https://al3omk.com/330550.html

العدالة اللغوية سبيلا إلى التنمية السوسيوثقافية

التنمية هي ارتقاء المجتمع والانتقال به من الوضع الثابت إلى وضع أعلى وأفضل، هي العمليات التي بمقتضاها تُوجّه الجهود من أجل تحسين الأحوال الاقتصاديّة والاجتماعية والثقافية في المجتمعات المحليّة؛ لمساعدتها على الاندماج في حياة الأمم والإسهام في تقدّمها بأفضل ما يمكن.

وليس لنا بحكم التخصص أن نتكلم عن التنمية باصطلاحات علم الاقتصاد، حيث تربط التنمية بالميدان ربطا مباشرا باطراد وتزايد النمو في إنتاجية العمل، وبتحقيق الزيادة بشكل دائب وسريع في مقدار المنتوج الإجمالي، وفي تراكم الخيرات المادية الضرورية لضمان رفاه العيش، لكنه من حديث الاقتصاديين عن التنمية يهمنا حديثهم عن عناصرهاالضرورية، وخاصة قوة العمل التي تعتبر عنصرا أساسيا، إذ يشمل مجموع القدرات التي يستهلكها الإنسان ويستخدمها في عملية إنتاج الخيرات المادية، ويهمنا على الأخص قدرته على إغناء خبرته الإنتاجية ودور اللغة في ذلك.

وباختصار شديد إذا كان لعنصر الإنسان ضمن أركان التنمية الدور الأساس في تطوير الإنتاج والزيادة في الخيرات، فإن اللغة لها الدورالحاسم في تطوير قدراته والرفع المستمر من كفاءاته، والإغناء المتجدد للخبرة التقنية، وتعميق المعرفة العلمية وتوسيع الثقافة وتنميتها، كما لها الدور المركزي في تنمية النسيج الاجتماعي وحمايته من التفكك.

ولا بأس من التذكير هاهنا إلى أن ثقافة القوم محمولة في مفردات معجم لغتهم، إذ كلّ مفردة تعتبر حدا حاملا لمفهوم معين، وتعريفها حد فاصل وتركيبها معلومة مستفادة، ومقدار المعلومات التي تجتمع حول أي موضوع بعض من ديوان اللغة الثقافي، وتتكرر هذه المعادلة في كل مجتمع لغوي، حتى إذا أردت أن تتحقق من المستوى الثقافي والاجتماعيلأي قوم فالتمسه في معجم لغتهم، فحجم معجم اللغة يعادل مستوى ديوانها الثقافي، وعلى قدر إناء المعجم يتحدد مستوى النمو الثقافي والاجتماعي.

أما عن العدل فيقول ابن منظور “إن العدل هو ما قام في النفوس أنه مستقيم” ، ويعني التقدير المنصف والاعتراف واحترام الحقوق وما يستحقه كل فرد ، وهو ما يؤدي إلى إعطاء المرء ما له وأخذ ما عليه، أي أن العدل هو “إعطاء لكل ذي حق حقه، أو وضع الأمور في مواضعها الحقة” .

فالعدل إذن يعنيأن نمكن أصحاب الحقوق من حقوقهم، لأن الحقوق معرضة للاعتداء والانتهاك لكونها مرتبطة بحماية الذات الإنسانية وهويته، والعدالة اللغوية التي نحن بصدد البحث عنها لا تستثنى من هذا الوصف، أي أن العدالة اللغوية هي إشاعة العدل بين الأفراد والجماعات من خلال إعطاء الجماعة اللغوية نصيبها اللغوي وهي التي يتحقق بها العدل بين اللغات التي تؤسس المشهد اللغوي العام لدولة ما، الدولة المغربية موضوع الورقة البحثية، من خلال ثلاث دعامات أساسية؛

أولها؛ الاعتراف بالتنوع اللغوي داخل حدود الدولة.
وثانيها؛ تبني لغة مشتركة تحقق التواصل بين جميع مواطني الدولة.
وثالث هذه الدعامات، عدم إهانة اللغة الرسمية في عقر دارها.

وهي الدعامات التي أقرها الدستور المغربي في فصله الخامس ” تظل العربية اللغة الرسمية للدولة، وتعمل الدولة على حمايتها وتطويرها، وتنمية استعمالها، تعد الأمازيغية أيضا رسمية للدولة … تعمل الدولة على صيانة الحسانية، باعتبارها جزءا لا يتجزأ من الهوية الثقافية المغربية الموحدة، وعلى حماية اللهجات والتعبيرات الثقافية المستعملة في المغرب” يضيف الدستور “وعلى تعلم اللغات الأجنبية الأكثر تداولا في العالم، باعتبارها وسائل للتواصل، والانخراط والتفاعل مع مجتمع المعرفة، والانفتاح على مختلف الثقافات، وعلى حضارة العصر”

فالمتأمل في النص الدستوري السابق، يرى أن المغرب في طريقه إلى تحقيق العدالة اللغوية على الأقل من الناحية التنظيرية، من خلال تحقيق المساواة بين اللغة العربية أولا باعتبارها اللغة الرسمية للبلاد والأمازيغية ثانيا باعتبارها لغة رسمية أيضا بجانب اللغة العربية، إضافة إلى اللهجات المحلية باعتبارها جزءا لا يتجزأ من الهوية المغربية الموحدة، زد على ذلك تعلم اللغات الأجنبية الأكثر استعمالا في العالم.

إلا أن الحديث عن العدالة اللغوية ـ من الجانب العملي التطبيقي الإجرائي ـ في المغرب يدفعنا مباشرة إلى الحديث عن واقع هذه اللغات في المؤسسات المغربية؛ مع التركيز على واقع اللغة العربية باعتبارها اللغة الرسمية للبلاد مقارنة مع اللغات الأخرى، من خلال وضع سؤال لطالما أرقنا كثيرا ونحن نتحدث عن تحقيق العدالة اللغوية:إلى أي حدّ تم تحقيق مبدأ العدالة اللغوية في المؤسسات المغربية؟ وإلى أي حد تم إعطاء اللغة الرسمية حقها ومكانتها الي تستحقها؟.

إن اللغة العربية حاضرة باستحياء في كلية الشريعة واللغة، منبوذة في كلية الحقوق والطب، غائبة غيابا غير مبرر بكلية العلوم والهندسة، ملوثة القواعد في بعض وسائل الإعلام، غائبة غيابا شبه تام في وسائل الإعلام الأخرى، منبوذة وغريبة الاستعمال في الإدارات بمختلف أشكالها، إنه واقع يجعلنا نقول بدون مبالغة: انتهاك للسان المتكلم المغربي ولحقوقه اللغوية التي ضمنها له الدستور، إذ إن الطفل المغربي يولد بالفطرة والمؤسسات التعليمية والإعلام المغربي والإدارات بمختلف أشكالها تدرجه أو تفرنسه فليتحملوا عواقب ذلك ، كل ذلك يتم في وقت تلحّ فيهالوثائق الرسمية على أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية للبلاد وينبغي العمل على تطويرها والتمكين لها قراءة وكتابة.

ولن نجانب الصواب إذا قلنا إنّ الشعب أمام هذا الوضع سيبقى صمااجتماعيا إذا لم نعط اللغة العربية حقها من العناية والاهتمام، بكماثقافيا إن لم ننصف اللغة العربية بإعطائها المكانة التي تستحقها، مضمحلا منحطا سوسيوثقافيا في سلم التنمية المنشودة إذا لم نلب نداء العدالة اللغوية، نداء اللغة العربية وهي تنادي أنصفوني وقانا الله شر هذا الاضمحلال وهذا الانحطاط.

إننا نشدد هنا، على أن تحقيق التنمية السوسيوثقافية لا تتم إلا بانتفاء مبدأ التعسف وانتهاك اللغة، ليحل محله مبدأ العدالة اللغوية الذي يضمن حق اللغات في التعايش بدل التصادم، وذلك من خلال الدعامات السالفة

• الاعتراف بالتنوع اللغوي داخل حدود الدولة
• تبني لغة مشتركة تحقق التواصل بين جميع مواطني الدولة كتابة واستعمالا
• عدم إهانة اللغة الرسمية في عقر دارها

إنها الدعامات التي ستمكننا في الأخير من تحقيق التنمية السوسيوثقافية المنشودة، ومن ثمة فإنالعدالة اللغوية تعتبر من المقومات الضرورية لحفظ التنمية السوسيوثقافية، وهي لا تقل أهمية عن سائر أصناف العدالة التي يتعلق بوجودها الاستمرار الثقافي والاستقرار الاجتماعي، وليس من الصواب في الرأي الاعتقاد بأن تحقيق العدالة اللغوية ليس إلا أمرا ثانويا بالقياس إلى التنمية الاجتماعية والثقافية، فالعدالة اللغوية هي السبيل إلى تحقيق التنمية السوسيوثقافية

تعليقات الزوّار (0)