https://al3omk.com/319739.html

ما بعد الخطاب وفخ اﻻحباط

اﻷزمة السياسية تتقدم ومنسوب اﻻحباط المجتمعي يزداد يوما بعد يوم، خصوصا بعد خطاب العرش (29 يوليوز 2018) الذي وصف الوضع وصفا قاتما، وانتقد اﻷحزاب التي لم يستثن منها ولو حزبا واحدا، وانتقد الحكومة ولم يخصصها ولو بإيجابية واحدة، وانتقد المؤسسات العمومية، وعبر عن استمرار فشل النموذج الوطني للتنمية.. وأكثر من ذلك كله أنه عبر عن خطورة الوضع بالتحذير من العدمية والفتنة والفوضى..من الطبيعي أن يؤثر هذا كله على نفسية الشعب، وأن يشعر بما يشعر به ملكه، وأن يزداد خوفه على المستقبل.

ومما يعزز اﻻحباط المجتمعي أن يرى الشعب ملكه وحده في المواجهة بدون اتخاذ إجراءات حاسمة ومناسبة للتشخيص ﻻستعادة اﻷمل وترسيخ الثقة، من قبيل ما يظنه أغلب المواطنين، بنظرة بسيطة وتسرع ساذج هو الحل الحاسم، وهو حل الحكومة وإعلان انتخابات سابقة ﻷوانها.

ومما يخيف أكثر أن يختار الملك مواجهة الوضع لوحده، بما يعني أن يتحول فجأة إلى واجهة المحاسبة والنقد الشعبي الواسع في وسائل التواصل اﻻجتماعي؛ حيث أرسل رسالة دالة أن ﻻ أمل إﻻ في أن يمسك بنفسه زمام اﻷمور، وأن يُبقيَ نفسه المقررَ في المشاريع الكبرى والمتوسطة، وفي اتخاذ قرارات واستراتيجيات في الصحة والتعليم والفلاحة والصيد البحري والمعادن والتنمية اﻻقتصادية والتنمية اﻻجتماعية وغيرها، ﻻ شأن فيها للحكومات وﻻ الأحزاب وﻻ البرلمان وﻻ المنتخبين عامة إﻻ واجب التنفيذ.

وحقيقة هذا التوجه أنه يفرغ برامج اﻷحزاب من قيمتها، ويجعلها ديماغوجية انتخابية غير ذات المعنى، ومواد لتأثيث خزاناتها الحزبية بعد اﻻنتخابات؛ ومما يرسخ هذا المنحى استغناء الخطاب هذه المرة عن استعمال مصطلح “النهج الديموقراطي” الذي كان يؤثث سابقا عددا من الخطابات.

يفهم بشكل واضح من هذه الرسالة أن فشل النموذج التنموي الوطني، الذي أقر به الملك، ﻻ علاقة له من الناحية السببية بأسلوب الحكم واختياراته؛ وإنما علاقته بسوء تنفيذ الحكومات وقطاعاتها المركزية والجهوية واﻹقليمية؛ لذلك لم يعلن عن أي شيء يضطر إلى تغييره أو التنازل عنه، رغم التخوف والتحذير من العدمية والفتنة والفوضى. ولذلك، بالنسبة إليه وحسب التقارير المرفوعة إليه، مازالت الفرصة متاحة للتقدم ومعالجة الاختلالات؛ وهكذا اختار الملك تحمل مسؤولية مواجهة التحديات والتوجه مباشرة إلى رهانات سياسية ومجتمعية تفصيلية بدون وسائط منتخبة، باﻹضافة إلى الصلاحيات الواسعة التي اكتسبها من الدستور.

أليس من المغامرة إفراغ اﻷحزاب المسيرة من مسؤولية برمجياتها الخماسية واستبدالها ببرمجيات عشرية تتجاوزها، لكن تفرض عليها وتحاسب عليها؛ بينما من الطبيعي أن ﻻ يتحمس السياسيون لتنفيذ برامج لم يتحملوا مسؤولية وضعها ولم يتفهموها؟!

نظنها مغامرة غير محسوبة في ظل اﻻنتظارات المتراكمة داخليا من جهة- وقد أدرك الملك ذلك بقوله “إن قضايا المواطن لا تقبل التأجيل ولا الانتظار”؛ ومن جهة أخرى تحاصرها مستجدات المحيط اﻹقليمي التي تتيح للمواطنين منهجية المقارنة مع الدول المشابهة والقريبة كتركيا والدول اﻷسيوية ومنطقة البحر اﻷبيض المتوسط؛ كتونس مثلا التي تقدمت بسرعة ملحوظة على المغرب رغم مشاكل الربيع العربي التي مرت منها، وما زالت تتخبط فيها؛ حيث ارتفع فيها متوسط الدخل الفردي سنة 2018 ضعفي متوسط الدخل الفردي في المغرب، وفي هذه المقارنة على سبيل المثال وليس الحصر، نلاحظ الدولة في تونس تدفع اﻷحزاب لتتصارع وتتنافس على أساس الدفاع عن الديموقراطية والحرية، وعلى أساس التنافس على الاقلاع؛ بينما في المغرب تدفعها لتتنافس على الافلاس.

الإمكانات التي يتيحها الخيار الحالي، الذي يبحث عن أسباب الفشل في محيط الحكومة ومختلف المنفذين للمشاريع واﻻستراتيجيات، محدودة جدا:

إما الإبقاء على الحكومة الحالية ودوامة التعديلات الحكومية واحدة تلو الأخر ى وكل سنة، دون نتائج ملموسة ومرضية؛ وإما حكومة وطنية من أحزاب حكَم عليها الملك نفسه بالفشل وبالعجز وعدم قدرتها على تعبئة النخب واستقطاب الشباب للعمل السياسي؛ وحتى الحزب اﻹداري وزعيمه، المعول عليه بعد إعفاء بنكيران، قد احترق مشروعه بالكامل وفشل في دوره المرسوم، بسبب الوعي الجديد والتحوﻻت التي أنتجت أسلوب مقاطعة المواد التجارية كأسلوب احتجاجي متطور ومتحضر .

هل سيسمح هذا التوجه بخيار حكومة تكنوقراط في أفق انتخابات سابقة ﻷوانها وفي أفق التأسيس لتوجه سياسي جديد يعيد النظر في دستور2011 ؟

تؤكد السوابق التاريخية، وما زالت تشير في إشكالية التنمية إلى أن الخيارات والبرامج واﻻستراتيجيات التي ﻻ تنبثق من صناديق اﻻقتراع وبرامج اﻷحزاب وﻻ تحترم المنهجية الديموقراطية، غير قادرة على حلحلة الكثير من الملفات العالقة كالسكن والبطالة والشغل والفقر والتعليم والصحة وغيرها من الجروح التي تزداد نزفا وفتحا، وستظل خيبة أمل وإحباط مستمرين؛ حيث إن العلاقة بين التنمية والديموقراطية، أو بين اﻻزدهار ومنسوب الثقة المتبادلة هي علاقة طردية إيجابا وسلبا؛ وهنا اﻹجابة عن سؤال اﻻعتراف بأن هناك مشكلا مّا يعوق التنمية.

إن عدم قدرة الامكانات التقليدية على حل اﻷزمة والدفع بتطوير السياسات العمومية يجب أن يكون تحذيرا، لجميع الفاعلين في الدولة واﻷحزاب والنخب السياسية، من أن خياراتها الحالية غير ذات مردودية، وأنها قد استنفدت أغراضها؛ ويجب أن تكون هذه الحقيقة أساسَ سياسة جديدةٍ ومحفزة يُفتَح حوارٌ وطنيٌّ جادٌّ بشأنها.

*دكتوراه في العلاقات العامة

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك