https://al3omk.com/309747.html

ظروف التشديد…

بصرف النظر عن ظروف التشديد العادية ،المنصوص عليها في القانون الجنائي المغربي،التي تشدد العقوبة في الفعل الجرمي الأصلي ، نجد هناك ظروف تشديد أخرى غير منصوص عليها في القانون،تستعمل انطلاقا مما يسمى قناعة و سلطة تقديرية لمصدر الحكم .وهده من الخبايا التي لا يدركها و لا يعلمها إلا الضاربون في مهنة القانون .

من بين ظروف تشديد الظاهرة للعقوبة،المنصوص عليها في القانون الجنائي نجد : حالة العود أي تكرار عمل جرمي داخل مدة معينة من ارتكاب الفعل الجرمي الأول ، سبق الإصرار أو الترصد أو هما معا ،الجنح التي تسبق أو تلحق جناية ،و هلما جرى من الأمثلة التي تدخل في هدا المضمار .

و لعل هده ،أي ظروف التشديد الظاهرة المنصوص عليها في القانون يكون وجودها ماديا ملموسا ،و تعليلها واجب قانوني ، لدرجة نقصان التعليل يوازي آنعدام الحكم أو القرار الصادر. لكن عكسها أي تلك المضمرة و الخفية ،تدخل في صميم قناعة القاضي و كذلك في سلطته التقديرية . و هاته الأخيرة تعتبر الهامش الذي تدخل منه رياحا كثيرة من شأنها أن تتشكل عنها غيوم مكهربة بالسالب و الموجب ،عند التقاءهما ترعد السماء ،فيتساقط برد حجمه يتناسب و قوة الرعد . مما ينجم عنه سيولا ووديان و آنجراف أتربة كثيرة ،و آنصعاق كثير .

بالعادة و الديدن في قراءة الأحكام الجنحية و القرارات الجنائية ،تكاد تتكون لديك قناعة كبيرة جدا ،في أن تعيد السؤال مرات عديدة على نفسك ،و تخلو بها بعيدا من أي ضوضاء،علك تجد في عمقك ،صيغة و لو تخيلية عن القصد الذي ابتغاه المشرع من تعبير “السلطة التقديرية في الأحكام و سلطة الملائمة في الإتهام ” و الغريب كل الغرابة ،أنه لم يرتب عن خرقهما أي شيء . و كيف له دلك و كل فرد يختلف عن الآخر في قناعاته و سلطاته التقديرية . و من هنا ،فقد تصدر عدة أحكام مختلفة اختلافا كليا ، في نفس القضية. و دلك بحسب اختلاف السلطة التقديرية لكل منهما .

بهدا المنطق الغير السليم ،هل يمكن أن نرهن حرية الناس و الأفراد و نحكم عليهم بسنوات طويلة جدا من السجن، إعمالا للسلط التقديرية ، سيما وأن القانون يدخل في إطار العلوم ،و العلم لا يخضع للسلطة التقديرية بل يخضع لعمليات رياضية حقة و لتطبيق النصوص ،ليس بالمعنى الحرفي و لكن بما تقتضيه العدالة التي هي لج عميق لا يسبر غوره إلا القليل .

نعيش في المغرب ،و نعلم جيدا الظروف التي تحيق به ،و لا أحد بمنأى عن تبعيات دلك، حتى و لو من الجانب النفسي . أذكر أني شاهدت يوما برنامجا ثقافيا يعالج أسباب وقوع كارثة : ” تشيرنوبيل ” التي حدثت في روسيا . و مند تلك اللحظة أصبح جل موظفي هده الوكالة النووية،يخضعون كل يوم يلجون فيه إليها لتأدية عملهم، إلى اختبار نفسي من قبل أخصائيين نفسيين . و إدا كان الأمر سيان فيما ينتج من آثار بين هدا و داك،إذ أن أي خلل نفسي سينتج عنه محق للحياة ،”و من قتل نفسا كأنما قتل الناس جميعا ” .و فقدان الحرية لا يختلف كثيرا عن تلف الأنفس ،ثم أليس رهن حياة الناس بالسلط التقديرية لأشخاص آخرين لا علم لنا بنفسيتهم من شأنها تدميرهم كليا .

في الملفات السياسية التي تكون معروضة أمام المحاكم ،تظهر لنا علنا ظروف التشديد الخفية ،التي تنبعث انطلاقا من السلطة التقديرية و سلطة الملائمة التي سربها علنا المشرع لغاية في نفسه قد بغاها . فالسياسة بدورها تعتبر في بلد غير ديمقراطي ظرف تشديد ،ممارستها بدون نفاق و بدون كلبية على الأقل تعتبر ظرف تشديد .

رأينا و قرأنا تاريخ المغرب خاصة ما يتعلق بالمحاكمات السياسية وما صدر فيها من أحكام ثقيلة ، تئن تحت وطأتها الجبال. كان آخرها في العهد الحديث الذي نحن عليه شهود ،الأحكام التي صدرت ضد شباب الحسيمة ،لا لشيء فعلوه إلا أنهم طلبوا و بتهور و اندفاع و حماسة شباب في مقتبل العمر ، لديه غيرة على البلاد و العباد، تأمين ظروف حياة كريمة. هاته المحاكمة و بلا ريب شملتها ظروف التشديد الخفية ،تلك التي لا يعلمها إلا الراسخون في العلم .

كان هناك حراك ،و أي حراك من شأنه أن يجعل الأرض تمور تحت الأرجل .تبع هدا الحراك اعتقالات بالجملة .انتفض الناس .شجبوا الاعتقالات لأنها تعسفية .بدأت المحاكمات بعد اتهامات ثقيلة . جحافيل من المحامين و مثلهم من وسائل الإعلام . دولت القضية . أصبحت رأي عام وطني و دولي .انتفاضات هنا و هناك .وسائل التواصل الإجتماعي تكاد تتحول إلى مؤتمرات صحفية و إلى مكان للشجب و التنديد و التحليل السياسي و كأن بك ستقوم الواقعة غدا. و أمام كل هدا أتى التحدي ،تحدي دولة و نظام للشعب .فهبة الدولة لا يمكن أن تمس خاصة في بلد لا يزال يقبع تحت أتون الفساد و الأمية .. .
أمام كل هدا التحدي و كل هدا الإهتمام ،ألا يمكن القول على أن هدا كله يعتبر ظروف تشديد خفية ؟

لو أن هده الإتهامات كلها، التي توبع بها ،مثلا شباب الحسيمة ،لكن بالموازاة مع دلك ،لم يتبعها كل هاته الجلبة و كل هدا الإهتمام ،فهل ستكون الأحكام التي ستصدر شبيهة لمثل التي صدرت الآن .؟ من المؤكد ستكون مختلفة جدا . لأن محاكمتهم على هدا النحو ،هي محاكمة الجميع ،و هي تنبيه و عبرة لكل من انتفض . و الأكثر من دلك هي وسيلة من أجل سكون الأرض .و لنا في التاريخ عبر .

القانون الجنائي المغربي عرف عدة تعديلات ،لكن بيت القصيد أو ما يعرف بالسلطة التقديرية للقاضي و سلطة الملائمة للوكيل العام ووكيل الملك ،بقيت على حالها ،لم يطلها أي تغيير أو تعديل .ربما لا تتآلف و لا تتسامى و المنطق السليم و كدا لما هو متعارف عليه في العلوم الصحيحة و السليمة . لكن تعديلهما هو مطلب سيأتي حينما يعي الناس خطورتهما و ما يترتب عنهما من آثار سلبية لا يمكن تداركها مع الوقت .خاصة و أن محكمة النقض التي هي محكمة قانون لا تراقب و لا تناقش السلطة التقديرية، لأنه بكل بساطة، لكل سلطته التقديرية و قناعاته .
و هل في العلوم تختلف القناعات؟

*عبد الغاني بوز محام بهيئة القنيطرة

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك