https://al3omk.com/317276.html

ذكرى عيد العرش .. 19 سنة من المكتسبات والتراجعات

يحتفل الشعب المغربي اليوم 30 يوليوز بالذكرى 19 لتربع الملك محمد السادس على عرش المملكة المغربية، وهي الذكرى التي تكون عادة محطة لتقييم حصيلة المنجزات والاخفاقات التي عرفها المغرب خلال منذ وصول الملك إلى الحكم.

وفي هذا الصدد تجرد جريدة “العمق” أهم المكتسبات التي تحققت خلال العهد الجديد، وكذا أهم التراجعات، بالإضافة إلى مادة استشرافية لما ينبغي أن يكون عليه النموذج التنموي الجديد الذي دعا الملك إلى التفكير في اعتماده مستقبلا.

6 محطات بشّرت بعهد جديد

تميزت مرحلة حكم الملك محمد السادس، والتي تطفئ نهاية هذا الشهر شمعتها التاسعة عشر، بست محطات كبرى بصم عليها الملك منذ توليه الحكم إلى لحظة اهتزاز الشوارع العربية بالاحتجاجات في 2011، واعتبرها متتبعون من أبرز الإنجازات السياسية التي مكنت الجالس على العرش من القطع مع بعض سياسات والده الراحل، وتكريس مرحلة “العهد الجديد”.

1- رفع الحصار عن ياسين وعودة السرفاتي

أنهى محمد السادس عشر سنوات من الإقامة الجبرية التي فرضها نظام الملك الراحل الحسن الثاني على زعيم جماعة العدل والإحسان عبد السلام ياسين، حيث غادر أفراد الأمن المرابطون بباب إقامة الراحل ياسين بمدينة سلا، موقع حراستهم يوم 16 ماي 2000، ليؤدي مؤسس الجماعة الإسلامية المحظورة، صلاة الجمعة بمسجد الحي، إعلانا بنهاية فترة “الحصار” التي دامت 10 سنوات، وذلك بعدما سبقها تصريح لوزير الداخلية حينها أحمد الميداوي أمام البرلمان، قال فيها إن “المعني بالأمر حر يذهب حيث شاء ويستقبل في بيته من شاء”.

وعلى غرار عبد السلام ياسين، سمحت الدولة مع بداية حكم محمد السادس، بعودة المعارض اليساري البارز من أصل يهودي، إبراهام السرفاتي، إلى المغرب، بعد إبعاده إلى فرنسا منذ العام 1991، حيث جرى اعتقاله سنة 1975 وحكم عليه بالمؤبد، قضى منه 17 عاما بالسجن، بسبب معارضته الشديدة لنظام الحسن الثاني وتزعمه منظمة “إلى الأمام” الماركسية اللينينية، وكان من اليهود الرافضين للهجرة إلى “إسرائيل” والمناهضين للصهيونية.

الملك محمد السادس أراد تدشين فترة حكمه بنهج سياسية التصالح مع المعارضين، من اجل تخفيف التوتر التي طبع مرحلة والده الراحل، وهو ما جعله يبادر إلى السماح بعودة السرفاتي إلى وطنه في شتنبر 1999، مع تمكينه من جواز سفره المغربي وظروف إقامة محترمة، قبل أن تتم إعادة الاعتبار له بتعيينه مستشارا لدى المكتب الوطني للأبحاث والتنقيب عن النفط، وتوفي بمراكش في 18 نونبر 2010.

2- مدونة الأسرة

أثار مشروع قانون الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية عام 1999، جدلا كبيرا في بداية حكم الملك محمد السادس، وهي الخطة التي أطاحت بصاحبها الوزير سعيد السعدي عن حزب التقدم والاشتراكية في حكومة عبد الرحمن اليوسفي الأولى، بعدما لقيت معارضة شديدة من قبل الإسلاميين، تكللت بتعبئة الشارع في مسيرتين، الأولى مليونية بالدار البيضاء قادتها التيارات الإسلامية وعلى رأسها حزب العدالة والتنمية وجماعة العدل والإحسان، وبلغت حسب المنظمين مليون مشارك، في حين خرجت مسيرة ثانية بالرباط قادتها أحزاب وهيئات مساندة للخطة ومدعومة من الحكومة، غير أن أعداد المشاركين فيها كانت أقل بكثير من الأولى.

أستاذ العلوم السياسية بجامعة عبد المالك السعدي بطنجة، محمد العمراني بوخبزة، قال في تصريح لجريدة “العمق”، إن هذه المدونة جاءت في إطار سياسية الاهتمام بالإنسان المغربي التي أبداها الملك محمد السادس، معتبرا أن تغيير اسمها من مدونة الأحوال الشخصية إلى مدونة الأسرة لها مدلول كبير نظرا للقيمة التي تتمتع بها الأسرة داخل المجتمع واشتمالها على مختلف أفراد العائلة، مشيرا إلى أن المدونة شكلت انطلاقة جديدة في قراءة النصوص الدينية ومثلت نصا قانونيا غير عادي بالنظر إلى بعدها الديني المرتبط بالاجتهاد، وذلك بعد الشرخ الذي كاد أن يخلق مواجهة بين تيارين مجتمعيين لولا التحكيم الملكي.

3- الإنصاف والمصالحة

حاول الملك محمد السادس منذ بداية توليه العرش، طي واحد من أصعب وأعقد الملفات التي كانت مطروحة على طاولته، وهي ملف “سنوات الرصاص”، وذلك ضمن عملية انطلقت في بداية التسعينيات مع الملك الراحل الحسن الثاني، وكرسها الملك محمد السادس، ابتغت تحقيق انفراج سياسي وتحسين صورة المغرب، بعد عقود من الصراع والاحتقان بين الدولة والمعارضة، ارتكبت خلاله انتهاكات جسمية لحقوق الإنسان.

العمراني بوخبزة اعتبر في تصريح مماصل للجريدة، أن نظام محمد السادس أراد من خلال هذه المبادرة طي صفحة الماضي في انتهاكات حقوق الإنسان، وتحقيق انفراج سياسي كبير في تاريخ المغرب، ولو أن الانفراج انطلق عمليا مع تشكيل حكومة التناوب الأولى على عهد الملك الراحل الحسن الثاني، مضيفا أن ملف حقوق الإنسان عرف في مرحلة محمد السادس جملة من التحولات الكبرى ابتغت الدولة من خلالها إلى فتح صفحة جديدة وعدم العودة إلى الماضي.

4- مبادرة التنمية البشرية

في العام 2005، أطلق عاهل البلاد خطوة جديدة في مسار التنمية، سماها بالمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وهي مشروع تنموي من أجل تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للسكان، خاصة الفئات الهشة وساكنة المناطق النائية، وتهدف إلى التصدي للعجز الاجتماعي بالأحياء الحضرية الفقيرة والجماعات القروية الأشد خصاصا، وتشجيع الأنشطة المدرة للدخل القار والمتيحة لفرص الشغل، مع العمل على الاستجابة للحاجيات الضرورية للأشخاص في وضعية صعبة.

وتعتبر الدولة أن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية هي مشروع مجتمعي بامتياز يعتمد مقاربة جديدة لمحاربة الفقر والهشاشة، حيث تم إنجاز أزيد من 40 ألف مشروع خلال 10 سنوات، منها 8300 مشروع مدر للدخل، وذلك لفائدة أزيد من 10 ملايين مستفيد، يتمركز 50 في المائة منهم بالوسط القروي، بغلاف مالي قدره 37.4 مليار درهم، ساهمت فيه المبادرة بـ 24.1 مليار درهم.

بالمقابل، يوجه بعض المراقبين انتقادات إلى عملية تدبير المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، معتبرين أن ما تحقق على أرض الوقع لا يرقى إلى مستوى الأهداف المتوخاة منها، ولا يتماشى مع المبالغ الضخمة التي رُصدت لها، في حين سبق لوزارة الداخلية عبر عمالها وولاتها، أن فتحت تحقيقا في مجموعة من المشاريع التي وردت فيها شكايات كثيرة تتحدث عن خروقات في عملية الاستفادة.

5- الحكم الذاتي

بعد سنوات من ركود مياه ملف الصحراء المغربية، تقدم المغرب بقيادة الملك محمد السادس، بمبادرة جديدة إلى الأمين العام للأمم المتحدة بتاريخ 11 أبريل 2007، اعتُبرت منعطفا في مسار تطور الأحداث في هذا الملف الذي عمَّر لعقود، تتمثل في مبادرة الحكم الذاتي في الصحراء، كحل سياسي نهائي للنزاع، وذلك عبر منح منطقة الصحراء المغربية حكما ذاتيا موسعا مع الاحتفاظ برموز السيادة المغربية كالعلم والسياسة الخارجية والعملة وغيرها، يتم إقراره بعد استشارة استفتائية للسكان المعنيين، طبقا لمبدئ تقرير المصير ولأحكام ميثاق الأمم المتحدة، حيث لاقت المبادرة دعما دوليا واسعا وترحيبا من قبل العديد من الجهات الدولية والإقليمية التي رأت في هذه المبادرة حلا جريئا ومنطقيا لنزع فتيل الأزمة.

المبادرة التي سوق لها المغرب بشكل كبير في المنتظمات الدولية وركز عليها الملك في أغلب خطاباته الرسمية، رأى فيها متتبعون أنها تشكل حلا وسطا للنزاع وتنسجم مع الشرعية الدولية وميثاق الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن، غير أن جبهة البوليساريو الانفصالية رفضت التفاوض على المبادرة المغربية وأصرت على خيارها الداعي إلى تنظيم استفتاء في الصحراء من أجل الانفصال عن المملكة، الأمر الذي دفع المغرب إلى البدء في تنزيل مشروع الحكم الذاتي عبر ورش الجهوية الموسعة.

6- خطاب 9 مارس

يتذكر المغاربة كيف ترقب الرأي العام خطاب الملك محمد السادس يوم التاسع من مارس 2011، غداة تحرك الشارع في 20 فبراير من نفس العام، ضمن الحراك الشعبي الذي هز المنطقة العربية وضرب عروش أنظمة متسلطة، وهو الخطاب الذي خصصه الملك للتفاعل مع أمواج المتظاهرين التي اجتاحت شوارع المملكة، مما جعله خطابا شكل لحظة فارقة ومنعطفا حاسما في المسار السياسي للبلد، وكرس مقولة “الاستثناء المغربي”، في خطاب اعتبره محللون بأنه أهم وأقوى خطاب في تاريخ الجالس على العرش منذ توليه الحكم في سنة 1999.

الخطاب الاستثنائي الذي دام حوالي ربع ساعة، حظي بمتابعة كبيرة داخل المغرب وخارجه، ولقي إشادة من طرف جل الأحزاب والهيئات السياسية والنقابية والجمعوية، كما ثمنت مضامينه دول غربية ومنظمات دولية، معتبرين أنه خطاب تماشى مع نبض الشارع وقدم جوابا سياسيا عن أكبر حركة احتجاجية يعرفها المغرب في تاريخه المعاصر من أجل المطالبة بالحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية في سياق إقليمي جد مضطرب، في حين قدمت أنظمة أخرى قريبة من المملكة، جوابا أمنيا بالسلاح والدماء من أجل وقف أمواج المتظاهرين في الشوارع.

وفي هذا الصدد، يرى المحلل السياسي بوخبزة، أن الدستور الجديد الذي مهد له الملك عبر خطاب 9 مارس، شكل نقطة تحول كبيرة في مسار الانتقال الديمقراطي، من خلال إعطائه حمولة حقوقية وفصل السلط، غير أنه كان يحتاج إلى نخب خاصة لمنح نصوص الدستور حمولة ديمقراطية، مردفا بالقول: “نجحنا في نص دستوري متقدم، لكن فشلنا في خلق نخبة خاصة تتماشى مع روح الدستور”، وفق تعبيره.

5 أحداث خدشت صورة “العهد الجديد”

منذ إعتلاء الملك محمد السادس عرش سلفه الراحل الحسن الثاني، تدفق إلى نفوس كثير من المغاربة أملٌ بأن يكون العاهل الجديد على موعد مع إصلاحات كبرى تُخرج المغرب من “السكتة القلبية”، على حد وصف الحسن الثاني، إلى فضاء أرحب ينتقل بالمغرب من دولة متخلفة إلى دولة تشق طريقها نحو مصاف الدول المتقدمة، خاصة وأن المملكة لا تعدم الإمكانيات التي تؤهلها لذلك.

غير أن “العهد الجديد” الذي بشر به الملك محمد شخصيا في خطاباته الأولى، والذي يُعلي من دولة الحق والقانون، اصطدم بأحداث أضعفت الأمل في الأنفس من التغيير المنشود، وتحول معها الحلم بوطن جديد إلى شك في أن يتخلص المغرب من أرثه التليد المثقل بمخلفات سنوات الجمر والرصاص، التي كانت فيها الغلبة لصوت القمع وتزوير الانتخابات والتحكم في اختيارات الناس

1- “الانكسار” الديموقراطي

من بين المؤشرات السلبية التي تلقاها كثيرٌ من المغاربة في السنوات الأولى لـ “العهد الجديد”، هو تخلي القصر عن المنهجية الديمقراطية في اختيار الوزير الأول لقيادة الحكومة بعد انتخابات 2002 التشريعية، حيث تم اختيار التكنوقراطي إدريس جطو وزيرا أولا بدلا من عبد الرحمان اليوسفي الذي حل حزبه حينئذ أولا، والذي عينه الملك الراحل الحسن الثاني وزيرا أولا لحكومة التناوب التوافقي.

وبحسب متتبعين فإن قطع الطريق على اليوسفي من أجل تشكيل الحكومة، ليس جديدا في تعامل القصر مع من سبقوه أو من أتوا بعده، حيث أشار المحلل السياسي محمد شقير إلى أن “هذا المنطق تجسد منذ استقلال البلاد من خلال الانقلاب على مولاي عبد الله ابراهيم كرئيس للحكومة في ظرفية سياسية اتسمت بمحاولة اقتسام السلطة بين الملكية وحزب الاستقلال”.

وأضاف شقير في مقال تحليلي أن إبعاد عبد الرحمان اليوسفي جاء أيضا في ظرفية سياسية اتسمت بمحاولة التداول على السلطة، أو ما سمي بالتناوب، مضيفا أن هذا المسلسل انتهى بإعفاء عبد الإله بنكيران في ظرفية سياسية تميزت بحراك سياسي شعبي تزعمته حركة 20 فبراير في إطار تداعيات ربيع شمل كل المنطقة العربية.

2- أحداث 16 ماي

في الوقت الذي شكلت فيه الأحداث الإرهابية التي ضربت مدينة الدار البيضاء ليلة 16 ماي سنة 2003 صدمة كبيرة للرأي العام المغربي، الذي لم يعتد على مثل تلك الأحداث الأليمة، في الوقت ذاته أصيب الرأي العام بذهول كبير للطريقة التي تعاملت بها الأجهزة الأمنية مع الحدث، حيث تحول المغرب إلى ما يشبه “محاكم تفتيش” جديدة، يتم بموجبها جر الناس إلى السجن لمجرد شبهة أو وشاية.

وبعد ذلك سارع المغرب بأيام، أي في 21 مايو من نفس السنة، إلى المصادقة على قانون مكافحة الإرهاب، الذي اعتبر كقانون طوارئ اعتقل على إثره المئات ممن ينسبون للسلفية الجهادية، وهي الاعتقالات التي أقر عاهل البلاد الملك محمد السادس بأنها قد عرفت تجاوزات، وذلك من خلال حوار شهير له مع صحيفة “إيل باييس” الإسبانية.

لقد أثارت “الحرب الاستباقية” التي اعتمدتها الدولة المغربية في تعاملها مع أحداث 16 ماي، حالة من الاستياء داخل الأوساط الحقوقية لضخامة تلك الاعتقالات، التي عُدّت بالآلاف، وهو ما يعتبره متتبعون وحقوقيون لحد الساعة بأنه كان “سقطة” كبيرة في تعامل الدولة مع ملف إرهابي بعقل أمني بدل التعامل معه بلغة القانون واحترام حقوق الإنسان.

3- ظهور البام

شكلت الطريقة التي ظهر بها حزب الأصالة والمعاصرة “ضررا بالغا” على صورة العهد الجديد، الذي تعهد من خلال ملك البلاد بتعزيز الديمقراطية وشفافية صناديق الاقتراع وضمان التعددية السياسية، حيث اعتبر متتبعون أن ظهور شخص مثل فؤاد عالي الهمة (المعروف بصداقته للملك محمد السادس) إلى الساحة ومحاولته تأسيس حزب سياسي مقرب من القصر ويحظى بدعمه هو “إساءة” للتعددية التي راكمها المغرب منذ الاستقلال.

وخلق تأسيس البام وفوزه بأغلبية مقاعد الانتخابات الجماعية لسنة 2009 بعد أشهر فقط من ظهوره جدلا كبيرا في الساحة السياسية المغربية، حيث اعتبر زعماء سياسيون أن الهدف من خلق الحزب هو الهيمنة على الساحة السياسية وخلخلة المشهد الحزبي في المغرب والتصدي لمد الإسلاميين، وحزب العدالة والتنمية المغربي تحديدا، فيما رأي فيه آخرون خطرا على التعددية السياسية بالمغرب ومحاولة للسيطرة على المشهد السياسي.

ولقي ظهور البام انتقادات واسعة من لدن أغلب الفاعلين السياسيين، وهو الأمر الذي تمت تزكيته شعبيا في الاحتجاجات الكبيرة التي عرفها المغرب سنة 2011 مع ظهور حركة 20 فبراير، حيث طالب المحتجون بمحاسبة رؤوس الحزب بعد اتهامهم بمحاولة استغلال رمزية القصر عند المغاربة من أجل السيطرة على المشهد السياسي والتحكم في الخريطة الانتخابية، وهو الشيء الذي تنبه له الملك، حيث قدم مؤسس الحزب استقالته منه، ليقوم الملك بعدها بتعيينه مستشارا له.

4- العفو عن غالفان

هزت قضية العفو الملكي عن المواطن الاسباني، مغتصب الأطفال دانييل غالفان، الرأي العام المغربي، في غشت من سنة 2013، حيث خلق الحدث موجة من الاحتجاجات المدنية، وهو ما دفع الملك لأول مرة في تاريخ المغرب إلى تقديم شبه اعتذار عما حدث واستقباله عائلات ضحية الغلماني الإسباني، ذي الأصول العراقية، المحكوم بثلاثين سنة سجنا نافذة عقابا على جرائم ارتكبها بمدينة القنيطرة، سنة 2008 في حق عدد من الأطفال، كما أمر الملك على اثرها باعفاء مسؤولين كانوا وراء توريط قضية القصر في قضية العفو.

لقد أدى ذيوع الخبر إلى تعبئة مهمة على مستوى مواقع التواصل الاجتماعي تبلورت بسرعة إلى مظاهرات ووقفات احتجاجية، عبر مجموعة من المدن المغربية، ووجهت بعضها بقمع أمني كثيف، خصوصا في تطوان والرباط، وإلى ارتباك داخل مؤسسات الدولة المغربية بسبب تراشق القصر والحكومة المسؤولية حول خطأ العفو. كما تميزت بسياسة تواصلية مكثفة وغير مسبوقة للقصر الملكي المغربي، عبر مجموعة من البلاغات المتسارعة.

أخذت القضية أبعادا دولية، خصوصا على مستوى العلاقات المغربية الإسبانية، بحكم أنها جاءت في إطار موجة عفو عن مجموعة من الإسبان المسجونين بالمغرب، وأبعادا مخابراتية بحكم الصفة السابقة لدانييل غالفان كعميل للمخابرات الإسبانية، فيما اعتبر كثيرون أن هذا الحدث سيبقى من بين الأحداث التي “أساءت” لمؤسسة القصر بالرغم من تأكيد الملك الشديد على أنه “لم يكن قط ليوافق على إنهاء إكمال دانيل لعقوبته بالنظر لفداحة الجرائم الرهيبة التي اتهم بها”.

5- أحداث الريف

من بين الأحداث التي سيظل كثيرٌ من المغاربة ينظرون إليها بقلق في “العهد الجديد” هو تعامل الدولة مع الأحداث التي عرفتها مدينة الحسيمة بعد مقتل السماك محسن فكري واشتعال موجة من الاحتجاجات بالمدينة للمطالبة بالقصاص له وتحقيق التنمية في المنطقة، حيث اعتبر متتبعون أن السلطة تعاملت مع الأحداث بعددٍ من المقاربات التي لم تُظهر فاعلية في حلحلة الموقف، بل أسهم بعضها في تعقيد الوضع، بل وتفاقمه بعد أن أربكت المقاربة الأمنية الملف.

وفي هذا السياق، اعتبر المحلل السياسي بلال التليدي أن حرا الريف شكَّل صدمة قوية للتجربة المغربية، وطرح أسئلة عنيدة على مناعة النموذج المغربي الذي كان يعد إلى عهد قريب استثناء في العالم العربي بسبب الوصفة الإصلاحية التي أنتجها في تفاعله مع رياح الربيع العربي والتوافق السياسي الذي حصل بين الدولة وبين قوى التغيير.

واعتبر أن” ارتباك السلطات المغربية في التعاطي مع الحراك كشف وجود أزمة خيارات استراتيجية الدولة وقدرتها على التجاوب مع انفلات المجتمع من دائرة ضبطها السياسي. وقد وضعت بعض مواصفات الحراك، وبشكل خاص تزايد ظاهرة التخاطب المباشر مع الملك، وانهيار الوساطة الحزبية في المنطقة، التي مثَّلها حزب الأصالة والمعاصرة الذي اكتسح بمساعدة من السلطات منطقة الحسيمة ودوائرها المجاورة، الصيغة المغربية في ممارسة السياسة على المحك، لاسيما بعد بروز مؤشرات انتشار السلطوية وامتدادها، مما أدخل السلطة في ورطة حقيقية، دفعها إلى التفكير في خيارات لتصدير الأزمة بعد عجز ومحدودية خياراتها السابقة”.

أي نموذج تنموي لمستقبل المغرب؟

تأتي الذكرى 19 لتربع الملك محمد السادس على عرش المملكة المغربية في خضم البحث عن نموذج تنموي جديد، بعد إعلان الملك فشل النموذج التنموي الحالي، في خطاب أمام البرلمان بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الثانية من الولاية العاشرة يوم الجمعة 13 أكتوبر 2017.

وفي هذا الصدد، يتوقف كل من المحلل السياسي محمد الغالي والمحلل السياسي محمد مصباح عند النموذج التنموي الحالي من أجل بيان أسباب فشله في محاولة لرسم آفاق جديدة لنموذج تنموي منشود قادر على صناعة نهضة مغربية محورها تقدير المواطن وتوفير شروط الحرية والديمقراطية والكرامة والعدالة الاجتماعية.

ويتفق الغالي مع مصباح في أن سبب فشل النموذج التنموي لا يرجع بالأساس إلى ضعف الموارد والكفاءات بالمغرب. ويركز تحليلهما على أن الذي تسبب في تعثر النموذج التنموي الحالي والنماذج السابقة له، هو غياب الشفافية والنزاهة والحكامة، ويجملها الغالي في غياب الأساس الأخلاقي.

1- عائق غياب الديمقراطية

يتفق الباحثان على أن السبب الآخر للفشل هو سبب سياسي، ويلخصه مصباح في غياب الديمقراطية وعدم إشراك المواطن في صناعة النموذج القادر على تحقيق تطلعاته، منتقدا تنزيل النماذج السابقة بطريقة فوقية، فيما يلخصه الغالي في اعتماد المقاربات الجاهزة وغياب المقاربة التشاركية.

ورأى محمد مصباح مدير المغربي لتحليل السياسات أن طبيعة المقاربة المعتمدة في إقرار النموذج التنموي كانت خاطئة من البداية عبر استبعادها للمواطن، موضحا أن المواطن إذا لم يتم إشراكه في التخطيط للنموذج الذي يطمح إليه يدفعه إلى عدم الانخراط في تنزيله على أرض الواقع عبر شعوره بأنه غير معني به.

وشدد مصباح على أن فشل النموذج التنموي راجع لسبب سياسي أكثر منه إلى غياب الموارد البشرية، موضحا أن اعتماد المقاربة الفوقية في برمجة المشاريع دون اعتماد مقاربة التنزيل الديمقراطي هو راهن فاشل في كل الأنظمة إلا تلك الأنظمة الديكتاتورية التي تفرضها بالقوة.

وفي هذا السياق، أكد الأكاديمي محمد الغالي أن المقاربات الجاهزة لا يمكن أن تحقق شيئا في غياب تام لمنطق إشراك المواطن في صناعة القرار، الذي يفرضه الانتقال إلى دولة المؤسسات وحقوق الإنسان والحريات، والتحول نحو الديمقراطية والتشاركية.

2- عائق غياب الشفافية

ولخص مصباح العنصر الثاني المتعلق بغياب الشفافية، بقوله إن “غياب الشفافية يؤدي إلى تفشي الريع”، موضحا أن المغرب يخسر نقطة من الناتج الإجمالي الخام أي حوالي 800 ألف منصب شغل بسبب الفساد وغياب الشفافية، مضيفا أن المغرب يخسر 2 مليار دولار أي ما قد يساهم في بناء العديد من المؤسسات.

وأورد مصباح مؤشرا على غياب الشفافية بالمغرب، وذلك بتصريح المعطيات الرسمية أن 55 في المائة من الجمعيات التي تلقت الدعم من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية لا تمتلك أساليب المحاسبة وهو ما يعني اختلال المعايير وإدخال معايير إيديولوجية وسياسية وحزبية في تقديم الدعم.

واعتبر الغالي أن الكل يتحدث عن الشفافية والنزاهة حتى تحولت لخطاب استهلاكي، موضحا أن الذي ظهر هو أنه رغم وجود الكفاءات بالمغرب إلا أنها بدل استثمار ذكائها في التنمية والتطوير استثمرته في خدمة مصالحها الشخصية أو الحزبية أو غيرهما من الأنانية والذاتية.

وشدد الغالي على أن تعثر النموذج الحالي يرجع إلى عدم ربط المسؤولية بالمحاسبة، موضحا أن النماذج التي تم إقرارها سابقا كانت تنقصها قيم الالتزام، من محاسبة ونزاهة وحكامة ومسؤولية،

3- النموذج المنشود

وفي سبيل إيجاد نموذج قادر على النهوض بالمغرب، اقترح مصباح والغالي التخلص من سببي الفشل (غياب الديمقراطية، وغياب قيم الحكامة والنزاهة والشفافية)، مطالبان بأن يتأسس النموذج على إشراك المواطن وإعمال الشفافية والنزاهة.

وأكد الغالي أن النموذج التنموي المنشود لن ينجح إذا لم يكن له أساس أخلاقي قائم على النزاهة وربط المسؤولية بالمحاسبة والشفافية، مقترحا أن إشاعة تلك القيم بالتنشئة الاجتماعية التي تسعى إلى تكريس القيم وفق مقاربة شمولية، موضحا أن هذا الأمر لا يجب أن يقتصر على الدولة ومؤسساتها بل يتجاوزها إلى الأسر والمجتمع…

من جهته، يعتقد مصباح أن المغرب سيعيد إنتاج نموذج فاشل إذا اعتمد نفس المقاربة، قائلا إذا لم نؤسس النموذج على الديمقراطية والشفافية والحكام سننتج نموذجا تنمويا فاشلا. مقترحا عنصري الديمقراطية والشفافية من أجل بناء نموذج تنموي يقطع مع النموذج الحالي.

ويرى الباحثان أن النموذج التنموي المنشود في مفترق الطرق إما أن يسير في طريق الديمقراطية والشفافية وإشراك المواطن فيؤدي إلى النهوض والتقدم، وإما أن يذهب في طريق الريع والمقاربات الفوقية والإغراق في الفساد فيؤدي إلى نتائج النموذج الحالي.

انجاز: محمد عادل التاطور / إسماعيل الأداريسي / عبد الله أموش

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك