https://al3omk.com/335812.html

الهجرة السرية بعيون تلفزيون الواقع

لم يعد اللاجئون السوريون، يصنعون وحدهم الحدث، كأفواج مهاجرة عبر القوارب، في اتجاه أوروبا، هروبا من هول الحروب، وفظاعة الصراعات الطائفية، بل انضاف إليهم المهاجرون السِّريون المغاربة، لكن هذه المرة وفق طقوس جديدة، عنوانها، تصوير وتوثيق عمليات اختراق الحدود البحرية بالصوت والصورة، في اتجاه الضفة الأوروبية.

كَشْفُ المهاجرين السريين لملامح وجوههم بالصوت والصورة، وتقاسمها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يعتبر حدثا جديدا، وغير مسبوق، قياسا على طبيعة الفعل المفروض أن يأخذ طابعا سريا، فإذا به يأخذ مسارا علنيا، وكأن الأمر يأتي في سياق الانقياد وراء الثورة الرقمية، التي جعلت أحداث العالم، تأخذ بعدا وثائقيا، يوثق أبسط تفاصيل المعيش اليومي للأفراد والجماعات، وقد يكون الأمر أقرب إلى سلسلة حلقات تلفزيون الواقع.

تبدو على ملامح المهاجرين السريين المغاربة، قسمات ظاهرها الانتشاء والاحتفالية بهجرة أرض الوطن، الذي في اعتقادهم بدد أحلامهم، وأدار ظهره لطموحهم، فباتوا بلا أفق في العيش الكريم، وبلا بصيص أمل في المستقبل، وباطنها مرارة ترك الأسرة والأحباب، والارتماء في أوطان الأغيار.

موقع المغرب المطل على البوابة الأوروبية، يجعل مسألة الهجرة السرية، ليست بالأمر الغريب، فجموع المغاربة بالآلاف عَبَرَت إلى الضفة الأوروبية بشتى الطرق، منذ مطلع النصف الثاني من القرن العشرين، ومازالت مستمرة إلى حدود الساعة.

فإذا كانت البلاد أضحت مقصد المهاجرين من جنوبي الصحراء الأفريقية، للعبور إلى القارة العجوز، فإنه من الطبيعي أن يحاول المغاربة عبور الضفة الأخرى في كل مرة بحكم القرب من أوروبا، هروبا من الفقر والبطالة، نتيجة لفشل السياسات العمومية في بلوغ النمو الاقتصادي المطلوب، واللحاق بركب التنمية، الذي مازال بعيد المنال.

انتشار الصور والفيديوهات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وهي تُصَور مشاهد عشرات المواطنين من مختلف الأعمار والأجناس، مكدسة على قوارب صغيرة، تخترق مياه البحر الأبيض المتوسط، زاد من أبعاد الظاهرة، وأكسبها حجما وزخما إعلاميا أكبر، فأصبحت حديث العام والخاص، وفتحت النقاش في صفوف الرأي العام، مما شكل إحراجا حقيقيا للسلطات، حيث بدأت تُطرح أسئلة عديدة، عن حجم الظاهرة، وعن مستوى مراقبة الحدود البحرية، فالصور المتناقلة تُعطي الانطباع، بأن هناك حرية في تنقل المافيات التي تقف وراء تنقيل المهاجرين، وهل هذا الأمر يفيد بأن السلطات، لم تعد قادرة على احتواء الظاهرة، أم أن المسألة تنطوي على أبعاد أخرى، تدخل في إطار سياسة الضغط على أوروبا، من أجل تلقي المساعدات المالية، أو من أجل فتح باب التفاوض مع الأوروبيين، قصد ربح بعض الامتيازات في ملفات مهمة، فأنجيلا ميركل، لا تتوانى في التنقل للبلدان المعنية بالهجرة، من أجل إقناعها على التعاون من أجل الوصول إلى حلول، تصد جمهرة من المهاجرين المتقاطرين على أراضي القارة العجوز.

المهاجرون السريون المغاربة على ظهر القوارب، لم يكتفوا بنقل صورهم، بل بادروا إلى إطلاق خطابات، تحمل نبرة احتجاجية عن أسباب ركوبهم البحر، والمغامرة بخوض تجربة الهجرة، هذه الخطابات تحمل في طياتها رسائل تدخل في حكم المسكوتات، وكأنهم انزاحت عن رقبتهم القيود، وانطلقت سريرتهم لنشدان الحرية في التعبير عما تعتمل به نفوسهم.

من جانب آخر، يمكن القول، بأن الهجرة تمثل فرصة ثمينة للدولة، ورأسمال حقيقي، يساعدها على تصريف مشاكلها الاجتماعية، وأزماتها الاقتصادية، وامتصاص جموع الشباب المغربي العاطل، فتحويلات المهاجرين في الخارج من الأموال تضاهي المليارات، وتساهم في سد عجز ميزانية البلاد، وإعالة عائلات عديدة بأكملها، التي تعول في الكثير من الأحيان على عون ومساعدة أبنائها من المهاجرين.

يمكن أن تظهر لنا صور المهاجرين المغلوب على أمرهم، في مشاهد بئيسة تُدمي القلب من الشفقة وتُدمع العين من الحسرة، والمخاطرة بحياتهم في عرض البحر، وكأن بهم مطرودين بلا رجعة، لكن الصورة قد تتغير مستقبلا، وتصبح تلك الوسيلة، أو السبيل للهجرة، خيارا ناجحا للبعض، عندما يتمكنوا من الاندماج في بلدان الاستقبال، وخروج أبطال وعقول متألقة من أصلابهم، فَيَسْتَمِيلُهم البلد، ويَطْلُبُ وِدَّهُم لتمثيل المغرب في المحافل الرياضية والمنافسات العلمية، فَتُمْنَح لهم الأوسمة، وتُقام لهم الولائم، وما وُصول المنتخب الوطني لكرة القدم إلى منافسات كأس العالم لسنة 2018، إلا اعتمادا على أرجل وسواعد وأكتاف أبناء المهاجرين، الذين قد يكون أباءهم وأمهاتهم، هاجروا على ظهر قارب، أو العوم سباحة بجانب الأسماك، أو متسللين داخل شاحنات نقل البضائع بالموانئ.

هذه الأحداث، ستكون فرصةللقوى المعارضة في البلاد، لِتُحَمِّل الحكومة مسؤولية الأوضاع المزرية التي تعيش فيها البلاد، مما دفع أسر بأكملها لخوض مغامرة الهجرة السرية، عوض فئة الشباب التي كانت تقتصر عليها هذه الرحلة الخطرة في السابق.

الحكومة المغربية التي تعيش في تيه حقيقي، ومعها الأحزاب، منشغلة فقط بالمحافظة على أغلبيتها، وجمع شمل أحزابها المكونة للحكومة من الانقسام، وإرضاء بعضها البعض، من خلال اقتسام كعكة المناصب العليا بالمؤسسات العمومية، وغير قادرة على مواجهة الشعب، والإدلاء بدلوها في القضايا التي تشغل الرأي العام، خوفا من ارتكاب انزلاقات في خطابها، قد تكون موضوعا رائجا في مواقع التواصل الاجتماعي، وتتطور لتطيح بكراسيهم وامتيازاتهم.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك