https://al3omk.com/313841.html

منذ تولي الملك للعرش .. 6 محطات سياسية كبرى بشّرت بعهد جديد

تميزت مرحلة حكم الملك محمد السادس، والتي تطفئ نهاية هذا الشهر شمعتها التاسعة عشر، بست محطات كبرى بصم عليها الملك الشاب منذ توليه الحكم إلى لحظة اهتزاز الشوارع العربية بالاحتجاجات في 2011، واعتبرها متتبعون من أبرز الإنجازات السياسية التي مكنت الجالس على العرش من القطع مع بعض سياسات والده الراحل، وتكريس مرحلة “العهد الجديد”.

وكانت أول محطة كبرى عرفتها فترة حكم الملك محمد السادس، هي رفع الحصار عن مؤسس جماعة العدل والإحسان عبد السلام ياسين بعد 10 سنوات من الإقامة الجبرية، والسماح بعودة المعارض الماركسي أبرهام السرفاتي إلى المغرب إثر الحكم عليه بالمؤبد وإبعاده إلى فرنسا، ثم التدخل لطي الخلاف بين الإسلاميين واليساريين حول مدونة الأسرة، قبل أن تنطلق مبادرة الإنصاف والمصالحة التي حاولت إنهاء جراح “سنوات الرصاص”.

كما بصم الملك على مسار تنموي جديد انطلق مع ورش ضخم أطلق عليه اسم المبادرة الوطنية للتنمية البشرية ضم آلاف المشاريع بملايير الدراهم، كما حرك الجالس على العرش المياه الراكدة بملف الصحراء باقتراح مبادرة “الحكم الذاتي” الذي شكلت منعطفا تاريخيا في النزاع، لتأتي بعدها سنة 2011، واحدة من أصعب السنوات في المنطقة العربية حيث سقطت خلالها أنظمة حكم بأكملها، فكان تحرك الملك حاسما لتجنيب المغرب تداعيات “الربيع” عبر خطاب 9 مارس الذي أسس لدستور جديد للبلاد، انطلقت معه مرحلة أخرى في تاريخ المملكة.

المحلل السياسي محمد العمراني بوخبزة، اعتبر أن هذه المحطات الست جاءت ضمن إجراءات قام بها الملك من أجل طي صفحة والده الراحل على المستوى السياسية والحقوقي والاجتماعي، وإعطاء مفهوم جديد للسلطة يكرس مسلسل “الإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي”، مشيرا إلى أن هناك مجهودات وأوراش تبذل في هذا المجال، بالرغم من عدم تحقيق كل الطموحات والآمال التي كانت معقودة على “العهد الجديد”.

رفع الحصار عن ياسين وعودة السرفاتي

أنهى محمد السادس عشر سنوات من الإقامة الجبرية التي فرضها نظام الملك الراحل الحسن الثاني على زعيم جماعة العدل والإحسان عبد السلام ياسين، حيث غادر أفراد الأمن المرابطون بباب إقامة الراحل ياسين بمدينة سلا، موقع حراستهم يوم 16 ماي 2000، ليؤدي مؤسس الجماعة الإسلامية المحظورة، صلاة الجمعة بمسجد الحي، إعلانا بنهاية فترة “الحصار” التي دامت 10 سنوات، وذلك بعدما سبقها تصريح لوزير الداخلية حينها أحمد الميداوي أمام البرلمان، قال فيها إن “المعني بالأمر حر يذهب حيث شاء ويستقبل في بيته من شاء”.

قرار الملك الجديد فسره محللون على أنه جاء ضمن خطوات المصالحة في “العهد الجديد”، ومحاولة فتح صفحة جديدة بين الدولة والجماعة، بعدما مارست الدولة بمختلف أجهزتها سلسلة من المضايقات ضد قادة وأعضاء الجماعة، في صراع بين الطرفين ابتدأ مع الرسالة التي بعثها عبد السلام ياسين إلى الملك الحسن الثاني عام 1974، في أكثر من مائة صفحة سماها بـ”الإسلام أو الطوفان”، خيَّر خلالها الملك بين تطبيق “تعاليم الإسلام” أو الطوفان، وذلك بأسلوب شديدة اللهجة قضى على إثره ثلاث سنوات ونصف محتجزاً في مستشفى للأمراض العقلية.

عبد السلام ياسينعبد السلام ياسين

صراع الدولة مع الجماعة تصاعد مع اعتقال ياسين للمرة الثانية في العام 1983 بسبب مقال آخر رد فيه على الملك، قبل أن تفرض السلطات إقامة جزئية عليه مع توسع جماعته تنظيمياً وعددياً، ثم الإقامة الجبرية في بدايات عام 1990، ومع تولي الملك محمد السادس الحكم، أرسل ياسين رسالة أخرى إليه بعنوان “إلى من يهمه الأمر”، غير أن الملك الجديد فضل عدم نهج سياسية والده في التعامل مع زعيم “العدل والإحسان”، ورفع الحصار عنه، ليستمر في نشاطه الدعوي والإرشادي إلى أن وافته المنية في 13 دجنبر 2012.

وعرفت علاقة الجماعة بالدولة مع الملك الحالي محمد السادس، مراحل توتر تارة، و”هدنة” في أحيان أخرى، فيما توسعت قاعدة الجماعة بشكل لافت واستطاعت حشد الجماهير في عدة محطات احتجاجية، أبرزها مع الجدل الذي أثارته مدونة الأسرة، وخلال حركة 20 فبراير رفقة تيارات يسارية وإسلامية أخرى، في حين تراوح تعامل الدولة مع الجماعة بين التضييق والمنع والمتابعات في غالب الأحيان، وغض الطرف عن تحركاتها أحيانا أخرى.

وعلى غرار عبد السلام ياسين، سمحت الدولة مع بداية حكم محمد السادس، بعودة المعارض اليساري البارز من أصل يهودي، إبراهام السرفاتي، إلى المغرب، بعد إبعاده إلى فرنسا منذ العام 1991، حيث جرى اعتقاله سنة 1975 وحكم عليه بالمؤبد، قضى منه 17 عاما بالسجن، بسبب معارضته الشديدة لنظام الحسن الثاني وتزعمه منظمة “إلى الأمام” الماركسية اللينينية، وكان من اليهود الرافضين للهجرة إلى “إسرائيل” والمناهضين للصهيونية.

الملك محمد السادس أراد تدشين فترة حكمه بنهج سياسية التصالح مع المعارضين، من اجل تخفيف التوتر التي طبع مرحلة والده الراحل، وهو ما جعله يبادر إلى السماح بعودة السرفاتي إلى وطنه في شتنبر 1999، مع تمكينه من جواز سفره المغربي وظروف إقامة محترمة، قبل أن تتم إعادة الاعتبار له بتعيينه مستشارا لدى المكتب الوطني للأبحاث والتنقيب عن النفط، وتوفي بمراكش في 18 نونبر 2010.

أبرهام السرفاتيأبرهام السرفاتي

مدونة الأسرة

أثار مشروع قانون الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية عام 1999، جدلا كبيرا في بداية حكم الملك محمد السادس، وهي الخطة التي أطاحت بصاحبها الوزير سعيد السعدي عن حزب التقدم والاشتراكية في حكومة عبد الرحمن اليوسفي الأولى، بعدما لقيت معارضة شديدة من قبل الإسلاميين، تكللت بتعبئة الشارع في مسيرتين، الأولى مليونية بالدار البيضاء قادتها التيارات الإسلامية وعلى رأسها حزب العدالة والتنمية وجماعة العدل والإحسان، وبلغت حسب المنظمين مليون مشارك، في حين خرجت مسيرة ثانية بالرباط قادتها أحزاب وهيئات مساندة للخطة ومدعومة من الحكومة، غير أن أعداد المشاركين فيها كانت أقل بكثير من الأولى.

الاحتقان بين الطرفين تسبب في تجميد الخطة المذكورة، ودفع الملك محمد السادس إلى التدخل لحسم الخلاف، حيث تم تشكيل لجنة لصياغة مشروع يحظى بالتوافق بين كل الأطراف، وهو ما تم بالفعل بعدما استطاع أعضاء اللجنة الاستشارية المكلفة بمراجعة مدونة الأحوال الشخصية، رغم النقاشات الساخنة والاختلاف الواضح الذي أطاح برئيس اللجنة إدريس الضحاك السابق وأتى بمحمد بوستة على رأسها، (استطاعوا) الوصول إلى توافق حول التقرير النهائي الذي عرض على الملك وتم المصادقة عليه تحت اسم “مدونة الأسرة” في فبراير 2004.

ويعتبر محللون وسياسيون أن هذه المدونة واحدة من أبرز الأوراش التي تحسب للملك محمد السادس، نظرا لكونها مازجت بين تكريس المرجعة الإسلامية وقواعدها الشرعية انطلاقا من الانفتاح على مختلف المرجعيات والمذاهب الفقهية، وهو ما يعتبر استجابة لمطالب الإسلاميين، وكذلك تنصيصها على مقتضيات الاتفاقيات الدولية التي وقع عليها المغرب والتزم ببنودها، استجابة لنداءات العديد من الحركات النسائية وفعاليات المجتمع المدني التي تنادي بحقوق المرأة.

مدونة الأسرة أرضت جميع الأطراف الذين اعتبروها نقلة نوعية وحقوقية لوضعية المرأة والأسرة المغربية عامة، وذلك بعدما كانت تشكل وضعية المرأة والأسرة في المغرب ميدانا مفتوحا للصراع بين أطياف المشهد السياسي، فيما سجل مراقبون تدني نسبة الطلاق بعد اعتماد المدونة الجديدة، بينما فشلت الأخيرة في الحد من زواج القاصرات حسب إحصائيات، وهو ما دفع الملك مرة أخرى إلى الدعوة لإعادة النظر في المدونة عبر “تقييمها وتقويمها” لمواجهة اختلالاتها، وذلك بالتزامن مع الذكرى 14 لدخولها حيز التنفيذ.

أستاذ العلوم السياسية بجامعة عبد المالك السعدي بطنجة، محمد العمراني بوخبزة، قال في تصريح لجريدة “العمق”، إن هذه المدونة جاءت في إطار سياسية الاهتمام بالإنسان المغربي التي أبداها الملك محمد السادس، معتبرا أن تغيير اسمها من مدونة الأحوال الشخصية إلى مدونة الأسرة لها مدلول كبير نظرا للقيمة التي تتمتع بها الأسرة داخل المجتمع واشتمالها على مختلف أفراد العائلة، مشيرا إلى أن المدونة شكلت انطلاقة جديدة في قراءة النصوص الدينية ومثلت نصا قانونيا غير عادي بالنظر إلى بعدها الديني المرتبط بالاجتهاد، وذلك بعد الشرخ الذي كاد أن يخلق مواجهة بين تيارين مجتمعيين لولا التحكيم الملكي.

الإنصاف والمصالحة

حاول الملك محمد السادس منذ بداية توليه العرش، طي واحد من أصعب وأعقد الملفات التي كانت مطروحة على طاولته، وهي ملف “سنوات الرصاص”، وذلك ضمن عملية انطلقت في بداية التسعينيات مع الملك الراحل الحسن الثاني، وكرسها الملك محمد السادس، ابتغت تحقيق انفراج سياسي وتحسين صورة المغرب، بعد عقود من الصراع والاحتقان بين الدولة والمعارضة، ارتكبت خلاله انتهاكات جسمية لحقوق الإنسان.

ففي 7 يناير 2004 بأكادير، بادر الملك إلى تنصيب أعضاء هيئة الإنصاف والمصالحة، حيث عُهدت إليها مهمة تصفية ملفات الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي عرفها المغرب من 1956 إلى 1999، كهيئة غير قضائية تقوم على إرساء الحقيقة وجبر الضرر الفردي والجماعي، عبر كشف حالات الإختفاء القسري، وتعويض الضحايا، وإصدار توصيات لتفادي تكرار الانتهاكات، وهي هيئة ترأسها الحقوقي الراحل إدريس بنزكري، وجاء بعده الناشط الحقوقي أحمد حرزني.

وجاء إنشاء هذه الهيئة مباشرة بعد إنهاء نشاط هيئة التحكيم المستقلة التي تأسست في 16 غشت 1999 باقتراح من المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، لتعويض عدد من الضحايا وعائلاتهم بعد الإفراج عن المعتقلين السياسيين وإغلاق عدد من مراكز الاعتقال السرية في بداية التسعينيات.

والعام الماضي، أصدر المجلس الوطني لحقوق الإنسان حصيلة تنفيذ توصيات هيأة الإنصاف والمصالحة لجبر ضرر أزيد من 19 ألف شخص، حيث أوضح المجلس أنه تم كشف مصير 803 حالة من ضحايا الاختفاء القسري أو الاعتقال التعسفي أو الأشخاص المتوفين خلال أحداث اجتماعية مختلفة، وتمكن من تحديد أماكن دفن رفات 385 حالة، واستخراج رفات 185 متوفى، واستخراج الحمض النووي لـ44 حالة من لدن فريق من الأطباء الشرعيين بين دجنبر 2005 وماي 2012.

أحداث الدار البيضاءأحداث الدار البيضاء

وبلغ عدد الضحايا وذوي حقوقهم ممن استفادوا من التعويض المالي 19.476 شخصا، بمبلغ إجمالي قدر بحوالي مليار درهم، إضافة إلى استفادة 1.335 من الضحايا وذوي الحقوق من الإدماج الاجتماعي، و18.343 من التغطية الصحية، كما تمت إعادة الاعتبار لـ4 مقابر جماعية تضم جثامين أحداث الدارالبيضاء والناظور الاجتماعية، وضحايا الاختفاء القسري بأكدز ومكونة، وذلك بعد أن قامت الهيئة بجلسات استماع للضحايا وأهاليهم ومسؤولين في أجهزة الدولة، مباشرة على شاشة التلفزة وأمواج الاذاعة الوطنية، واطلعت على الأرشيفات الرسمية.

العمراني بوخبزة اعتبر أن نظام محمد السادس أراد من خلال هذه المبادرة طي صفحة الماضي في انتهاكات حقوق الإنسان، وتحقيق انفراج سياسي كبير في تاريخ المغرب، ولو أن الانفراج انطلق عمليا مع تشكيل حكومة التناوب الأولى على عهد الملك الراحل الحسن الثاني، مضيفا أن ملف حقوق الإنسان عرف في مرحلة محمد السادس جملة من التحولات الكبرى ابتغت الدولة من خلالها إلى فتح صفحة جديدة وعدم العودة إلى الماضي.

غير أن الهيئة اعترفت في تقريرها الختامي الذي قُدم إلى الملك، أنها “واجهت أثناء الكشف عن الحقيقة معوقات، من بينها محدودية بعض الشهادات الشفوية وهشاشتها، والحالة المزرية التي يوجد عليها الأرشيف الوطني، والتعاون غير المتكافئ لبعض الأجهزة الأمنية حيث قدم البعض منها أجوبة ناقصة عن ملفات عرضت عليها، كما رفض بعض المسؤولين السابقين المحالين على التقاعد المساهمة في مجهود البحث عن الحقيقة”.

تجربة الإنصاف والمصالحة قوبلت بترحيب دولي وإشادة من طرف مجموعة الدول الإقليمية والمنظمات الدولية، غير أنها لاقت تحفظات من طرف هيئات حقوقية محلية وبعض عائلات الضحايا، ممن تمسكوا بضرورة إصدار اعتذار رسمي صريح من طرف الدولة، ورفضوا ما اعتبروها سياسية “الإفلات من العقاب”، منتقدين عدم الكشف عن مصير شخصيات معروفة كالمهدي بن بركة، كما طالبوا بمتابعة المسؤولين عن الانتهاكات وعدم الاكتفاء بتعويض الضحايا.

مبادرة التنمية البشرية

في العام 2005، أطلق عاهل البلاد خطوة جديدة في مسار التنمية، سماها بالمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وهي مشروع تنموي من أجل تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للسكان، خاصة الفئات الهشة وساكنة المناطق النائية، وتهدف إلى التصدي للعجز الاجتماعي بالأحياء الحضرية الفقيرة والجماعات القروية الأشد خصاصا، وتشجيع الأنشطة المدرة للدخل القار والمتيحة لفرص الشغل، مع العمل على الاستجابة للحاجيات الضرورية للأشخاص في وضعية صعبة.

وتعتبر الدولة أن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية هي مشروع مجتمعي بامتياز يعتمد مقاربة جديدة لمحاربة الفقر والهشاشة، حيث تم إنجاز أزيد من 40 ألف مشروع خلال 10 سنوات، منها 8300 مشروع مدر للدخل، وذلك لفائدة أزيد من 10 ملايين مستفيد، يتمركز 50 في المائة منهم بالوسط القروي، بغلاف مالي قدره 37.4 مليار درهم، ساهمت فيه المبادرة ب24.1 مليار درهم.

الملك محمد السادس دأب على البروز كقائد لهذه المبادرة من خلال إشرافه على تدشين أهم مشاريعها في مختلف المناطق طيلة الـ13 عاما، حيث تخضع هذه المبادرة لهندسة تنظيمية تعتمد على لجان جهوية وإقليمية ومحلية للتنمية البشرية، بإشراف فعلي لوزارة الداخلية، ومشاركة منتخبين وفاعلين جمعويين، إذ بلغ عدد أعضاء هذه اللجان 14 ألف فاعل.

ويقول القائمون على المبادرة، إن هذه الدينامية التي أطلقها الملك محمد السادس، ساهمت في تقليص المعدل الإجمالي للفقر من 9 إلى 4 في المائة وفق إحصائيات المندوبية السامية للتخطيط، كما مكنت من إدماج حاملي المشاريع في النسيج الاقتصادي من خلال استفادة 128 ألف شخص من الأنشطة المدرة للدخل، واستفادة 257 ألف امرأة في وضعية صعبة، إضافة إلى 145 ألف شخص في وضعية إعاقة من مجموعة من المشاريع، بالموازاة مع مساهمة المبادرة الوطنية للتنمية القروية في تشجيع التمدرس وتقليص الهدر المدرسي للفتيات خاصة بالوسط القروي، عبر استفادة 221 ألف تلميذ وتلميذة من 1020 وسيلة نقل مدرسي وكذا استفادة 78 ألف تلميذ وتلميذة من خدمات 1270 دارا للطالب والطالبة.

بالمقابل، يوجه بعض المراقبين انتقادات إلى عملية تدبير المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، معتبرين أن ما تحقق على أرض الوقع لا يرقى إلى مستوى الأهداف المتوخاة منها، ولا يتماشى مع المبالغ الضخمة التي رُصدت لها، في حين سبق لوزارة الداخلية عبر عمالها وولاتها، أن فتحت تحقيقا في مجموعة من المشاريع التي وردت فيها شكايات كثيرة تتحدث عن خروقات في عملية الاستفادة.

خطاب 9 مارس

يتذكر المغاربة كيف ترقب الرأي العام خطاب الملك محمد السادس يوم التاسع من مارس 2011، غداة تحرك الشارع في 20 فبراير من نفس العام، ضمن الحراك الشعبي الذي هز المنطقة العربية وضرب عروش أنظمة متسلطة، وهو الخطاب الذي خصصه الملك للتفاعل مع أمواج المتظاهرين التي اجتاحت شوارع المملكة، مما جعله خطابا شكل لحظة فارقة ومنعطفا حاسما في المسار السياسي للبلد، وكرس مقولة “الاستثناء المغربي”، في خطاب اعتبره محللون بأنه أهم وأقوى خطاب في تاريخ الجالس على العرش منذ توليه الحكم في سنة 1999.

خطاب 9 مارس تضمن مصطلحات جديدة لم يتعود عليها المغاربة في الخطب الملكية، وتم خلاله الإعلان عن فتح ورش الإصلاح الدستوري الذي كان مطلبا حاضرا في الشارع ولدى الطبقة السياسية، وهو ما مهد لتأسيس دستور جديد حطّم -نظرا على الأقل- الملكية التنفيذية ونقل صلاحيات قوية كانت بحوزة الملك إلى رئيس الحكومة الذي سيصبح هو المسؤول الأول عن الحكومة وعن المجلس الحكومي، وأعطى للمغاربة حقا متقدما لاختيار من يدير شؤونهم.

الخطاب الاستثنائي الذي دام حوالي ربع ساعة، حظي بمتابعة كبيرة داخل المغرب وخارجه، ولقي إشادة من طرف جل الأحزاب والهيئات السياسية والنقابية والجمعوية، كما ثمنت مضامينه دول غربية ومنظمات دولية، معتبرين أنه خطاب تماشى مع نبض الشارع وقدم جوابا سياسيا عن أكبر حركة احتجاجية يعرفها المغرب في تاريخه المعاصر من أجل المطالبة بالحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية في سياق إقليمي جد مضطرب، في حين قدمت أنظمة أخرى قريبة من المملكة، جوابا أمنيا بالسلاح والدماء من أجل وقف أمواج المتظاهرين في الشوارع.

احتجاجات 20 فبرايراحتجاجات 20 فبراير

نتائج الخطاب ظهرت سريعا مع صياغة دستور جديد للبلاد واعتماده رسميا إثر التصويت عليه بالأغلبية الساحقة في استفتاء يوليوز 2011، لتجرى بعدها انتخابات مبكرة في 25 نونبر من نفس العام، أسقطت فزّاعة الإسلاميين التي كانت تعتبر وصولهم إلى السلطة تهديدا للنظام، بعدما تبوأ حزب العدالة والتنمية الصدارة بأغلبية أصوات الناخبين، وتعيين الملك للأمين العام لحزب المصباح عبد الإله ابن كيران رئيسا لأول حكومة في ظل الدستور الجديد، وهي المرة الأولى التي يصل فيها الحزب الإسلامي إلى مفاتيح السلطة ويقود الحكومة.

وفي هذا الصدد، يرى المحلل السياسي بوخبزة، أن الدستور الجديد الذي مهد له الملك عبر خطاب 9 مارس، شكل نقطة تحول كبيرة في مسار الانتقال الديمقراطي، من خلال إعطائه حمولة حقوقية وفصل السلط، غير أنه كان يحتاج إلى نخب خاصة لمنح نصوص الدستور حمولة ديمقراطية، مردفا بالقول: “نجحنا في نص دستوري متقدم، لكن فشلنا في خلق نخبة خاصة تتماشى مع روح الدستور”، وفق تعبيره.

كما اعتُبر خطاب 9 مارس بمثابة نقد ذاتي واعتراف ضمني بقصور الدستور السابق، خاصة وأن مراقبين رأوا في الخطاب بأنه استجابة للملك لجل المطالب التي رفعتها حركة 20 فبراير من دون أن يشير إليها بالاسم، وعلى رأسها إرساء دستور جديد للبلاد والقطع مع سياسية تركيز السلط بيد القصر، وهو ما تجلى مع تعزيز صلاحيات البرلمان في التشريع والمبادرة ومراقبة الحكومة، الأمر الذي قلص من قبضة الدولة على مقاليد السلطة، والذي كانت تسير في تكرسيه منذ تفجيرات 16 ماي 2003 بالدار البيضاء.

بالمقابل، عبرت هيئات وشخصيات، على رأسها التيارات اليسارية والإسلامية الردكالية، عن عدم رضاها بهذا المسار الذي خطه الملك عبر خطابه في 9 مارس، معتبرة أن الدستور الجديد لم يختلف في شيء عن الدساتير السابقة، لكونه يبقى ممنوحا ويرتكز على منطق التعيين وليس الانتخاب، واصفة الخطاب بأنه لم يكن سوى خطة لربح الوقت وامتصاص الغضب الشعبي.

الحكم الذاتي

بعد سنوات من ركود مياه ملف الصحراء المغربية، تقدم المغرب بقيادة الملك محمد السادس، بمبادرة جديدة إلى الأمين العام للأمم المتحدة بتاريخ 11 أبريل 2007، اعتُبرت منعطفا في مسار تطور الأحداث في هذا الملف الذي عمَّر لعقود، تتمثل في مبادرة الحكم الذاتي في الصحراء، كحل سياسي نهائي للنزاع، وذلك عبر منح منطقة الصحراء المغربية حكما ذاتيا موسعا مع الاحتفاظ برموز السيادة المغربية كالعلم والسياسة الخارجية والعملة وغيرها، يتم إقراره بعد استشارة استفتائية للسكان المعنيين، طبقا لمبدئ تقرير المصير ولأحكام ميثاق الأمم المتحدة، حيث لاقت المبادرة دعما دوليا واسعا وترحيبا من قبل العديد من الجهات الدولية والإقليمية التي رأت في هذه المبادرة حلا جريئا ومنطقيا لنزع فتيل الأزمة.

المبادرة التي سوق لها المغرب بشكل كبير في المنتظمات الدولية وركز عليها الملك في أغلب خطاباته الرسمية، رأى فيها متتبعون أنها تشكل حلا وسطا للنزاع وتنسجم مع الشرعية الدولية وميثاق الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن، غير أن جبهة البوليساريو الانفصالية رفضت التفاوض على المبادرة المغربية وأصرت على خيارها الداعي إلى تنظيم استفتاء في الصحراء من أجل الانفصال عن المملكة، الأمر الذي دفع المغرب إلى البدء في تنزيل مشروع الحكم الذاتي عبر ورش الجهوية الموسعة.

وتنص مبادرة الحكم الذاتي في 35 نقطة، على أن المملكة المغربية تضمن “لكافة الصحراويين مكانتهم اللائقة ودورهم الكامل في مختلف هيئات الجهة ومؤسساتها، بعيدا عن أي تمييز أو إقصاء، ومن هذا المنطلق، سيتولى سكان الصحراء، وبشكل ديمقراطي، تدبير شؤونهم بأنفسهم من خلال هيئات تشريعية وتنفيذية وقضائية، تتمتع باختصاصات حصرية، كما ستوفر لهم الموارد المالية الضرورية لتنمية الجهة في كافة المجالات، والإسهام الفعال في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمملكة”.

متابعو ملف الصحراء اعتبروا أن الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب، شكل بداية منهجية جديدة للملك محمد السادس في التعامل مع هذا الملف، ترسخ نية المغرب في وضع حل سياسي تفاوضي ديموقراطي للصراع، ويحترم الشرعية الدولية وإرادة سكان الصحراء، وذلك بما يجنب المنطقة أي تطورات خطيرة محتملة لهذه القضية، وهو ما تأكد مع تبني مجلس الأمن الدولي للقرار رقم 1754 الذي أعلن تقديره “للجهود المغربية المتسمة بالجدية والمصداقية”.

المحطات الست الكبرى التي ميزت الـ19 عاما من حكم الملك محمد السادس، وبالرغم من قيمتها السياسية وتأثيرها المجتمعي، إلا أن بوخبزة يرى أن المغرب لم ينجح بعد في تكريس المصداقية السياسية وإرجاع الثقة للمواطنين في العملية الانتخابية والديمقراطية بصفة عامة، كما لم تستطيع الدولة بناء مؤسسات دستورية قوية تعبر حقيقة عن الإرادة السياسية والشعبية في الإصلاح، وذلك بالرغم من وجود مقدمات في هذا المجال، لافتا في تصريح لـ”العمق” إلى أن ما تحقق على أرض الواقع يبقى دون الآمال والطموح المعقود بعد خطاب 9 مارس، رغم كل المجهودات والأوراش التي تتم في هذا السياق.

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك