ذكريــــــات لا مذكــــــــــرات.. (6)

شيئا فشيئا بدأنا – نحن المعلمين من المثلث والجليل – الذين يعملون في النقب، بما في ذلك انا وزوجتي فاطمة، نشعر بالتغيير الذي بدأت آثاره تظهر واضحة في حياة أهلنا في النقب.. حددنا في هذه المرحلة مجموعة من الأهداف على المستويين الشخصي والجماعي، بذلنا غاية جهدنا واستفرغنا غاية طاقتنا في سبيل تحقيقها على اعتبارها الأصل الذي ينبني عليه الميلاد الجديد لجزء غال من شعبنا العربي الفلسطيني..

على المستوى الشخصي كان الهدف بناء الشخصية المسلمة الاقرب الى نموذجها في العهود الإسلامية الذهبية، عقيدة وعبادة واخلاقا ومعاملات وفهما ويقينا بأن طريق النهضة لا يتم الا عبر بوابة الإسلام الذي نقل امة العرب من حالة الانحطاط والغياب التي كان من نصيبها على مدى قرون طويلة في صحرائهم المنقطعة، إلى أمة أصبحت ملأ بصر وسمع الإنسانية كلها عدالة وسماحة وحضارة ومدنية وسياسة..

اما المستوى الجماعي، فكان هدفنا خلق حالة من التضامن والوحدة الشعورية والميدانية العابرة للقبائل، والتي من شأنها استبدال منظومات قبلية ساهمت وبشكل بارز في تفتيت المجتمع العربي البدوي وإضعافه، واستبدالها بمنظومة جديدة مرجعيتها الإسلام، تصهر المجتمع المنقسم على نفسه وتجعله واحدا، متحدا، متعاونا، متكاتفا ومتضامنا، يستثمر ما يملكه من طاقات وإمكانات كامنة في سبيل تقدمه ورفاهية أبنائه..

كان مهما جدا بالنسبة لنا أيضا وكجزء من تعزيز روح العمل الجماعي ان نبني شبكة علاقات بين أهلنا في النقب ومكونات مجتمعنا العربي الفلسطيني في المثلث والجليل والمدن المختلطة.. كان هذا مهما لأسباب، على رأسها، أولا، التأكيد على ان المجتمع العربي الفلسطيني في الداخل واحد وموحد، ولا يمكن تقسيمه وتفتيته بأي شكل من الاشكال، خصوصا حينما يكون تقسيمه وسيلة إسرائيلية وقحة ومكشوفة لتشديد قبضة الدولة على المجتمع العربي النقباوي تحكما وضبطا، الامر الذي نرفضه تماما.. أما ثانيا، فالتمهيد لانخراط المجتمع العربي في النقب في نضالات الجماهير العربية، وحمله للهَمَّ العام، ومشاركته في صياغة حاضر ومستقبل شعبنا، وتبادل الخبرات في هذا الشأن، والاستفادة من التجارب المتراكمة لدى المثلث والجليل والمدن المختلطة في تنظيم نضال منظم في منطقة النقب الذي يعاني هو أيضا من عدد كبير من الازمات، ويواجه عدد أكبر من التحديات الوجودية، إضافة إلى تعميق الشراكة بين كل مكونات شعبنا في ساحات النضال بعيدا عن الإقليمية والمناطقية، وذلك على قاعدة ان قضيتنا كمجتمع عربي فلسطيني في الداخل، واحدة لا تتجزأ، والعمل من اجل الدفاع عنها يجب ان يكون موحدا بنفس الدرجة..

خلال سنتين من هذا العمل الدعوي الجاد والمثابر، لمسنا التغيير الذي حمل معه عددا من الدلالات والإنجازات.. بدأ المجتمع العربي البدوي يتصرف كشعب له ماضي وحاضر، ويرمق مستقبله بكل تفاؤل ووعي وحماسة.. انهارت الكثير من الحواجز النفسية التي تبعها انهيار الكثير من الحواجز الموروثة التي اعاقت ولأمد بعيد وحدة المجتمع واستعادة عافيته وقدرته على تنظيم نفسه واستثمار طاقاته المبعثرة لبناء مجتمع رصين وقادر ونامي ومتطور.. ترجم المجتمع العربي في النقب هذا التغيير بمجموعة من النشاطات والإنجازات.. الأول، تعميق التواصل والتعاون بين أبناء القبائل. والثاني، العمل المشترك لبناء المساجد الجديدة التي شكلت المحاضن للتربية الرصينة، والقواعد التي انطلقت من تحت قبابها عملية الإصلاح المجتمعي الشامل.. كان للمساجد المتواضعة في تلك المرحلة دورها التنويري من حيث تقديمها الخدمات التوعوية والتثقيفية إضافة إلى الخدمات الدينية الشاملة لجمهور هدفها. كما كان لها دورها الإصلاحي للمجتمع كله، حيث عملت المساجد ولجانها القائمة عليها – وكان كلهم من أبناء الحركة الإسلامية – على تشكيل المجموعات الدعوية التي انطلقت من المساجد في كل اتجاه للقيام بواجبها تجاه مجتمعها توعية وتعبئة، بهدف تعميق علاقة المجتمع ككل بقيم الإسلام العظيمة. الحقيقية هي ان هاذين الهدفين، التنويري والاصلاحي، هما الوظيفة الاصيلة للمساجد التي كانت في عهودها الأولى مؤسسات تنويرية – تعبدية – إصلاحية من الدرجة الأولى، قبل ان تصبح مجرد قاعات للصلاة فقط في عهود التأميم التي بدأتها الأنظمة العلمانية في مرحلة ما بعد الاستقلال وانتهاء حقب الاستعمار الغربية السوداء لعالمنا العربي والإسلامي…

من اهم الثمار اليانعة التي ولدتها تلك المرحلة إقبال البنت العربية في النقب على التعليم بما في ذلك التعليم الثانوي الذي كان نادرا في تلك الحقبة.. لم يكن هذا مفهوما ضمنا في تلك المجتمعات في تلك المرحلة المبكرة من عمل الحركة الإسلامية، وما كان لها ان تتحول إلى حقيقة لولا توفيق الله سبحانه لنا في هذا الاتجاه.. وصلنا في سبيل تحقيق هذا الهدف السامي، إلى البيوت، التقينا فيها بالأهل، بالأولاد والبنات، ونجحنا إلى حد كبير في إحداث التغيير المطلوب الذي جَرَّ وراءه ظاهرة جديدة فاقت توقعاتنا جميعا. لم اتخيل ان تصل قدراتنا على الاقناع إلى هذا الحد.. واضح أننا كنا مجرد أسباب هيئتها العناية الإلهية لتحقيق قدر الله سبحانه في وضع المجتمع العربي الإسلامي في النقب على الطريق الصحيح…

شعرت انا وزوجتي برضى ملأ علينا قلوبنا بالرغم مما احتاجه هذه العمل من جهد كبير وتعب مضني، احتاج منا أحيانا إلى ان نعود الى بيوتنا في الساعة الثانية والثالثة صباحا ونحن في حالة إنهاك كامل.. مع ذلك، كانت السنتان اللتان قضيناهما في النقب، من أروع سنوات عمرنا على الاطلاق، بل كانت أروعها.. تعرفنا على الكثيرين، وتعرف علينا الكثيرون.. كانت تلك مهمة غير عادية وغير طبيعية! بالرغم من التعب والانهاك والعمل لساعات طويلة، كانت حلاوة الإنجاز كفيلة بتحويل التعب والانهاك إلى رافعة لنشاط جديد، كأنما تحررت قلوبنا واجسادنا معا من قيود الطبيعة التي خلقها الله على سنن التعب والراحة، فَسَمَتْ أرواحنا إلى درجة انها لم تعد تعبأ بالتعب والانهاك، فاستجابت لندائها أجسادنا فلم تعد هي أيضا تعترف بقواعد اللعبة هذه، وهذا هو التفسير الوحيد لما حدث في تلك المرحلة..

كان التزامنا الأخلاقي تجاه مجتمعنا في النقب قويا إلى درجة أنني قررت مع زوجتي إلا نعود إلى قريتنا كل أسبوع كما تفعل الأغلبية الساحقة من المعلمين، بل قررنا ان نكتفي بزيارة واحدة كل أسبوعين.. منَحَنَا هذا القرار فرصة ذهبية لاستثمار نهايات الأسبوع لتكثيف عملنا الدعوي، والبقاء مع أهلنا في النقب مدة أطول بعيدا عن الالتزامات الرسمية التي كانت من نصيبنا أيام الأسبوع من الاحد الى الخميس.. أعني التزامنا بالدوام في مدارسنا والتي كانت بالنسبة لنا أيضا مهمة مقدسة أوليناها عنايتنا ورعايتنا لما رأينا فيها من أهمية في بناء جيل المستقبل الذي سيحمل الراية التي بدأت ترتفع في سماء النقب شيئا فشيئا..

في نهايات الأسبوع (الجمعة والسبت) التي كنت فيها وزوجتي في قريتنا قريبا من أهلنا، قمنا بنفس النشاط تماما كما فعلنا في النقب.. أصبحت الدعوة الإسلامية الهواء الذي نتنفسه، والذي بدونه لا يمكن ان نعيش، أو ان يكون لحياتنا طعم من أي نوع! كنا نجتمع في جلسات دورية منظمة لها برامجها التي شملت القرآن الكريم والسنة النبوية والفقه والفكر الإسلامي، والتاريخ الإسلامي السياسي والحضاري، وواقع المجتمع العربي في إسرائيل، والتحديات الوجودية التي تواجه عالمنا العربي والإسلامي، والنظريات الغربية السائدة.. الخ.. كانت دراستنا شاملة ومنوعة، مع التركيز طبعا على بناء الشخصية المسلمة من جميع جوانبها من خلال مرجعياتنا الإسلامية ومصادرنا الربانية..

أدرت مجموعة خاصة في قريتي كفر برا، والتي ما زلتُ أذكرها حتى اليوم. في كل مرة كنت اعود فيها الى قريتي من النقب، كانت المجموعة في انتظاري على أحر من الجمر من أجل الاجتماع واستئناف الدراسة، والاطلاع على كل جديد.. كان الاقبال مميزا، والادراك لأهمية المرحلة كبيرا، والتفاعل مع الحاجة إلى التوعية الإسلامية عميقا، وبالتالي كانت ردة الفعل إيجابية جدا، الامر الذي أسس لعمل دعوي رصين ساهم جنبا إلى جنب مع باقي الفروع، في ان تتحول الحركة الإسلامية إلى رافد أصيل من روافد مجتمعنا العربي الفلسطيني في الداخل.. لا زلت أذكر أحد هؤلاء الشباب الذين لم يتلقوا أي تعليم من أي نوع.. كان اميا تماما.. عند انضمامه للحركة الإسلامية والتحاقه بضفوفها، طلب مني كمهمة أولى لا تنازل عنها، ان اعلمه القراءة والكتابة.. استسلمت لحماسته ورغبته الجامحة، وهكذا كان.. استعملت معه نفس الأساليب التعليمية التي اطبقها مع طلابي الذين علمتهم في مدرستي في النقب.. علمته القراءة والكتابة، فكانت فرحته بلا حدود خصوصا عندما وضع المصحف بين يديه وبدا يتلوه لأول مرة في حياته..

كان الشيخ احمد عاصي، شاب في مقتبل العمر، هو المكلف برعاية ومتابعة المجموعة التربوية، كما كان مسؤول فرع الحركة الإسلامية في قرية كفر برا.. الشيخ احمد هو ابن لعائلة “عاصي” وهي أكبر العائلات في القرية.. في تلك الفترة لم يدر بخلدي بأي شكل من الاشكال ان أكون مرشحا لمنصب رئيس المجلس المحلي.. لم أكن اعرف حينها ماذا تعني كلمة “سياسة”! لذلك اهتم الشيخ احمد عاصي بكل شيء في القرية. لم يكن المجلس المحلي جزءا من خططي أبدا.. حلمي كله انصب على هدف واحد.. ان أكون معلما ناجحا، أن احقق إنجازات نوعية في مجال التعليم، وان أساهم في تثقيف شعبي. لذلك تأثرت كثيرا عندما تلقيت خبر إقالتي من التدريس على أثر التطورات في ملف “أسرة الجهاد”، والذي اعتبرته ظلما فاحشا لم أكن أستحقه بحال من الأحوال.

في تلك الفترة كانت الحركة الإسلامية تشق طريقها بثبات ووعي، وتنتشر في أوساط المجتمع العربي بكل ثقة، وتحظى بالدعم والتأييد بشكل مستمر، ويلتحق بصفوفها عدد لا بأس به من الشباب في كل بلد تقريبا.. أصبح نجمها يسطع في سماء جماهيرنا، وأصبح حضورها بارزا وواضحا لفت الأنظار في داخل مجتمعنا العربي وفي خارجه.. مع ذلك، لم تكن هنالك صحيفة تعبر عن رأي الحركة الإسلامية وتنشر اخبارها بشكل منتظم كغيرها.. أذكر ان اول صحيفة (مجلة) أسبوعية أصدرتها الحركة الإسلامية كانت بعد ثلاث سنين من ذلك التاريخ، حملت اسم “الصراط”..

كان حضور الحركة الإسلامية في قريتنا الصغيرة محدودا نسبيا مقارنة مع حضور الحركة في قرى أخرى ابتداء من كفر قاسم بلد الام التي ولدت فيها الحركة الإسلامية في العام 1971/1972 برئاسة ابنها المؤسس فضيلة الشيخ عبدالله نمر درويش – رحمه الله تعالى، مرورا بجلجولية والطيبة، والطيرة وقلنسوة ( 1974-1975)، قرى وادي عارة وام الفحم (1976-1977)، حيث كان الشيخ رائد صلاح حينها قد انهى للتو دراسته الثانوية (1976)، وبدأ استعداداته للالتحاق بكلية الشريعة في مدينة خليل الرحمن، بتوصية من الشيخ عبدالله درويش الذي قدر الله ان يلتقي مع الشاب رائد صلاح في تلك المرحلة بحضور عدد من شباب ام الفحم، حيث دار حديث عن مستقبل الحركة وحاجتها إلى كوادر اكاديمية.. عندما سمع الشيخ عبدالله ان الشاب رائد صلاح انهى دراسته الثانوية، وأنه في طور البحث عن مجال دراسته الجامعية، أشار عليه الشيخ عبدالله أن يلتحق بالدراسة في كلية الشريعة في الخليل، فوجد اقتراح الشيخ قبولا لدى الشاب رائد والاخوة الفحماويين الحاضرين، فالتقى الماء على امر قد قُدِر وهكذا كان.. كان حضور الحركة الإسلامية في هذه القرى بارزا، بفضل الله تعالى، ثم بفضل الجهود الجبارة التي بذلها مؤسس الحركة فضيلة الشيخ عبدالله درويش – رحمه الله – في تلك الفترة المبكرة من تاريخ الحركة، والذي كان الشيخ فيها قائدنا ومرجعيتنا الروحية والتنظيمية بلا منازع..

كنا في تلك الفترة من الأوائل الذين ساهموا، جنبا إلى جنب مع فضيلة المؤسس الشيخ عبدالله نمر درويش، في نشر رسالة الحركة الإسلامية في جميع المواقع التي وصلنا اليها بما في ذلك منطقة النقب التي قدر الله لنا ان نعمل في مدارسها.. كان الشيخ عبدالله قد بدأ دراسته في المعهد الشرعي الإسلامي في مدنية نابلس في العام 1969، وانهى دراسته منتصف العام 1971، وكانت تأسيسه للحركة الإسلامية بتاريخ 1.5.29171، بينما تنظمت المجموعة الأولى في إطار الحركة منتصف سنة 1972، كما ذكر لنا في أكثر من مناسبة جمعتنا بفضيلته، أجاب لنا فيها عن أسئلتنا حول نشأة الحركة الإسلامية وذكرياته حول تلك الفترة.

كان لقائي مع فضيلته كطالب (الصف التاسع) في ثانوية كفر قاسم سنة 1972. افترقت طرقنا بعدها بسبب انتقالي للدراسة الثانوية في مدينة الطيرة لأسباب سأتطرق إليها في هذه المذكرات في فصول لاحقة، لنلتقي مرة أخرى بعد فترى قصيرة في إطار الحركة الإسلامية التي انطلق عملها في تلك السنوات المبكرة..

كما قلت، كانت السنتان اللتان قضيتهما انا وزوجتي، من أروع سنوات عمرنا، كنت انا في السنة الثانية، اما زوجتي فكانت تلك سنتها الأولى، حيث انهت تعليمها في كلية دار المعلمين بعد سنة من سنة إنهائي… يتبع..

**** قيادي في الحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني

**** الرئيس السابق ل – “جمعية الأقصى لرعاية الأوقاف والمقدسات الإسلامية” في الداخل الفلسطيني

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك