيل اختيارات رأسمالية متوحشة مع تقليص متعمد لمساحات تدخل الدولة بما في ذلك مسؤوليتها الإجتماعية، كل ذلك يتم دون تأطير نظري و سياسي واضح وشفاف في مواجهة المواطنين، حيث إننا نجد تلك الاختيارات، إستهدفت بشكل مباشر الطبقات الفقيرة و المتوسطة، بل إن كثيرا من الشعارات الشعبوية التي واكبت الحديث عن الدعم المباشر و الإستهداف و الاستحقاق و الشفافية و دعم الأرامل و المطلقات و ذوي الاحتياجات الخاصة و تعزيز برنامج دعم تمدرس أبناء الأسرة الفقيرة و تقليص الفجوة التنموية على المستوى المجالي، أضحت اليوم عارية كالحقيقة بل إن كثير من الصناديق التي تم إحداثها عقب الإعدام المرتجل لجزء كبير من تدخل صندوق المقاصة، تواجه اليوم الإفلاس أو على الأقل صعوبات حقيقية -باعتراف وزير المالية- تحد من إستمرارها و في قدرتها على تلبية الطلب المتنامي.

الوضعية التي تعرفها بلادنا مقلقة جدا، بل إن كثيرين ينظرون إلى الواقع الاقتصادي و الاجتماعي و حالة العجز السياسي الذي واكب الحكومة الحالية منذ ولادتها العسيرة، إضافة إلى التوترات الاجتماعية و الحقوقية التي لا تخمد سوى لتفرز شرارة جديدة، على أنها ظروف تتطابق مع ما عاشته بلدان أخرى مباشرة قبل أحداث “الربيع العربي”، بل إن الأحداث التي تعيشها دولة مثل الأردن منذ أزيد من أسبوع؛ وهي دولة نجحت كالمغرب في تخطي الموجة الأولى ل “الربيع العربي”، تعزز من قيمة تلك الدراسات، بما يجعل مخاطر عدم الاستقرار التي تفرزها الأوضاع المعيشية و الإجتماعية، تتخذ طابعا جديا وواقعيا و هو ما يحتاج إلى كثير من المسؤولية في إلتقاط إشاراته المتعددة قبل فوات الأوان، و مذكرة فريقا حزب الاستقلال بالبرلمان، تدخل أساسا في هذا الإطار والذي يجعل المسؤولية السياسية بخصوص ما يجب القيام به لمعالجة الطلب الإجتماعي و السياسي، مسؤولية تتقاسمها المعارضة مع الأغلبية، فهل استفادت الحكومة من دق ناقوس الخطر الذي قرعه حزب الاستقلال؟
http://al3omk.com/wp-content/uploads/2018/05/gJu2CPVfvLq6w3k.png
قبل الجواب عن هذا السؤال لابد من عرض ما قدمته المذكرة من مقترحات، كانت الغاية منها هي أن تتحمل الحكومة مسؤوليتها، بعيدا عن المزايدات التي يمكن أن يعرفها البرلمان سواء في ما يتعلق بالقوانين أو المساطر، ووعيا من حزب الاستقلال أنه في مواجهة أغلبية؛ هامش الاستقلالية لدى مكوناتها محدود جدا، و هو ما يعني إستبعاد ضمني لأي تجاوب من جهتها كسلطة تنفيذية مع مبادرات صادرة عن السلطة التشريعية، هذا دون الحديث عن الموانع القانونية و الواقعية و العملية لذلك من مثل إصدار قانون مالية معدل. لقد تضمنت المذكرة عدة مطالب تمحورت حول الحوار الاجتماعي و دعم القدرة الشرائية و تعزيز التشغيل، من أهمها:

–  الرفع من الأجور على مرحلتين بإقرار زيادة 200 درهم شهريا للموظفين ابتداء من فاتح يوليوز 2018، على أن يتم تحديد مبلغ وأجل تنفيذ الشطر الثاني من الزيادة في إطار الحوار الاجتماعي.
– الرفع من سقف الدخول السنوية المعفاة من الضريبة على الدخل من 30000 إلى 36000 درهم؛
– إدماج خصم ضريبي عن الرسوم الدراسية في التعليم الخاص من مجموع الدخل الفردي في حدود 6000 درهم سنويا عن كل طفل متمدرس.
–   وضع نظام مرن للرسوم الداخلية على الاستهلاك المطبقة على استيراد المحروقات مرتبط بمستويات الأسعار الدولية، وذلك من أجل تخفيف من انعكاس ارتفاعات الأسعار الدولية على القدرة الشرائية للمواطنين.

–  برمجة آليات استباقية تمكن من مواجهة تداعيات ارتفاع الأسعار الدولية للمحروقات على القدرة الشرائية للمواطنين.
–  رصد الاعتمادات الضرورية لتنفيذ التدبير الجديد المتعلق بالتداريب المؤدى عنها في الإدارات والمؤسسات العمومية والجماعات المحلية لفائدة حاملي الشهادات.
فريقا حزب الاستقلال لم يرفعا فقط مطالب في الفراغ، بل قدما مقترحات عملية و إجرائية حتى تتمكن الحكومة من إدراج هذه التدابير المقترحة في مشروع قانون المالية المعدل مع الحفاظ على التوازنات المالية الكبرى للميزانية، وذلك عبر استثمار الهوامش الميزانياتية الجديدة المتاحة، وذلك نتيجة:

– التقديرات المحينة للمحصول الفلاحي برسم هذه السنة التي تزيد بحوالي 25 في المائة عن التوقعات التي تم اعتمداها عند إعداد القانون المالي الحالي، مما سيكون له انعكاس إيجابي على معدل النمو وعلى تطور استهلاك الأسر؛

– تحيين الفرضيات التي بنيت عليها الميزانية العامة لسنة 2018 المتعلقة بأسعار المواد البترولية التي ارتفعت إلى يومنا هذا بحوالي 10 دولارات في المتوسط بالمقارنة مع 60 دولارا للبرميل الذي اعتمدته الحكومة في قانون المالية الحالي، وهو ما سيوفر مداخيل إضافية من الضريبة على القيمة المضافة عند الاستيراد، ومن الرسوم الجمركية المطبقة على المحروقات.
هذه الحلول تضمنت أيضا دعوة الحكومة، إلى اتخاذ تدابير تهدف الى ترشيد نفقات التسيير المرتبطة باقتناء “المعدات والنفقات المختلفة” برسم ميزانية 2018، خصوصا أنه تم رفع مخصصاتها بأزيد من 16,4 في المائة لتلبغ أزيد من 4 ملايير درهم…، في حين أن معدل تطور هذه النفقات لم يتجاوز 4,3 في المائة على مدى الخمس سنوات الماضية (2013-2017).
هذه هي مجمل التدابير الاستعجالية التي اعتبر فريقا حزب الاستقلال بالبرلمان ضرورة إدراجها في تعديل القانون المالي برسم 2018، وذلك بالإضافة إلى مجموعة من الإجراءات المواكبة التي تحتاج إلى إرادة سياسية و التقيد بالدستور و الوعي بأهمية ووقع السلم الاجتماعي على الاستقرار و هي كالتالي:
– استئناف الحوار الاجتماعي عل أرضية تفاوضية تمكن من إبرام اتفاق
اجتماعي في أقرب الآجال، علما أن بلادنا بدون إتفاق إجتماعي منذ سبعة سنوات…
– الشروع في تطبيق النظام المتحرك للحد الأدنى للأجور في القطاع الخاص، في إطار الحوار الاجتماعي، ابتداء من فاتح يوليوز 2018، علما أن القطاع الخاص هو الذي يضم أزيد من 80 بالمائة من الساكنة النشيطة.

– الإسراع بتفعيل مجلس المنافسة طبقا للفصل 178 من الدستور، حيث أن البرلمان قام بواجبه التشريعي منذ أزيد من خمس سنوات، لكن المجلس لازال معطلا و في ظل غياب المنافسة ووضعية الاحتكار التي تعرفها عدة قطاعات، إضافة إلى إندماجات بين الشركات تتم خارج رقابة المجلس.
–  تطبيق المادة الخامسة من القانون المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة من أجل تسقيف أسعار المحروقات؛
– تسقيف هوامش الربح بقطاع التعليم الخاص الذي يستنزف موارد مليون أسرة مغربية، بسبب تخلي الدولة عن المدرسة العمومية.
–  استكمال تشكيل وتفعيل الآليات المؤسساتية من أجل حماية المستهلك، وإعداد المراسيم والتدابير والتحفيزات المواكبة اللازمة، خاصة و أن بلادنا تشهد منذ أسابيع حملة مقاطعة واسعة و تاريخية لعدد من المواد الاستهلاكية.

–  التعجيل بإصلاح أسواق الجملة، وتنظيم وضبط هوامش الوساطة التجارية والمتدخلين في سلسلة التوزيع، وتعزيز محاربة المضاربة والاحتكار، وهو ما من شأنه الحد نسبيا من إرتفاع الأسعار عن المستهلك النهائي و هو المواطن.
–   إعداد المراسيم اللازمة لتطبيق القانون المتعلق بأجل الأداء وتحديد نسبة الغرامة خصوصا أن تأخير أجل الأداء يتسبب في إفلاس 40 في المئة من المقاولات وهدر أكثر من 100000 فرصة شغل سنويا.
يتضح من خلال عرض أهم ما جاء في مذكرة فريقا حزب الاستقلال بالبرلمان، أنها تضمن مستويين، المستوى الأول يرتبط بمضمون التعديل الذي يجب أن يخضع له قانون المالية لسنة 2018، و قد تم سردها بدقة، أما المستوى الثاني فيتعلق بتدابير مواكبة ليس لها علاقة مباشرة بقانون مالية معدل و لكنها جميعا تركز على حماية القدرة الشرائية و حماية المنافسة و الحكامة و الحفاظ على مناصب الشغل و التقيد بالدستور.

الحكومة لم تتداول في إجتماعها الأسبوعي في مضامين المذكرة كما أوضح ذلك الناطق الرسمي باسمها، و الجواب الوحيد عنها كان بفتح نقاش قانوني في الشق المتعلق بمن له الحق في وضع “قانون مالية معدل”، حيث إرتفعت أصوات من الحزب الذي يقود الحكومة بتشنج غير مبرر، للحديث عن مسطرة التشريع و أن الفريق الاستقلالي يجب أن يتبع تلك المسطرة التي تحكم تعديل القوانين و ذلك بتقديم مقترح قانون بدل مطالبة الحكومة بإحالة مشروع قانون مالية معدل. علما أن المشرع حد صراحة من سلطات البرلمان فيما يتعلق بإمكانية تقديم مقترحات القوانين بخصوص قانون المالية، حيث ينص الفصل 4 من القانون التنظيمي للمالية رقم 113.13 على أنه “لا يمكن أن تغير خلال السنة أحكام قانون المالية للسنة إلا بقوانين المالية المعدلة” و في ذات القانون نجد المشرع يحدد بدقة في الفصل 51 أن قانون المالية المعدل يتعلق ب” مشروع قانون” أي أن الاختصاص يعود للحكومة وليس للبرلمان، حيث تنص المادة صراحة على ما يلي ” يصوت البرلمان على مشروع قانون المالية المعدل في أجل لا يتعدى خمسة عشر (15) يوما الموالية لإيداعه من طرف الحكومة لدى مكتب مجلس النواب. يبت مجلس النواب في مشروع قانون المالية المعدل داخل أجل ثمانية (8) أيام الموالية لتاريخ إيداعه”، هذه الأصوات التي تركت المضمون السياسي و الاجتماعي للمذكرة و ركزت على الجدل القانوني، حاولت تعزيز وجهة نظرها بالإحالة على قرار المجلس الدستوري بخصوص القانون التنظيمي للمالية حيث تمت الإشارة إلى قرار المجلس الدستوري عدد14/950 الصادر بتاريخ 23 دجنبر 2014 بخصوص المادة السادسة من القانون التنظيمي للمالية.

يظهر أنه من المهم التأكيد هنا على أن المجلس الدستوري في قراره بخصوص المادة 6 من القانون التنظيمي أكد على ما يلي :”وحيث إنه، مع مراعاة أن تعديل المقتضيات الضريبية و الجمركية يجب أن يستحضر دائما قاعدة توازن مالية الدولة المقررة بمقتضى الفصل 77 من الدستور”، و كما يلاحظ فإن المجلس الدستوري في آخر تعليله لقراره بخصوص المادة 6 يعود ليضع قيودا على البرلمان بخصوص التشريع في كل ماهو ضريبي و ذلك بالتأكيد على واجب التقيد بالفصل 77 من الدستور الذي ينص على: ” يسهر البرلمان والحكومة على الحفاظ على توازن مالية الدولة. وللحكومة أن ترفض، بعد بيان الأسباب، المقترحات والتعديلات التي يتقدم بها أعضاء البرلمان، إذا كان قبولها يؤدي بالنسبة لقانون المالية إلى تخفيض الموارد العمومية، أو إلى إحداث تكليف عمومي، أو الزيادة في تكليف موجود.”، و هو ما يعني أن المجلس الدستوري قام بقراءة غير مجتزئة للدستور لأنه لم يتوقف عند الفصل 71 منه فقط، بل إستحضر القيود التي يفرضها الفصل 77، و حيث أن جزءا كبيرا من مذكرة فريقا حزب الاستقلال بالبرلمان يتضمن تقليص عدد من الضرائب و التخفيض من قيمتها و في نفس الوقت يقترح الزيادة في الأجور، ما يضع تلك المطالب تحت مقصلة الفصل 77 الذي طالما لجأت إليه الحكومة، علما أن المجلس الدستوري لم يتوقف عند باقي مواد القانون التنظيمي لقانون المالية التي حصرت قانون المالية المعدل في مشروع قانون تتقدم به الحكومة و هو ما جاء صريحا في المادة 4 من ذات القانون و المشار إليها سالفا، علما أن المجلس الدستوري صادق على تلك المادة دون ملاحظة.

لقد كان أولى بالحكومة والمدافعين عنها عن حق أو عن باطل من داخل الحزب الذي يقودها، أن يلتقطوا أبعاد المذكرة التي تمثل حالة حوار من داخل المؤسسات التي مع الأسف أريد لها أن تفقد مصداقيتها لدى الرأي العام، و أن المذكرة تمثل حالة خاصة مؤسساتية في وقت تأتي كل المطالب من الشارع مباشرة، سواء عبر الحراك الإجتماعي من هنا و هناك أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي كما يتابع الجميع بخصوص المقاطعة..بدل محاولة تحويل المذكرة إلى منصة لكلام سهل و متجاوز لم يعد يقنع أحدا و تغلب عليه روح “البولميك”؛ في ظروف تطل فيها البلاد على المجهول…

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك