https://al3omk.com/311844.html

ذكريــــــات لا مذكــــــــــرات.. (7)

كانت السنتان (1981 – 1979) اللتين قضيتهما انا وزوجتي في النقب كمدرسين وكناشطين دعويين، من أجمل سنوات العمر على الاطلاق.. لا أبالغ إن قلت إنهما صاغتنا حياتنا على نَحْوٍ ظَلَّ يرافقنا حتى اليوم.. في هذه المرحلة كنت في السنة الثانية لعملي كمدرس في النقب، بينما كانت زوجتي في سنتها الأولى.. في هذه الفترة من الزمن أيضا اخذت الحركة الإسلامية زخما كبيرا، وبدأ عودها يقوى يوما بعد يوم، واخذت تتمدد طولا وعرضا، رأسيا وأفقيا بشكل كبير، إلى درجة انها دخلت تقريبا كل بيت في المجتمع العربي. لم تَخْلُ الأجواء من بعض المناوشات التي كان يفتعلها بعض المنتمين إلى بعض التيارات العلمانية التي لم يَرُقْ لها هذا الانتشار السريع لحركةٍ إسلاميةٍ بدأت تنافسهم على الحيِّز العام، وتزاحمهم على قلوب الجماهير، ويلتحق بها في كل يوم شبابٌ متعطشون للتغيير بعد سقوط أصنام القومية ورموزها التي صدعت الرؤوس بشعاراتها، بينما جَرَّتْ على الأمة العربية الويلات، وعلى فلسطين المزيد من النكبات..

كان عملنا كمندوبين للحركة الإسلامية في النقب، دعويا محضا، لم نواجه فيه أية عقبات فكرية من النوع الذي ساد في منطقني المثلث والجليل، حيث انتشرت التيارات العلمانية يسارية كانت او قومية أو وطنية.. كانت منطقة النقب بِكْراً من هذه الناحية، فلم ينكشف أهلها إلا في النادر للأيديولوجيات التي كانت لها السيطرة الحصرية تقريبا منذ النكبة وحتى بداية سبعينات القرن الماضي! شقت الحركة الإسلامية طريقها في النقب بكل ثقة وثبات، تحسب خطاها جيدا ولا تتعجل الثمرات بحال من الأحوال..

كنا نخرج في كل يوم مع الاخوة المعلمين لإلقاء الدروس والمحاضرات التي كان لها أثرها الإيجابي على الرأي العام.. لمسنا ذلك بوضوح من خلال الاقبال الكبير على هذه اللقاءات من كل شرائح المجتمع وفئاته العمرية، ومن خلال التغيير العميق في سلوك المجتمع العربي النقباوي على المستويين الفردي والجماعي، ومن خلال الرغبة القوية لدى الأغلبية الساحقة في المساهمة في هذا التغيير الذي جعل لحياتهم معنى آخر، كما صرح بذلك الكثيرون ممن كان لهم شرف الصدق والسبق في تشييد صروح العمل الإسلامي في منطقة النقب، والذين ما تزال بصماتهم واضحة وبارزة في المشهد العام حتى يومنا هذا..

كان اندفاعنا بلا حدود، وحماستنا بلا سدود، حتى لكأننا نستنسخ في كل حركة من حركاتنا وفي كل نشاط من نشاطاتنا، جيل الصحابة الأوائل الذين جابوا الصحراء يحملون ماء الحياة لعقول عطشى، وقلوب ظمأى، وأرواح تائهة حيرى، ولواقع يئنُّ تحت وطأة الأوضاع الاجتماعية – الاقتصادية المتردية، وقسوة الظروف السياسية التي لا ترحم، وفقدان البوصلة، وضياع الهوية.. كان انتشار الحركة وفكرها سريعا، والتجاوب مع رسالتها عظيما..

وهنا حدث منعطف لم اتوقعه شخصيا..

مع اشتداد قوة عود الحركة الإسلامية حتى بدت سيماها واضحة في وجه النقب كله من أثر ما احدثته من تغيير عميق في صدور الناس وواقعهم، وبعدما أخرج زرعها شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه (يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ)، بدأ عدد من نشطاء الحركة الإسلامية ينحون منحىً خرج بالحركة عن طريقها الذي رسمه فضيلة المؤسس الشيخ عبدالله نمر درويش – رحمه الله: أن تظل دعوة دينية خالصة تعالج امراض المجتمع الروحية والاجتماعية، والذي هو الأساس الذي ينبني عليه بعدها بنيان المجتمع السياسي، وتقوم عليه صروحُه النضالية..

بموازاة العمل الدعوي المحض، وبعد ان بدأت الحركة الإسلامية تشق طريقها ثابتة راسخة، وأصبح حضورها في واقع الناس لا يُنْكَرْ، بدأ عدد من كوادر الحركة الإسلامية يتبنى نمطا فكريا مزجوا فيه بين الديني المحض والقومي – الوطني ذي الصبغة الأمنية.. كان ذلك تغييرا جوهريا مَهَّدَ بالضرورة لإقامة ما أُطلِق عليه فيما بعد اسم “أسرة الجهاد”، والتي كان من أهدافها مقارعة إسرائيل ومنازلتها في أكثر الميادين حساسية: الأمن القومي..

كما قلت سابقا، قامت “أسرة الجهاد”، ولم يكن عندي عِلْمٌ بها أبدا.. بدأت تتشكل سِرّا في عدد من قرى منطقة المثلث: كفر قاسم، قلنسوة، باقة الغربية وأم الفحم.. متى بدأ بناؤها وكيف، ليس عندي معلومات دقيقة بهذا الشأن، إلا أنني أخمن انها بدأت في منتصف سنة 1980 (أيار- حزيران).. بعد انكشاف التنظيم أواخر العام 1980، واعتقال العشرات من عناصره (نحو سبعين عنصرا تقريبا)، بما فيهم مؤسس الحركة الاسلامية فضيلة الشيخ عبدالله درويش – رحمه الله، تم الكشف عن الكثير من التفاصيل ذات الصلة ب – “أسرة الجهاد” تنظيما وتجنيدا وتسليحا وتنفيذا.. انتهت قصة التنظيم بصدور احكام تراوحت بين سنتين وخمس عشرة سنة. تم الافراج عن آخر عناصر “الاسرة” عام 1985، بعد أن شملت “صفقة جبريل” عددا منهم خصوصا من أصحاب الاحكام العالية ك – “فريد أبو مخ/أبو عزام” مسؤول التنظيم، والذي صدر بحقه حكم لمدة خمسة عشر عاما. اما “الرئيس الروحي للتنظيم” فضيلة الشيخ درويش فقد صدر بحقة حكم لمدة 3 سنوات انتهت بداية عام 1984. لم يُعتقل أحد من قريتي الصغيرة كفر برا..

كنت في النقب بعيدا عن التطورات في المثلث والشمال، حيث كان من الصعب التواصل الدائم بسبب قلة وسائل الاتصال، وكل ما عرفناه عن تفاعلات قضية “أسرة الجهاد” جاء عبر نافذة وسائل الاعلام، وخصوصا الصحافة العبرية التي كانت المصدر الوحيد تقريبا للمعلومات في تلك الفترة..

كانت المفاجأة صادمة وصاعقة عندما داهمت قوة من المخابرات والشرطة والوحدات الخاصة الساعة الثانية ليلا، عددا من الشقق السكنية في مدينة بئر السبع التي كان يقطنها عدد من المعلمين، واعتقلت بعض المدرسين الذين كنا نخرج معا في نشاطنا الدعوي في أوساط قبائل النقب.. إلا انني شخصيا لم أُعتقل في تلك الليلة الليلاء.. تبين فيما بعد ان كل المعتقلين كانوا أعضاء بارزين وناشطين في تنظيم “أسرة الجهاد”، وبما انني لم أكن عضوا فيها، فلم يتم اعتقالي.. يبدو أن الأخوة الذين عملت معهم طوال هذه المدة قد عرفوا رأيي في مثل هذه النشاطات ورفضي لها مبدئيا، ولذلك حرصوا كل الحرص على عدم زَجِّي في أتونها، وأشفقوا عليَّ من نتائجها، وأعفوني من المخاطر والتبعات المترتبة عليها، خصوصا وانني كنت متزوجا من فترة قصيرة.. يبدو ان هنالك عدة عوامل قدَّرَها الله سبحانه، كانت السبب وراء بقائي خارج هذا التنظيم، بالرغم من ان المسافة التي فصلتني عنه كانت ادق من الشعرة وأحد من شفرة السيف!

في صباح اليوم التالي، وعندما جاءت السيارة لأخذنا إلى مدارسنا، قالت لي زوجتي أن الشيخ عمر صرصور لم يصل الى المدرسة.. لم نكن نعرف حتى تلك اللحظة أية تفاصيل عن احداث الليلة السابقة وما جرى فيها من اعتقالات، لأنني كنت أسكن أنا وزوجتي في عمارة أخرى.. لم نذهب بعيدا في تفكيرنا، وظننا ان تغيب الشيخ عمر صرصور كان لعذر ما، ولسبب روتيني! إلا أنني عندما ذهبت مساء لأخذه مع الأساتذة حمدالله عوض وعبدالحكيم سمارة، لرحلتنا الدعوية كما تعودنا يوميا، لم أجد أحدا في المنزل، فزاد عجبي وازدادت شكوكي.. أذكر اننا كنا من المفروض أن نكون تلك الليلة في بيت شيخ اسمه “هويشل”، وقد أبلغني ان الشرطة اعتقلت ابنه، كما واعتقلت عددا من المعلمين الذين كانوا يسكنون بلدة “تل السبع” في حينه. عرفت حينها ان زملائي المعلمين قد اعتقلوا فعلا..

ظننت في البداية ان الاعتقالات إنما جاءت على خلفية نشاطنا الدعوي والديني في المنطقة، وبسبب جولاتنا في القبائل والتي نظرت اليها السلطات الاسرائيلية بعين الشك والحذر والقلق! في الحقيقة، توقعت ان يتم اعتقالي انا أيضا، فأنا في البداية والنهاية واحد من المجموعة الدعوية، بل ومن الرياديين والقياديين فيها، والموجهين والمنظرين لها. إلا أن أياما مرت دون أن يطرق باب بيتي طارقٌ، أو يدعوني الى التحقيق ناعق! افترضت حينها أن لدى جهاز المخابرات العامة ما يكفي من المعلومات التي تثبت أنني لم أكن عضوا في التنظيم السري، ولم يكن لي أي نشاط غير قانوني من أي نوع، وإلا لبادروا إلى اعتقالي دون تردد! لم يكن هذا مفهوما ضمنا، او جاء صدفة.. فإنا وإن كنت وما زلت صاحب شخصية “مقاتلة” بالمعني المدني السلمي، إلا أنني كنت وما زلت أومن ان الطريق الصحيح والوحيد لنضالنا نحن العرب الفلسطينيين في الداخل الفلسطيني، لا يمكن ان ينجح، او أن يحقق أهدافه وغاياته إلا بالأدوات السلمية المنظمة والقوية والمثابرة والعلمية.. كنت وما زلت أومن أن “الحل الساخن” لن يؤدي إلا إلى مزيدٍ من الكوارث والأزمات، ولن يحقق لجماهيرنا أيّاً من الأهداف والغايات.. لذلك لم أستغرب أن أحدا من زملائي المعلمين “المعتقلين”، وبالرغم من عملنا معا ليلا ونهارا، وقضائنا الأوقات معا صباحا ومساء، وبالرغم من مكانتي المتقدمة في الحركة الإسلامية، إلا أن أحدا منهم لم يطلعني على خفايا الأمور، ناهيك عن ان يطالبني بالانخراط فيها، لمعرفتهم المسبقة برأيي بشأنها! كنت أنا وزوجتي متطابقين في هذه الرؤية، ومتفقين حولها تماما..

مساء الخميس عدنا إلى قريتي كفر برا لقضاء إجازة نهاية الأسبوع كما تعودنا أن نفعل مَرَّةً كل أسبوعين.. عند وصولنا إلى القرية لمسنا توترا لم نعهده في أوقات مضت.. لم نجد أمامنا قرية هادئة ووادعة كما تعودنا ان نراها دائما.. تحولت القرية فجأة إلى بيت عزاء كبير.. أشبه بالمقبرة.. قرأت السلام على من التقيت بهم في طريقي، إلا ان أحدا لم يرد السلام بمثله او بأحسن منه.. لم أفهم في البداية حقيقة ما يجري، إلا أنني بدأت رويدا رويدا أفكك المشهد، ووقفت على سبب هذا السلوك الغريب.. كانت اخبار “أسرة الجهاد” واعتقالات زملائي المعلمين من الجارة كفر قاسم، قد وصلت بتفاصيلها إلى اهل قريتي.. إذا، فأهل بلدي ممن التقيت بهم في الشارع يتوجسون خوفا مني على اعتبار أنني كادر مهم من كوادر الحركة الإسلامية، ولذلك افترضوا وإن لم يصرحوا بذلك علنا، أن لي صلة بهذا التنظيم العسكري بشكل من الاشكال، ولذلك فمن المستحسن الابتعاد عني حتى لا يصيبهم مكروه..

لم يكن من المناسب حينها ان أبدأ بشرح موقفي من الاحداث، وأنه لا صلة لي بها، بالرغم من أحدا من قريتي لم يعتقل كما قلت سابقا بما فيهم أنا، وأنا الأولى بالاعتقال لو كان لي صلة بهذا التنظيم السري.. خفَّفَتْ هذه الحقيقة كثيرا مما اعتراني من هموم، فأكثر ما كان يقلقني أن تعتقل الشرطة بعضا من كوادر الحركة الإسلامية في كفر برا، فيُحَمِّلَني أهلهم المسؤولية المباشرة عن هذه الاعتقالات بحكم موقعي في الحركة وصلتي بشبابها، ومسؤوليتي عنهم.. مع ذلك، كان الشعور العام صعبا ومثقلا بالهواجس وملبدا بالغيوم السوداء.. كانت الاخبار التي وصلت اهل قريتي حول حملة الاعتقالات في كفر قاسم تفصيلية بدرجة مذهلة، وكان للخيال دور لا بأس به في تضخيمها وتهويلها.. دار الحديث حول كتيبة كاملة من الجيش والشرطة والوحدات الخاصة، وصلت كفر قاسم وقامت بمحاصرة بيوت المطلوبين، ومن ثم اقتحمت البيوت وغرف النوم، محطمة في طريقها الأبواب ومعتدية على كل من يعترض طريقها، كبيرا كان او صغيرا، رجلا كان او امرأة.. تناقلت الالسن قصص اعتقال المطلوبين بطريقة وحشية، وربط بعضهم وجَرِّهِم على الأرض بقوة، وضرب بعضهم الآخر ضربا مبرحا.. كانت هذه الاخبار بعضا من القطع التي شكلت المشهد العام في كفر برا..

مَرَّتْ إجازة نهاية الأسبوع (الجمعة والسبت) مثقلة بالهموم والهواجس وانتظار المجهول.. عدتُ انا وزوجتي فاطمة إلى النقب لاستئناف دوامنا في المدارس التي كنا نُعَلِّمُ فيها.. عند وصولنا الى مدينة بئر السبع، كانت اخبار الاعتقالات قد انتشرت انتشار النار في الهشيم.. عرف الجميع بما حدث في كفر قاسم والمنطقة.. أصبح المعلمون والناس أكثر حذرا، وحرص الجميع على الحفاظ على الهدوء، والهبوط بالنشاط السابق إلى الحد الأدنى استجابة للتطورات غير المتوقعة والخطيرة التي وقعت، والتي كان لا بد من التعامل معها بجدية ومسؤولية وحساسية من نوع خاص.. يتبع ………

**** قيادي في الحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني

**** الرئيس السابق ل – “جمعية الأقصى لرعاية الأوقاف والمقدسات الإسلامية” في الداخل الفلسطيني

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك