https://al3omk.com/316378.html

المغاربة و فكر “جاتْ واحدْ المْسْخوطَة وْ لْواتْ عْليهْ”

تعودت أن أسمع دائما بين جميع العائلات وفي أوساط الأصدقاء من جميع شرائح المجتمع، حكايات مختلفة ولكنها تشترك كلها في نفس العبارة الشهيرة “تْسْلْطّاتْ عْليه واحْدْ خيتي وْ لْواتْ عْليه”. بمعنى أن امرأة قد سلبت قلب رجل وجلبت كل اهتماماته إليها، سواءً كان هذا الرجل أعزباً أو متزوجا. والغريب في هذا الأمر، أنني لم أسمع أبدا أي حكاية يقال فيها “جا واحْدْ المْسْخوطْ وْ لْوا عْليها”. وهذا يعني أن سلطة إغراء المرأة تفوق بكثير سلطة الرجل. وهذا أمر متناقض حسب الثقافة المغربية الشعبية التي تصور الذكر أنه أقوى بكثير من الأنثى!

وأعرض عليكم تحليلاً لسبب استعمال عبارة “جاتْ واحْدْ خيتي وْ لْواتْ عْليه”:

1- إنكار وجود الحب
المجتمع المغربي لا يعترف بوجود الحب وكلمة “الحب” مفقودة في قاموس الدارجة المغربية ويحل محلها “الإعجاب” بحيث نسمع هذه العبارة “عْجْباتو وْ عْجْبْها” ولا نقول “حْبَّتو وْ حْبّْها”. أخطر من هذا و ذاك، أن حتى في علاقة الآباء مع أبنائهم لا نجد تعبيراً في الدارجة المغربية فيه كلمة حب مثل “أحبك يا ابني”. فالحب يعتبر في مجتمعنا شيءً خيالياً من عالم الروايات و الأفلام السينمائية.
ولهذا كلما وجدنا شابا مغرما بفتاة ويحبها حبا جنونيا، نعتقد أنه ليس في حالة طبيعية ونبرر هذا الحب الجنوني بِـ “السّْحورْ وْ التّْوْكالْ” بينما نقول على المعشوقة “واحْدْ المْسخوطة لْواتْ عْليهْ”.

2- علاقة العشيقة بِـ “حواء”
يستند التصور الشعبي إلى فكرة أن حواء هي التي أغرت آدم وكانت سببا في خروجهما من الجنة. ولهذا ساد الاعتقاد أن للمرأة قدرة عجيبة في التأثير على الرجل بسحر إغرائها. وصار هذا دليلا على أن المرأة أقوى من الرجل. وبما أن المجتمع الذكوري يرفض هذا الواقع، نراه ينسب قوة المرأة إلى لجوئها لقوة السحر والتّْوْكالْ. و في المخيال الشعبي الذكوري أن المعشوقة تُخرج العشيق من ميزان السيطرة على عقله و تسلب إرادته، ليس من خلال سحر حبها و إنما بأساليب إغواء شيطانية.

3- العشيق “ضحية” و”الرّاجْل خاصّو يْبْقى راجْل”
في المجتمع المغربي والذي هو ذكوري بامتياز، لا نتقبل أن الرجل يفقد صوابه بسبب حبه امرأة، بل يجب عليه أن يتحكم في عواطفه حسب التربية المغربية حين نقول لطفل يبكي “مَتْبْكيشْ نْتا راجْل مَشي بْنْتْ”. إن التربية المغربية تُجرد الولد من كل أحاسيسه العاطفية وتترك هذه الأحاسيس حصرياَ للفتيات. بمعنى آخر، أن العواطف والتعبير عنها هي نقائص يتم إلصاقها في الأنثى كـدليل على ضعف الشخصية. ولهذا يُظهر الذكر رجولته من خلال القسوة و الجمود العاطفي بحيث يكتم مشاعره و يدفنها في داخله و لعل هذا هو أصل المعاناة في واقعنا الإنساني المجتمعي .

و هكذا عودتنا تربيتنا أننا كلما رأينا رجلا مغرما بامرأة، نعتبر هذا الأمر غير طبيعي وأنه قد سقط ضحية غرام “المسخوطة” وأن لا ذنب له في هذا الولع الغرامي حتى و خاصة إذا كان متزوجا بأخرى حيث يتم تحميل المسؤولية و إلقاء الذنب على كاهل المعشوقة او العشيقة و كأن هذا الرجل لعبة لا إرادة له أو صبي قاصر فاقد لزمام إرادته .

4- التلاعب بالتمييز القبلي والمستوى الاجتماعي
مع الأسف لا يخلو الأمر من التمييز الطبقي و القبلي فإذا كانت المعشوقة من عائلة غنية أو من عائلة لها مكانتها الاجتماعية المرموقة أو أن لها دخلاً شهريا عاليا فلن نسمع عبارة “لْواتْ عْليه واحْدْ خيتي” بل نسمع مثل هذه العبارة “جابْلو الله واحْدْ البنت غْزالة وْ بْنت الناس”. أما إذا كانت المعشوقة من قبيلة غريبة على قبيلة العشيق أو أنها من عائلة فقيرة وليس لها شغل أو دخل شهري معتبر، فهنا سنسمع عبارة “لْواتْ عْليهْ واحْدْ الويلَة”.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك